جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

” نقد الأثر الفني في رحاب الثورة المعلوماتية ” .. بقلم الباحثة/ أميمة بن سلطان

0 75

” نقد الأثر الفني في رحاب الثورة المعلوماتية ” ..

بقلم الباحثة/ أميمة بن سلطان

” نقد الأثر الفني في رحاب الثورة المعلوماتية ” .. بقلم الباحثة/ أميمة بن سلطان

إن نقد الأثر الفني هو بمثابة تفكير منهجي يقيم جمالية العمل الفني بعد النظر في وحدته المادية والتقنية إلا إنه يتحوّل ويتغيّر ليجدّد في كلّ مرّة المنهج التقني المعتمد على ماهية الفن وعن أشكاله وأنماطه المستحدثة تبعا لما يعايشه من تطور تكنولوجي.
إننا اليوم نعيش عصر التعقيد الناتج عن تكنولوجيا المعلومات التي تؤثر أيّما تأثير في كل أوجه الفنون التشكيلية كأنشطة إبداعية تهتم أساسا بالإدراك المبصر. ففي الفن البصري نتحدث بالأساس عن الصورة التي تشاهدنا كما نشاهدها و تحدث فينا إحساسا بالمكان العيني و الزمن الفيزيائي لتتخد أشكالا متعددة كاللوحة أو الصورة الفوتوغرافية أو الصورة السينمائية و غيرها من الصور.
وقد تزداد حيرة الناقد أو المبدع إزاء ما نشهده اليوم من تهاوي القيم الجمالية المتعارف عليها أمام سيطرة ما يعبر عنه بنظم العولمة او الثورة المعلوماتية وما يتبعها من مفاهيم ومصطلحات حضارية وغيرها، وقد تنتابه درجة من الإحباط يكون مردها إحساسه بأنه غير فاعل في محيطه المباشر نظرا لتقلص إمكانية التواصل مع المتلقي.
وفي هذا السّياق انتظم ضمن فعاليّات المهرجان الدّوليّ للزّيتونة في دورته 34،( يومي 22 و 23 ديسمبر 2014) الملتقى المغاربي الأول للنقد والإبداع تحت عنوان: نقد الأثر الفني والثورة المعلوماتية ..أية علاقة وأي رهان؟
ومن هذا المنظور اعتنت مداخلة السيد سامي بن عامر بمسألة نقد الأثر الفني كما أوضح أن النقد هو القاعدة الأساسية للفن حيث يعبر فيها النقاد عن آرائهم حول الأحداث الفنية والمعارض المقامة والقضايا التي تشغل الفنانين التشكيلين سواء المحلية منها أو العالمية. ويشرح بدوره المقال الفني الذي يتسم باستخدام المصطلحات الفنية والتعبيرات الجمالية لتحليل وتقديم الإنتاج الفني وذلك من أجل توعية القارئ بأهمية الأعمال.


