جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

هرمون الرغبة والعنف.. وحادثة المنصورة!

0 14

هرمون الرغبة والعنف.. وحادثة المنصورة!

بقلم ا. د / اسامة حمدي
إعداد / محمد الزيدي

حاول كثيرون وضع تفسيرات لحادثة المنصورة التي راحت ضحيتها طالبة جامعية في عمر الزهور. والمؤسف أن يدلي البعض بدلوهم عن جهل طبي بوضع تفسيرات دينية وأخلاقية ترتبط بملابس الفتاة، ربما لغرض يبغونه. وزاد الأمور تعقيدًا محاولة التفسير النفسي للحادثة، وربطها بأمراض نفسية وعقلية نتجت من صد الفتاة لحب القاتل، أو صدْمَته في مشاعره، كذلك محاولة البعض ربطها بتعاطي المخدرات. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن الميل إلى العنف وتنفيذه مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بهرمون الذكورة المسمى بالتيستوستيرون Testosterone. هذا الهرمون لا يزيد فقط من الرغبة الجنسية عند الذكر تجاه الأنثى، ولكنه مسؤول مباشرة عن الرغبة في السيطرة والتحدي والعنف، والإحساس الذكوري وسطوته، وزيادة هذا الهرمون على الحد الأعلى له تؤدي إلى حوادث عنف شديدة قد تصل إلى الاعتداء الجسدي، أو القتل؛ ففي بحث أجري عام ١٩٧٢ على المساجين، اكتشف العلماء ارتفاعًا شديدًا في هذا الهرمون عند المتهمين بجرائم عنف وقتل، واتضح بعد ذلك أن هذا الهرمون يعمل على منطقة في المخ تسمى أميجدالا Amygdala، تنشأ فيها أفكار التحدي والتهور والعنف.

وتنشط هذه المنطقة عند الحيوانات، أما عند الإنسان فالعامل الأسري والمجتمعي يثبط كثيرًا نشاطها عن طريق تنبيه هرمونين مضادين، هما الكورتيزول والسيروتونين. ويزيد إفراز هرمون التيستوستيرون بعد البلوغ، ويصل إلى ذروته في سن من ١٨ إلى ٢٤ سنة؛ لذا تلجأ الجماعات الإرهابية إلى تجنيد الشباب في هذه السن.

وهذا ما صرح به يومًا أسامة بن لادن في لقاء تليفزيوني قبل أحداث سبتمبر ٢٠٠١؛ ففي هذه الفترة من العمر، وتحت تأثير هرمون التيستوستيرون المرتفع، يزيد الميل إلى التهور، والتحدي، والعنف الذي قد يصل إلى مرحلة القتل بوسائل بشعة، وهذا ما شاهدناه بأعيننا لسنوات.

ومع اختفاء الدور الأسري والمجتمعي، واعتياد الشباب مشاهدة أفلام ومسلسلات العنف والقتل والذبح والدماء، فإن قدرة مراكز المخ المضادة والواقعة تحت قشرة المخ على تثبيط الرغبة في العنف تقل كثيرًا، ويتحول الإنسان إلى التصرف الحيواني. ومن المعروف أن هرمون التيستوستيرون يُفرز على ومضات خاصة في أثناء النهار؛ مما يجعل الميل إلى العنف الجسدي سهلًا في هذه الأوقات كرد فعل عنيف لأي منبه من النقاش الحاد، أو الإهانة، وهو ربما ما حدث عند هذا الشاب القاتل.

والغريب اكتشاف زيادة هرمون التيستوستيرون عند الفائزين في التحديات والرياضات العنيفة، وحتى عند المتفوقين عن تحدٍ، ولكن تركيزه لا يصل إلى المستوى العالي الملاحظ عند المجرمين. أطالب شخصيًا بوقف عرض جميع أفلام ومسلسلات العنف والدم ما دام دور الأسرة قد تحجم تحت ضغوط العوامل الاقتصادية. يبقى أن أذكر أن (المغالاة) الدينية تولد نوعًا من الكبت الجنسي الذي يجعل تأثير زيادة هذا الهرمون عند الشباب قنبلة موقوتة في هذه السن الخطيرة. أتمنى أن يكون التفسير العلمي لهذه الحادثة قد اتضح لكم، وأدعو الله أن يغفر لهذه الفتاة، وأن يصبّر أهلها، ويكون هذا الحادث جرس إنذار للاهتمام بالشباب، وتفعيل دور الأسرة والمجتمع تفعيلًا مؤثرًا ومنطقيًّا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.