جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

نظرة على فن الزمن الجميل مع العملاق “محمود مرسي”

0 223

كتب /د. هاني توفيق

عن بوليني دكيومنت

 

إسمه بحسب بطاقته الشخصية محمود مرسي محمد، تزوج مرة واحدة فقط من الفنانة سميحة أيوب وله ولد واحد اسمه علاء وقد عاش في الفترة من (7 يونيو 1923 – 24 أبريل 2004) عن عمر ناهز 81 عاما، عاشها خجولاً مثقفاً وقارئاً أصدقاءه قلة، ومن الجدير بالذكر قبل سرد أقصوصته أنه كتب نعيه بنفسه ذاكراً فيه أسماء أقرب الناس إليه…

 

دخل هذا الفنان ميدان التمثيل عملاقا من أول دور وطوال 40 عاماً لم يمثل سوى 25 فيلمًا اختارها بعناية بالغة لتغدو بدورها أهم أفلام تاريخ السينما المصرية.. يدافع فيها عن الحرية.. من حرية المرأة فى «الباب المفتوح» عام 62 إلى حرية الوطن المحتل فى «ثمن الحرية» عام 64، إلى حرية الوطن الذى يعانى من الاحتلال الإسرائيلى في «أغنية على الممر» عام 72 و«أبناء الصمت» فى 74، إلى حرية الإنسان كما يجسدها الإسلام فى «فجر الإسلام» عام 71. إلى حرية الفنان في التعبير عن التناقض فى التكوين النفسى للإنسان فى «الليلة الأخيرة» سنة 63 و«الخائنة» عام70 و«زوجتى والكلب» عام 71 و«الشحات» 73، وطوال ربع القرن الأخير من عام 1975 لم يمثل محمود مرسى إلا فيلمان مصريان «حد السيف» 1986 ثم «الجسر» 1998 وقد جاءته جائزة الدولة التقديرية فى الفنون في موعدها عام 2000 مع نهاية القرن العشرين حتى لا يكون القرن قد مضى دون تقدير الدولة لفن التمثيل وصاحب لقب «أستاذية الشمولية» فيه.. شمولية القدوة والمثل الأعلى وروح الفن والإتقان الخلاق والتفرد المبهر والعطاء بلا حدود والأصالة الضاربة فى الجذور.. أستاذ الشمول الذى دخل ميدان التمثيل على كبر في سن كانت تعتبر بالنسبة لغيره لعبًا في الوقت الضائع حين فاته أوان دور الفتى الأول، لكنه دخل عملاقاً من أول دور، ليولد على يديه لون جديد من التمثيل ذى القيمة الفنية العالية، فلم يلجأ للتمثيل المسرحى ليكون أداؤه صاخبًا رناناً حادًا زاعقاً فخماً، ولم يأت لنا من باب التمثيل السينمائى المسطح الذى كان سائدًا، وإنما جاء من يوتوبيا الفن الخالص، حيث التمثيل علم قبل أن يكون فناً.. علم استقراء النفوس والغوص في شبكة المشاعر الدقيقة، وتشريح الشخصيات نفسياً واجتماعياً وبيئياً، ودراستها من جميع الوجوه، ووضعها فى بوتقة كل التجارب، وكيفية أن يضع الممثل نفسه في قلب الشخصية المؤداة ويرتدى جلدها، ليذوب في عروقها ومسامها حتى لينتفى من أذهاننا تماماً أننا أمام ممثل يمثل أو أن محمود مرسى ليس عتريس فى «شىء من الخوف» ولا عبدالهادى فى مسلسل «زينب والعرش»، ولا الأب المعلم في مسلسل «العائلة» ولا المؤلف فى «بنات أفكارى» ولا النصاب في «الثعلب فات» ولا السيد عبدالجواد فى «بين القصرين» التليفزيونية.. ولا أبوالعلا البشرى الإنسان فوق الإنسانية أو دوكيشوت الشرق والعصر، ولا المناضل المهزوم فى «السمان والخريف» ولا المواطن المكافح فى «حد السيف» ولا الإنسان فوق العادة فى «الرجل والحصان»… ولأنه كان يعرف أنه ليس فردًا فى كورال المنشدين وإنما قائد الأوركسترا فى أحيان، وعازف منفرد في أحيان أخرى،

لم تكن مصادفة أن يؤدى محمود مرسى دور الأستاذ عباس محمود العقاد في المسلسل الذى صوّرَ حياة ذلك العملاق وكأن العقاد حيًا وأذيع منذ أكثر من ربع قرن لكن أثره لايزال باقيًا فى وجدان من شاهدوه وهو المسلسل الذى لم يعرض للأسف سوى مرة واحدة بلا سبب نستطيع هضمه.. ومن هنا سنظل نجلس إلى صدق محمود مرسى العملاق الذى لا يقاس بأحد ولا يقاس به أحد لأنه خارج صندوق المنافسة، لأنه بشموليته فن قائم بذاته..وهو الحجر الكريم النادر في جبين تاج التمثيل العربى منذ كان وإلى ما لا نهاية..