وتحدث عن غرض نقد الأثر الفني في الفن المعاصر الذي يقوم بدوره على الكتابة عن الأعمال الفنية المعاصرة والتعريف بالفنانين المعاصرين ونقد أعمالهم الفنية ومعارضهم.
ومع ذلك نجد ان العمل الفني يطرح مسالة جدلية لما يحمله من أبعاد شكلية وصياغات متعددة ذات قوة تعبيرية و فكرية تشد عين المتلقي وتنغمس فيه. وقد تحاول الصورة تثبيت ذاتها و خاصة تفاعلها على مر الأزمان مع ما عرفته الحضارات من تقدم علمي و تقني باستعمال الأدوات التقنية المستنبطة أو الوسائل الرقمية.
وقد أتاح الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة طفرة هائلة من الحركات الفنية رغم تباين المواقف حول الاعتماد على هذه الوسائط ورغم تعدد مستويات ردود الفعل حول هذه العلاقة.
و أضاف بأن الأعمال الفنية لم تعد تحاكي الصـورة الواقعية كما كانت سابقا، مما أدى إلى أن يلعب النقاد دورا مهما في مسـاعدة النـاس لتحسين معرفتهم وفهمهـم للفـن المعاصـر وجعلهـم يتمكنـون من تذوق الفـن بصورة أحسن. فعلى الناقد أن يستقرئ أفكار الفنانين، ويستحضر تجاربهم والقضايا التي ألهمتهم فيحس إحساسهم وينظر إلى جوهر العمل الفني بتبصر عميق وتأمل واع للعمل.
ومـن أهم أغراض النقد المعـاصر إيضاح العمل الفني ليفهمه الآخرين و قد يتضمن النقد الفني المعاصر الوصف، والتفسير، والتقييم، و التنظير حول فلسفة العمل الفني، بغرض زيادة فهم وتقدير الفن ودوره في المجتمع كما يشمل استعمال العبارات اللغويـة والأفكار الذاتية . وتتكون نظرة النقاد إلى الأعمال الفنية من واقع تفاعلهم معها وهو الأمر الذي يجلهم يسألون أسئلة أساسية حول ماهية العمـل الفني ومعناه.
تطرق السيد سامي بن عامر في هذه المداخلة الى مسألة نقد الفن المعاصر انطلاقا من أمثلة و من ممارسات لمجموعة من الفنانين ذكر منها خاصةً تجربة الفنان الفرنسي مارسيل دوشان الذي قام برسم لوحة الموناليزا من جديد عام 1919، حيث أعاد تشكيل هذه اللوحة مضيفا إليها شاربا ولحية صغيرة بشكل هزلي، وعقب ذلك انتقده الكثيرون لأنه استهتر بأساليب الفن التقليدية، وخالف الأساليب التي كانت مُتّبعة في عصر النهضة، وقام بتشويه لوحة الموناليزا الأصلية.
حيث تبنى دوشان فكرة الفن بابتعاده عن كل ما هو تقليدي، بهدف السخرية من النقاد ومن تقاليد فنون القرون الوسطى الراسخة والجامدة.

إلا أن النقد التابع لهذا العمل كان ذو أهمية حيث فسر بعض النقاد سبب رسم دوشان لهذه اللوحة، بأنه كان يقصد الإشارة إلى الازدواجية الجنسية للفنان ليوناردو دافينشي، حيث أشار بعض النقاد والمحللين إلى أن لوحة الموناليزا ما هي إلا بورتريه شخصي لدافينشي الذي يرى في نفسه جانبا أنثويا، و أنه لم تكن الموناليزا غير صورة للأنثى التي بداخله، لذلك قام دوشان بتأكيد هذا الاعتقاد مضيفا بعض الملامح الذكورية على اللوحة حتى يبرز الازدواجية الجنسية لدافينشي.
ومن هذا المنظور أكد لنا أن إنتاج الخطاب النقدي يتركز على منظومة فكرية لكل عمل فني. كما ركز بدوره على مسألة الاستشراق و التوجه الاستشراقي حيث ذكر في هذا الخصوص بعض الفنانين العرب من بينهم الفنانة ماجدة خطاري من اصل مغربي والتي اعارت لموضوع الاستشراق اهتماما خاصا وتناولته على طريقتها وقد أنجزت سلسلة من الأعمال تضمنت مشاهد حميمية لنساء متبرجات في فضاءات داخلية عربية إسلامية كما صورت وضعيات متناقضة اين نشاهد نساء مرتديات للبرقع وماسكات قنابل يدوية. ولعل أن هذه الفنانة تريد أن تفهمنا أن الغرب الذي كان منبهرا بجمال المرأة الشرقية المتعرجة، أصبح مهتما بصورة أخرى لها والتي أصبحت مرعبة. ان ماجدة خطاري ترى أن الاستشراق لم يختف. وهي بذلك تقدم لنا صورة للاستشراق الجديد الذي بدا يظهر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.


