جريدة النجم الوطني

مسافر في الليل بقلم / على حزين

0 32

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مسافر في الليل بقلم / على حزين

ارتاد آخر قطار متجه إلي القاهرة , حشر نفسه وسط الكتل البشرية المعتركة الأجسام , المتدافعة بقوة وبعد معاناة ومشقة لم يجد مكاناً ليجلس فيه سوى خلف الباب كالعادة وحتى يتحاشى الكتل البشرية المتدافعة من شدة الزحام .. وقف خلف الباب في صمت وترقب ,بضع دقائق معدودة ريثما يلتقط فيها أنفاسه ويعدل فيها من وضعه , وتهدأ وتعود إليه نفسه ,

الركاب في حالة تدافع بين نازل وراكب , والقطار يُصَّفر فتتعالى الأصوات , وكان الجو حار جداً , والعَرَق يُلجم الناس إلجاماً , وهو واقف يجفف عرقة بمنديله الورقي المعطر , يتحرك القطار فتدخل نسمة هواء طرية تلف المكان وتُلَّطف الجو , والوجوه , ينظر من نافذة القطار الي ميدان المحطة الذي خلى الاَّ من بعض المارة ,

العربات المنتظرة خلف المزلقان والترعة التي بجوار شريط القطار , والكُبري العلوى الذي اُنشأ حديثاً لفك الزحام , والبيوت والمدارس التي راح يتجاوزها القطار في بطء , نظر إلي الخضار المترامي الأطراف, والنخيل والشجر النائم في سكون وسط الحقول , والي النوافذ المضاءة في جوف الليل , تمتم في نفسه بكلماته المشهورة “حدوته وراء كل باب ” شعر بالتعب يمسك قدميه فجلس القرفصاء , سرح بعقله قليلاً , تصور المكان الذي هو ذاهب إليه , وتوقع ماذا سيحدث عندما يصل , وتخيل الكُل في انتظاره , وتخيل نفسه وقد أحتشد من حوله الناس يريدون أن يتعرفوا عليه ويتصوروا معه ويحظوا بتوقيعه الثمين , فقد أصبح رجلاً مهماً للغالية, ومعترف به في المحافل والمنتديات الدولية , وعلي كل الأصعدة والمستويات بعد أن كان كماً مهملاً , ونسياً منسياً , أو هكذا سوَّلت له نفسه

تحسس حقيبته السمراء التي ترقد فيها أوراقه المهمة ,والتي اشتراها خصيصا لذلك , وبعض الكتب التي يحرص دائماً بأن يصطحبها معه في السفر …. تقع عينه على كرسي تركه صاحبه لتوه , بعد أن حزم حقائبه , وامتعته , وأنزل أغراضه من على الرف , وهو يتهيئ للنزول في المحطة القادمة , و يشير اليه بيده بأن يأتي ليجلس مكانه , هب مسرعاً وفي غضون ثواني معدودة كان قد غرس نفسه في الكرسي , جلس مُمَنِيَاً نفسه بسفرية سعيدة , وبرحلة ممتعة ليلية عبر قطار نصف الليل , جلس في مكانه الجديد , وقد وضع قدم على قدم , وحقيبته السمراء فوق رأسه , ” كثيراً ما يحدث ذلك معه وهو في سفره الي القاهرة , يقف خلف الباب منتظراً أحد الركاب ينزل في إحدى المحطات فيجلس مكانه , وربما اختلف الأمر وانعكست الآية معه وانقلبت الصورة فيقوم هو من مكانه ويُجلس غيره ليستريح , فالسفر قطعة من العذاب كما يقال , لكن فيه سبع فوائد ”

نظر في الوجوه التي تملأ العربة , تأملها لثواني معدودة , فرأى فيها الصمت يصارع الحزن ويتحالف مع البأس والشقاء , لاحظ امرأة شابة تحمل صبي مريض علي صدرها, أشفق علي الصغير وأمه فقام من مقامه وأجلسها مكانه , يبتسم في وجه الصبي وهو يفارقهما الي مكانه الأول خلف الباب , لاحظ بعض الركاب من رأوا المشهد يتهامسون وهم يبتسمون في خباسة ولؤم , لم يبال بأحد , ” كان يجب عليه أن يترفع عن تلك الأمور الصغيرة , فمتعة اللقاء وجمال المكان الذي حرص أن يكون متواجداً فيه والذي طالما كان يحلم أن يذهب إليه جعله يتحمل كل هذا العناء “انزوى خلف الباب مرة أخرى ومن جديد راح ينظر من النافذة الزجاجية المكسوة إلى بعيد , وسرح بخياله من جديد , وراح يتذكر, أول مرة ركب فيها القطار بعدما صُدِم في حبه الأول ” سافر إلي القاهرة في تلك الليلة التي تزوجت فيها حبيبته برجل آخر, وكانت ليلة عصيبة وصيفيه مثل هذه الليلة , وكان صغيراً يومئذٍ لم يتعدى عمره السابعة عشر ربيعاً , أراد أن يترك لها البلد بما فيها , وأقسم ألا يعود الي بلده مرة أخرى إلاَّ إذا حقق ذاته ونجح في حياته ويجعلها تندم على أنها باعته واشترت غيره ”