لأنه كوكتيل لإنسان صعب المراس، حاد المزاج، نقى السريرة، نظيف اليد، عميق الثقافة، واسع الأفق، باتر كسيف، رقيق كجناح فراشة، حنون كنسيم الصباح، وديع كقطة، خجول كعذراء، واضح كضوء الشمس، مشع كنجم قطبى، مستثنى كموهبة، فنان لتوصيل رسالة، زاهد مستغنٍ، منصت بعينين فيروزتين خلفهما منصة للكشف الذرى… نجلس إليه نتابعه بشغف فى جميع أدواره حتى إذا ما قام بأدوار الشر فهو بداخلها لا يتلذذ بمشاهد القسوة كما يفعل بعضهم لينقل إلى المتفرج عدوى التلذذ بالقسوة، ومن ثم تعمى بصيرته عما يجب رفضه ومقاومته من السلوكيات الشريرة، إنما هو يعبر بتمثيله المدروس المتميز عن القسوة، يعبر عن الشر دون أن «يبروزه» بسحر الفن، إنه الذى يعرف جيدًا كيف يشحنك ضد الشرير، وكيف يجعلك تكرهه وترفضه وتلفظه من حياتك.. كذلك يعرف كيف يستقطبك لصالح الإنسان الخير.. كيف يقنعك بأن الجميل لا ينسى وأن الجمال المزيف يذوى ويضحمل..

 

ولأن الصداقة كانت لدي محمود مرسى تعنى أن قرابة الفكر والروح قد تكون في بعض الأحيان أقوي وأوثق من قرابة الدم عندما يكون ماء.. ومن هنا جاء في سطور نعيه بعد وفاته أنه كان صديقاً لفلان وفلان وفلانة.. دستة من الأصدقاء بعض قليل منهم على قيد الحياة إلا أن الفنانة العملاقة/ سميحة أيوب والدة الدكتور علاء محمود مرسى ابنه الوحيد وكانت زوجته الوحيدة كانت على رأس هؤلاء حيث قالت: «محمود كان عازفا زاهدًا في كل حاجة ومالوش أطماع ولا يحب الاستعراض.. قال لي يوم منحه جائزة الدولة التقديرية أنا حاسس إن فيه ناس كثير أحق منى بها..محمود كان نوعاً فريدًا.. كان طفلا خجولا ومعتدا بنفسه ومدركاً مساحة إمكانياته الهائلة، وقدرنا نحافظ على مستوى الصداقة رغم انفصالنا.. ففي أول لقاء لنا في البرنامج الثانى حينما صادف يوم ذهابي للإذاعة حيث كان يعمل بها مقدما ومخرجا لبرنامج فوجئت بشخص يقف ويقول لى الست سميحة اتفضلى.. وتكررت اللقاءات ولاحظت أننا نتحاشى أن تلتقى أعيننا فقد كان الخجل حائلا بيننا..
وفي مرة قال لي أنا معجب بك فرددت عليه بسرعة وأنا كمان فقال لي أحترم صراحتك وتزوجنا بعدها بثلاثة أشهر وكان الخبر بمثابة الإعصار لمعجباته..رافقته في بعثته إلي إيطاليا، حيث أنجبت علاء وكان محمود يذهب إلى محاضراته وأنا أنزل إلى السوق أشترى اللحم والخضار وبعد الغداء نتجول فى شوارع إيطاليا الساحرة وعدنا للقاهرة وبدأ محمود يشكو من انشغالى أنا الزوجة التى تعود للمنزل شبه جثة هامدة..بعد استنفاذ يومي في معترك الحياة…
إلا أن ما أستطيع قوه أن الحياة من غير محمود دمها ثقيل ومالهاش معنى وصحيح كانت لقاءاتنا قليلة، لكن كان حسه فى الدنيا..لم يقل لى يومًا كلمة جارحة انفصلنا بهدوء ومات بهدوء..

غادر الحياة دون أن يزعج أحد وكان قد طلب ألا تكون هناك جنازة وأن نعلن خبر وفاته بعد دفنه.. وقد كان»..

ورغم أنه كان قليل الكـلام فقد اجتمع لدينا من كـلام محمود مرسى الكثير، إلا أننا لن نسرد إلا القليل علي لسانه:
«أنا لا أجيد الكـلام بالنسبة للإذاعة الناس بتسمعنى في الأعمال التى أقوم بها وبالنسبة للتليفزيون الناس بتشوفنى في أعمالى يبقى عايزين أتكلم ليه؟!…

وفي حديث آخر قال: لو كان الجانى الذى اعتدى على نجيب محفوظ قد قرأ «أولاد حارتنا» لما طاوعته يده الآثمة على أن تمتد إلى عنق هرم مصر الرابع لتنال منه ومن مصر كلها….