لقد اصبح الفن المعاصر يمثل سلاحا مرتبطاً بنظام سياسي، لا سيما فيما يتعلق بالتجارب العربية. ومن هنا يجب أن يتطلب منا جميعا مزيد البحث والتحليل والمراجعة والوعي بخصوصية المرحلة التي نعيش فيها، لبناء خطاب نقدي موضوعي يكون في منأى عن كل تأثيرات خارجية حتى يبقى عاملا أساسيا لتفعيل النقد الفني البناء .
وفي مداخلة السيد طه اللّيل، الفنون البصريّة: مادّيّة الصّورة والتّصوّر الافتراضيّ، بيّن أنّ الوسائل التكنولوجية الحديثة باتت ملازمة للإنسان بصفة عامة وللفنان بصفة خاصة، فبعدما كانت المادة هي المولدة للحقيقة أصبحت الصورة تحيلنا لا إلى حقيقة واحدة وإنما إلى حقائق متعددة منها الثابت ومعظمها متحول. حيث ان الغايات الاتصالية الناشئة في عصرنا الراهن في ميدان الفنون هي بصرية بالأساس تربط علاقة تعيشها الذات بين الصورة و العين ذات قوى تأثيرية مختلفة من خلال الوسائل التكنولوجية الحديثة.
وأضاف :إننا اليوم في الفن البصري نتحدث بالأساس عن إنسان الصّورة أو فنّان الصّورة، تداخله الصّور من كلّ ناحية وصوب، فهو عنصر فاعل ومنفعل ومولّد للفعل من خلال هذا التّدفق الهائل من الصور الرقمية التي باتت أداة معرفة ووسيلة لإدراك التفاعلات البصرية والنفسية في مختلف الميادين.
وأوضح أنّ الفنون البصريّة تمكنت من تشكيل قصدي للعملية الفكرية المبثوثة فينا من خلال تصورات الصور المختلفة باعتبارها اللغة التواصلية المترجمة للدّال البصريّ والمدلول الفكريّ في آن واحد.
بالتالي فان انتاج الخطاب النقدي المصاحب للعمل الفني يقتضي بالأساس على الاطلاع و المعرفة بمراحل انتاج اي عمل فني و مسار انتاجه ثم نتيجة ذلك المسار المتمثلة في الاثر الفني في حد ذاته ثم عملية التلقي او بعبارة اخرى لقاء الاثر الفني بجمهوره المستهدف.
فيبقى انتاج الخطاب النقدي اذا هو ضرب من اللغو اذا كان لا يرتكز على منظومة فكرية، فلسفية، جمالية، يكون افقها يتسع للحياة داخل المجتمع و يرتكز خاصة على مقاصد يرنو الى حصر العمل الفني و تبين معانيه و ما يترسب في اذهان الجمهور نتيجة الحوار او التفاعل بين العمل الفني و جمهوره و نقاده.
كما اضاف في حديثه عن الصورة باننا في عصرنا الراهن نجد انفسنا امام جدلية الزمان و المكان التي تقوم في ظاهرها على التقابل، و لكنها تستدعي اصول التماهي من خلال عنصر اخر متمثل في عين الفنان و المتلقي البصري، و من ذلك تنشا من خلال هذه الرباعية مختلف الاشكالات الفرعية المحددة في الفنون البصرية بصفة عامة.


