جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

نهاية وبداية بقلم / عمر أبو العلا

0 9

نهاية وبداية بقلم / عمر أبو العلا

عند أطراف المدينة هناك .

وعلى ضفة النهر كنت أخطو يائساً ، أركل الحصىٰ وأوراق الشجر بقدمي .

كانت ذاكرتي تعرض أمامي شريطاً سينمائياً لكل أحداث حياتي وما مضىٰ من عمري .

فيلماً لا بطولة فيه إلا للإحباط والخذلان .

وجوهاً كثيرةً وأسماءاً مرّت أمامي كالبرق .

منهم من أَحَبَّ ، ومنهم من أَشفَقَ ، ومنهم من خَذَل .

كنت أرىٰ على الشاطئ ثنائيات العشاق .

كم وددتُّ حينئذٍ أن أصرخ فيهم :

كفاكم كذباً ، وخداعاً ، وتمثيلاً .

ولكن بداخلي كان هناك صوت يحادثني :

إخرس يا من تسيء الإختيار دوما دون روِيِّة .

وصوت آخر يرد عليه بتجهم غاضب :

يا أنت ، أنا لست مغروراً وسط عالم فاجر .

ثنائيات تتحاكىٰ في الشوق والحب أمامي .

وبداخلي ثنائي يتعارك لفرض رأيه على الآخر .

وإذا بي وأنا بين خضمّ تلك المعتركات .

لم ألحظ تلك الخطوات الثابتة خلفي .

خطواتٌ لم تبتعد ، ولم تقترب منذ بدأت السير .

لاحظتُ ، ولم أشأ أن ألتفت ، فما عدتُّ أهتمُّ بشئ .

أبطأتُ الخطىٰ قليلاً ، حتى وجدت أريكتي .

وألقيت بجسدي ، وواجهت النهر بعبوسي .

وبغريزة الفضول نظرت خلفي نحو المتتبِّع .

عندئذٍ فوجئت بآية الله في الجمال الأخَّاذ .

للحظات نسيتُ ما كنتُ فيه ، وتعلّقَت عيوني .

إنها ثلاثينيةٌ رائعة الحسن ، مكتملة الأنوثة .

على وجهها شبح ابتسامة تجاهد للارتسام .

وبعينيها مزيج من ترقّبٍ وإعجاب .

مزيجٌ من حزنٍ وشفقةٍ وحبٍ ما له من مثيل .

تمسك بيدها وردة حمراء جميلة .

وأبطأَت السير وهي ترىٰ نظراتي إليها .

حتىٰ توقّفَت أمامي صامتةً بلا تغييرٍ لملامحها .

إبتسمنا بصمتٍ دون أن ينبث أحدنا بحرف .

دعوتها للجلوس بإشارةٍ من يدي ، فجلسَت .

وبدأتُ أنا الكلام ، كأنني أنتظر من يسمعني .

وقرابة النصف ساعة ظللتُ أحكي أمامها .

وهي لم تنطق ، وظننتُها من الخجلِ لم تنطق .

قصصتُ عليها حكايتي باختصارٍ وإيضاح .

وكثيراً ما رأيتُ لآلئ الدمع في عينيها لأجلي .

أنهيتُ حديثي ، وطالبتُها بالحكي عنها .

دمعت عيناها وهي تنظر للوردة قبل أن تعطني إياها .

ثم نظرَت إلىٰ عيني بنفس تلك النظرات الدامعة .

وأشارَت إلىٰ فمِها وحنجرتِها بأنها بكماااااء .

ااااه يا الله .

إنها خرساااء ، يالمعجزاتك يا ربي .

وظهر على ملامحي الحزن ونظرة اندهاش لاحظتها هي ، وبدا عليها الخذلان عندما وقفَت وأولتني ظهرها .

فاندفعت واقفاً واحتضنتُها ، ووعدتُّها قائلاً :

أنت لي من الآن وإلىٰ الأبد ، هدية السماء .

فعادت تلتفت إليّ بابتسامة ساحرة لم أرَ مثلها في النقاء والبراءة والفتنة .

وجلسنا سوياً ، وأشرق بنا العمرُ من جديد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.