كما صرح ذات يوم قائلا: تمنيت تجسيد شخصية الليث بن سعد لأنه خير مثال للإسلامى المستنير، ونحن فى أمس الحاجة لمثل تلك الشخصيات التى تحمل مبادئ الإسلام وأفكاره الحقيقية في وسط حفنة من العقول الظلامية التى تريد النيل من شبابنا….

وفي حوار مقتضب عن نفسه قال: قدمت شخصية السيد عبدالجواد فى ثلاثية نجيب محفوظ فى التليفزيون بمنظور جديد يختلف عن أداء العزيز يحيى شاهين الكـلاسيكى الذى قدمه فى أفلام حسن الإمام….

كما كان له مفهوم خاص عن ضيف الشرف بأي فيلم حيث قال:
حكاية ضيف شرف ليوم واحد فى منتهى السذاجة ولا يقبل بها فنان محترم على الإطلاق ليعمل باليومية مثل النجار والسباك….

وعن حياته الخاصة صرح ذات يوم بأن انفصال والده عن أمه قد أثر في نفسه على المدى الطويل بالغ الأثر ذلك أن درجات من الشك والإحساس بعدم الأمان والقلق ظلت ملازمة له طوال حياته…

وعن التمثيل قال:
التمثيل بالنسبة لى في جميع المراحل كان أقرب إلي الكرة التى أحاول التخلص منها فأقذفها بقوة، وعلى طول يدي وإلى آخر المدى لكنها ترتطم بالجدار لتعود إلي أكثر قوة…

وعن آراؤه في الفنانين قال :
زكى رستم أحسن ممثل جاء فى هذا البلد على الإطلاق…
ونوه عن دوره فى فيلم (شىء من الخوف) حيث قال عنه بعض النقاد أن عن عتريس رمزا للتسلط والإستبداد وأنه يجسد شخصية عبدالناصر كديكتاتور وأتى الإنصاف من ناصر شخصياً عندما سمح بعرض الفيلم بعد مشاهدته قائلا:
إذا كان هناك فيلم يستطيع أن يهز نظاما فلا أهمية لهذا النظام ولا ضرورة له»….
وعن ابنه قال هو كل ما خرجت به من الدنيا وهو منذ طفولته يميل للعلم وإلى كل ما هو جديد. أعتبره صديقا وأخاً أكثر من كونه ابناً وعندما نلتقى يبوح كل واحد بأسراره للآخر، فلا توجد بيننا حواجز تمنع التواصل، الاختلاف الوحيد هو نظرة كل منا للمرأة !! فتجاربي جعلتنى أفكر ألف مرة قبل السماح لها بدخول حياتى، أما أحمد فيرى أنها الحياة التى لا يمكن الحياة بدونها…
وعن تدواره قال: لا يوجد خط يجمع أعمالى وهى أفضل طريقة أقدم بها نفسى للجمهور…وأنا كشخص لا أكره المرأة ولكن لأننى أفهمها أتعامل معها بحذر..والممثل العظيم هو الذى يستطيع اقتحام الدور والخروج منه دون خوف…أحيانا أذهب إلى الاستوديو بمزاج متعكر دون تصورات محددة عن الطريقة التي سأنفذ بها مشاهدى، عندئذ يأتى دور زملائى في تنشيط طاقتى، فمثلا عندما كنت أمثل دور عبدالهادى في مسلسل «زينب والعرش» كان حسن يوسف ذلك الإنسان الجميل هو ملهمى فى كثير من الأحيان بتعبيراته وعينيه المعبرتين عن براءة ونقاء الشخصية التى يؤديها مما أعطانى مفاتيح العديد من المواقف…
أما عن مقاطعتي للصحافة فكانت تصرفا طرعي جاء مني ليشكل توفيرًا لطاقتى الذهنية والبدنية…

 

فأنا لا أميل إلى أستعادة ذكرياتى فحالي بها حال أي إنسان فإلى جانب السعادة كانت هناك لحظات كثيرة حزينة وأليمة….ومعظم الموضوعات سيئة وعندما قررت أن أختار أحسن السىء وجدت أن جميعه سىء جدا»..

ويشعر النجم الكبير بالإعياء رغم التزامه بأوامر الأطباء والانقطاع عن شراهة التدخين بمجرد أن قال له الطبيب إذا لم تترك السجائر فليس لك عندى سوى أهلا وسهلا وشرفتنا.. حيث كان يعانى من أزمات متفاوتة فى الكلى،
وقبل يومين من استئناف التصوير في مسلسل (وهج الصيف) طلب في اتصال من إبنه الحضور على وجه السرعة فذهب له على الفور تصحبه زوجته إلى منزل العملاق ليطول رنين الجرس ويسمعان صوت الخطوات البطيئة الزاحفة التي تقطعها هبدة الوقوع فيفتح الابن بمفتاحه لينقل والده لمستشفى الزراعيين، وهناك تنطفئ الشمس ويخبو الوهج…

رحم الله محمود مرسي فنان عاش ومات ممثلا لكل ما هو راق محترم..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.