و من هنا في تحديدنا للصورة وابعادها في الفنون البصرية، لا يمكننا ان نتحدث عن المكان في الصورة بقدر تمعننا في مفهوم الزمن، نظرا للعلاقة التلازمية بينهما في المنجز التشكيلي، زمن ذلك الحديث عن الزمان و المكان في الصورة المرئية و المبصر لهذا العمل الفني و الكيفيات التي تموقعه زمنيا من خلال النظر و التفكر في الصورة.
فتركيبة الصورة الفنية بصفة عامة اذا تحدثنا عن الرسم او التنصيبة او النحت او الحفر، نلاحظ ان خاصياتها الظاهرية تتسم بالثبات بالرغم من تواجد الحركة والايقاع فيها، و لكن هذا الثبات هو فيزيائي بالاساس، اما الحركة النابعة من مختلف العناصر التشكيلية، هي حركة تصويرية تاويلية و لكنها لا تنفي وجود البعد الرابع في المنجز التشكيلي، الا و هو ” الزمن”.
ومن هذا نلاحظ تماهي المكان بما هو العمل الفني بكل مقوماته و زمان الفعل التشكيلي، و الزمن الضمني التصوري و التأويلي، لما ينبع من حركة التركيب البنائي و اللوني، و بهذا فان الفضاء هو الحاوي للمكان و الزمان مجتمعين.
فحركة الصورة في العمل الفني هي حركة تصويرية تأويلية بالاساس، تتسم بضمنيتها و مواراتها لانها بحث في اعماق هذه الصورة و ما توحيه عين المبصر من تصورات و منابع اخرى للرؤيا، اذ تحاول معالجة و تحليل انسيابية الخطوط و تواصلها الى ما بعد الفضاء الثنائي الابعاد الى الثلاثي الابعاد، معلنة بذلك على مبدا التواصل في مداعبتها للزمن الذي ينطلق من اللحظة الانشائية الأولى في الفعل الفني، و ابعد من ذلك، فهي تستسقي جذورها من لحظة تواجد فكر الصورة بما هو تصور في ذهنية الفنان ذاته إلى سبل و مادية ترجمتها على الحامل.
يعود ذلك إلى كيفية معالجة الفنان للصورة بصفة عامة، و تحولها من بعدها المادي إلى بعد آخر تصوري تأويلي. و من هنا فان زمن بداية الفعل التشكيلي الى ما بعدية ذلك الفعل يولد القراءات التأويلية المتعددة، فالبصر هو المحدد لا للمكان فحسب، و إنما هو تقنين للزمن داخل التركيبة البنائية الفنية، فهو يراوح بين المحسوس و الذهني، يحاول عقل الأشياء بحواسه البسيطة ثم يعطيها للذهن الذي يحاول إدراكها و تحليلها و تفسيرها و من ثم ترجمتها، مما يولد كل أبعاد الصياغات التشكيلة و الجمالية من خلال مختلف الوسائط النقدية.
ان الصورة بهذا المعطى تتسم بتحولها بالرغم من ثباتها، إذ تسعى بمختلف مكوناتها التعبير عن ما هو ذاتي و تستدعي المتلقي إلى مشاهدتها و الى تكوين صور من خلال الصورة الأولى الناشئة من ذهنية الفنان، فهي علاقة تربط بين التصور الذهني و ما تتيحه مادية الصورة حيث انها تتبلور من فكر إلى آخر و من عين إلى أخرى، و قد تستدعي الناظر إلى المنظور و تسعى بشتى السبل التقنية التأثير فيه بمختلف مكوناتها التركيبية و عناصرها التشكيلية و صياغاتها القائمة على التماثل و التقابل و التضاد و التواصل بين الخط و الشكل و اللون و البنية و الفضاء.
ان الصورة المرافقة للفنان اولا و لعين المتلقي ثانيا تسعى لا لإعطائه حقيقة واحدة و إنما حقائق متعددة من خلال الصياغة التشكيلية، فتخاطب فكره، و تثير لديه التساؤل حول مفهوم القصيدة و معانيها، بما هو المفكر فيه و الذي لا يدع مجالا للصدفة، فالصورة في زمانها الرقمي استحالت بديلا ثقافيا و جماليا مؤثرا لا يمكن تحديد زمانه و مكانه من جراء التطور التقني المتمثل في وسائل الاتصال الحديثة التي تترجم كل مقومات العولمة و الكونية بمعنى انها تنبع من مادة حسية و لكن الغاية منها تطور الرؤية الفنية و هذا ما يعطينا مقومات التصور المتمثل في إعادة القراءة و تنوعها.
و بالتالي نستنتج ان كل شيء لا تحكمه صورة ولا عقل لا يمكن له أن يعبر عن الجمال لأنه عملية حسية و فكرية بالأساس.
اذ تسعى الصورة إلى تقبل التشكل بواسطة الفكرة، فتوازي و تنصهر داخل الأجزاء المتعددة التي تتركب منها زمانية المكان الموجود من خلال عناصر التركيب وادوات التاليف، من برماجيات تصيغ و تترك للفنان هامشا كبيرا من الحرية و الابتكار، فتنضد هذه العملية الرقمية الأفكار من خلال مبدأ التناسق بينها، و تسعى إلى خلق الوحدة المتوافقة بينها لأن الفكرة هي واحدة، ذات منبع واحد و الموجود الذي تصوره بالرغم من تعدد التأويلات فيه واحد لأنه تفاعل جملة من الأجزاء مع اللون و الشكل و الفضاء الصوري و التصوري.
بالتالي يحول الفن الصورة إلى لغة تواصل، ولكن اللغة هي مجرد علامة، ولذلك هي علامة عفوية تتواصل خارج حدود الفكرة، أما الصورة فهي عكس ذلك، و ليس من شأنها اعتماد العلامات فحسب، وإنما هي تسعى من خلال مبدأ التصور منح الأفكار ما يناسبها من تصورات اصلية تتسم بالكونية.
فالصورة لها نظامها و لغتها الموحدة، حيث يسعى المتلقي و الفنان إلى فهمها من خلال إعتماد وسائل فكرية، لاتقل تجريدا عن ماهيتها.
و من ذلك قول هيقل في كتابه (مدخل إلى علم الجمال) : « وفي هذا العمل الفكري الذي يقتضي تشكيل و صهر العنصر العقلي و الشكل الحسي في مجموع، على الفنان أن يستدعي لمعونته، ذهنا ناشطا و شديد اليقضة، و في ذات الوقت، حس حي و عميق. »