صوت الكمسري الأجش يخرجه من تداعياته ــ تذاكر يا حضرت ..؟ مد له التذكرة , علَّم عليها بعدما نظر فيها , ثم ردها إليه ثانية , وضعها في جيبه , نظر في ساعة معصمه كانت تشير إلي الواحدة بعد منتصف اليل , لاحظ ضوء العربة ملائماً للقراءة , فأخرج كتاباً ليقرأه , ويقتل به الملل , والوقت , قَلَبَهُ بين يديه ” مسافر ليل ” للمبدع الرائع ” صلاح عبد الصبور ” انغمس في القراءة بشغف ونهم , فهو يحب القراءة لدرجة الهوس , ولدرجة أنها أفقدته الكثير من نظره مما اضطره إلي الكشف علي عينيه , وصنع نظارة قراءة له , ..

نهض قام على قدميه , عدَّل من هندامه الأنيقة التي حرص بأن يكن مرتديها في هذا المكان وتلك المناسبة المهمة الذي هو ذاهب إليها , ابتسم في نفسه , لمَّا تذكر الأمس البعيد , وتلك الليلة الحزينة التي مرت به في القديم , وقارن بينها وبين تلك الليلة الجميلة , ” اليوم هو متزوج من امرأة جميلة يحبها جداً, وأنجب منها الأولاد , وأصبح ناجحاً في حياته العملية , والعلمية , وأصبح رجلٌ مهماً ومشهوراً وأصبح شخصيةً عامة يُدعى للمؤتمرات والمحافل العلمية الهامة, ويُدعى من قِبَل المسؤولين ليحضر المؤتمر السنوي الذي سوف ينعقد غداً , وسوف يتكلم فيه ويلقي كلمته ويسمعه الجميع , ويصفق له , وقد سجل التاريخ اسمه بحروف من نور ,

أما هي فقد ابتلعتها الحياة , واختفت , وذابت بل غرقت في دوامات الدنيا , وأصبحت نسياً منسيا , مرة واحدة يتيمة تقابلت فيها الوجوه , وامتدت فيها الأيادي بينهما بالسلام , لكن لم يشعر حيالها بنفس المشاعر ولا بنفس الأحاسيس التي كانت تملأه في الماضي نحوها ” ..

أخرجهُ من تداعياته مرة أخرى صوت الكُمسري وهو يهزه من كتفه ,ـــ تذاكر يا حضرت ….؟! ــ …………… القطار ينساب بين المدن البعيدة .. والليل المترامي الأطراف يحمل في جوفه فجراً جميلاً , وهو من حين لأخر ينظر إلي ساعة يده , ويحسب كم مضى من الوقت , والنوم يسرق بعض العيون, والباعة الجائلون في القطار في حركة دائبة رتيبة لا تنقطع وهو من حين لآخر يرسل عينيه نحو حقيبته التي ترقد علي إحدى الرفوف بسلام , لاحظ أم الصبي وقد سرق النوم عينيها , والصبي لم ينم , ينظر إليه من حين لأخر ويبتسم , فيبتسم له الصبي ابتسامة عريضة وصادقة ,

تذكر أبنائه الذين يحبهم كثيراً , ويسعى جاهداً في اسعادهم , وتعليمهم , وتوفير المعيشة الكريمة لهم ,” يقترب القطار من إحدى المحطات , يخرج رأسه من القطار يقرأ اللافتة التي على الرصيف , وينظر في وجوه الناس التي تتهيئ للركوب في القطار , ينزل اُناس ويركب أخرون , يتأمل المشهد الذي يشبه الحياة كلها , ” القطار والحياة والناس .. الرصيف والمحطات , فالدنيا كالقطار , والناس بين راكب فيه ونازل منه , كل من تأتي محطته ينزل من القطار ليركب غيره في قطار الحياة من جديد , الناس تنزل من القطار بصعوبة بالغة من شدة الزحام والأجسام المعتركة وهم يحملون حقائبهم وامتعتهم علي اكتافهم ,

من جديد سرح بخياله بعيداً , تمتم في نفسه وهو مبتسماً : ــ لم يزل في الوقت متسع وبقية ” أقلع القطار من جديد , بعدما أعلن له ناظر المحطة بالإقلاع , وانطلق القطار يطوي المسافات البعيدة, ويتخطى المدن النائمة ويعلن صولجانه وسطوته ويجوب بهدير عجلاته وسط الحقول المترامية الأطراف , وراح النوم يتسلل ليسرق العيون من جديد , وهو قد شعر بالملل أخرج آخر سيجارة كانت في جيبه ليشعلها, وراح يتجول ببصره في المكان , في محاولة لاستكشاف امر ما , وبدأ الملل يشتد ويتسرب الي نفسه .. ففكر في قطع حبل الملل الذي راح يُطوَّقه , وقتل الانتظار , فكر أن يُخرج كتاب ” مسافر ليل ” مرة أخرى من حقيبته السمراء , لكنه تراجع عن فكرته تلك وخصوصاً النور في العربة قد خفت , ولا يشجع على ذلك , فاكتفى بالاسترخاء على الكرسي , وقد علق عينيه في السقف , وسرح بعيداً بعيداً بخياله , وفي هذا اللقاء الهام المرتقب , المنتظر ,

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.