ولم يقتصر الحديث عن الصّورة على هذه المداخلة وإنّما تواصل مع السيدة كريمة بن سعد في طرحها لـتحولات نقد الصّورة في ظلّ تطوّر المنظومة الإعلامية والاتصالية معتبرة أنّ «التّحوّلات المستمرّة للصّورة وانتشار الظواهر الفنيّة الّتي لم يعد لها مستقرّ وفقدت خصوصيّتها جعل من نقد الأثر الفنّيّ بمختلف تجلياته الجماليّة عسيرا نتيجة الثورة المعلوماتية التي أزالت حدود الإطار الفضائي والزّماني ـ المكاني المحدد للفنون ليصبح إطارا خاضعا للصّورة الافتراضية الّتي خلطت المفاهيم وصعّبت تحديد المصطلحات وأفقدت المتلقّي وحتّى النّاقد القدرة على التّمييز بين نمط و آخر. »
ورأت بن سعد أنّ ذلك يطرح إشكاليّات حول المقاربات النّقديّة المعتمدة والمناهج الّتي يمكن تطبيقها لتقييم العمل الفني الافتراضي.
وكذلك أوضح الأستاذ الجزائريّ عبد الحميد هيمة عن أثر المعلوماتية في تشكيل العمل الأدبي وتلّقيه أنّ المعلوماتيّة حقّقت نقلة نوعيّة في مجال الإبداع الأدبيّ فلم يعد الشّاعر أو الرّوائيّ يكتب باللّغة فقط وإنّما يكتب أيضا بالصّوت واللّون والصّورة والأشكال، وهو ما يعرف بالنّصّ التّفاعليّ الّذي يتطلّب قراءة مختلفة وفق جهاز نقديّ ومصطلحيّ جديد.
وتناول هيمة بالتّحليل أيضا «مدى تحقّق هذه القراءة على مستويي التّطبيق والنّقاش الفكري والفلسفي والتّغيّرات الطّارئة على الأدب عند لقائه الحاسوب والمفاهيم والأدوات الإجرائيّة الّتي يمكن استخدامها لمقاربة النّصوص التّفاعليّة. »
أمّا مداخلة السيدة كريمة بلطيّفة حول إشكاليّات الأثر الفنّي عبر وسائل الاتّصال الحديثة فقد ذكرت فيها أنّ التّقنيات الحديثة ليست فقط وسيلة وأداة لإنشاء الأثر الفني بل يمكن للوسيط الرقمي أن يؤثّر على أشكال تلقي الأثر الفنّيّ وطرق عرضه، مما يفرز أشكالا وسلوكات فرجوية جديدة منها ما حافظ على الشكل التقليدي الجماعي ومنها ما هو فردي حتمته بعض النظم الإعلامية ومنها ما حافظ على فضاء العرض التقليدي «القاليري» ومنها ما تجاوزه للعرض عبرالأنترنات…
واعتبرت أنه «يمكن القول أن العمل المسرحي يَفقد خصوصيّته كفنّ مباشر حين يتحوّل من خشبة المسرح إلى شاشة الحاسوب، كما يمكن أن تفقده برمجيّات المونتاج مبدعيه الأصليين… »
وقد يرى البعص ان تكنولوجيا المعلومات تهدد نتاجنا الفني و يمكن ان تكون كارثة على الفنون التفليدية و خاصة المسرح الذي يمثل المؤسسة الحرفية التقليدية بامتياز. الا ان تكنولوجيا المعلومات ستدفع الفن الى الابتعاد عن الخصوصية التي يتمتع بها كل فن و تنادي بدمجها و توحيدها فتختفي الابعاد و الحدود بينها. حيث ان الفن المسرحي يعتبر من اكثر فنون العرض الحية و التي تهددها التكنولوجيا لانها ستحرمه من ينابيعه و وسائله المتمثلة في الخيال و الشعر.
يمكن للفنان ان يستنجد بتكنولوجيا المعلومات و هو حق مشروع و لكن ليس الى حد الابداع من خلالها و بواستصها خوف ان تسبب للابداع التشويه و للمبدع التكبيل و التسصيح و الانغماس في الواقع و التفرد.
لقد هجمت علينا تكنولوجيا المعلومات في شتى الميادين و حاولت الهجوم على جميع الفنون و اقتنع بها الكثيرون معتقدين انها المضاد الحيوي القادر على النهوص بالفن و الارتقاء به.


فلم يتوقف الفن و لم يتوقف المبدعون عن التفكير في قدرة الفن مع التاقلم مع العلم و انجازاته التكنولوجية لكن الشئ الوحيد الاكيد هو ان العداء التاريخي بين العلم و الفن صهر من جديد محاولا تقيد الفنون.
كما نرى ان تكنولوجيا المعلومات ابهرت المسرح في بداياتها ثم سرعان ما خنقته داخل انجازاتها المتصورة و خاصة انها همشت نصه و شاعريته و لغته حتى انه ابتعد عن صقوسه السحرية وتواصل الحديث عن التكنولوجيا و الفن المسرحي بمداخلة السيد محمد عبازه في طرحه لموضوع «التكنولوجيا و الفنون, المسرح و السينما نموذجا» معتبرا ان «الصورة سيطرت على الكلمة مع التكنولوجيا و ازدادت سيطرة و احكاما مع تكنولوجيا المعلومات و هي اخر صرعات الاكتشافات العلمية التي تتالى على انظارنا يوميا. » واضاف بقوله ان «كل الفنانين سقصوا في فخ تكنولوجيا المعلومات لانها سهلت عليهم عملهم و خلصتهم من معانات الخلق و ولادة الابداع اد ان كل الفنانين اصبحوا يلدون ابداعهم بعملية قيصرية اي بدون اوجاع و الام و لكنهم نسوا او تناسوا ان الالام هي التي تهب لذة الخلق و حلاوة الابداع. » وهكذا نلاحظ تعظم الازمة و تعدد اسبابها و جميع الفنون تترنح تحت ضربات تكنولوجيا المعلومات التي تبتلع كل شيء.
هذا و قد اخدنا المسرح كمثال حيث قلنا ان وسائط الاتصال الحديثة و المعلوماتية قد زادت من حدة ازماته باعتباره مؤسسة تقليدية حرفية وعلى اعتبار المسرح ايضا فنا جماعيا حيا لا يكون الا الان و هنا. و لكن اذا اردنا ان ندخل مجال السنما فان المسالة تختلف لان السنما لها علاقة حميمية مع التكنولوجيا على عكس المسرح.
الا ان التكنولوجيا سيطرت بدورها على السنما حتى انها ادخلتها في متاهات الخيال العلمي وحواز العنف و القتل بشتى انواعه و اشكاله و ابتعدت عن اللغة الادبية الشعرية و فد زادت المسالة تعقيدا عندما التفت السنما بتكنولوجيا المعلومات كما زادت المسالة تعقيدا ، حيث تسعى الى نقل السنما الى عالم الوسائط المتعددة. ان فن السنما له طقوسه الخاصة سواء من حيث انتاجه (تمثيل، موسيقى، رقص…) او من حيث استهلاكه جماهريا و لكن التكنولوجيا و خاصة تكنولوجيا المعلومات ابعدت السنما عن هذه الطقوس الجماعية المتمثلة في التجمهر و التجمع و كرست بالتالي الفردية فالفرد يمارس طقوسه منفردا و فنون الاداء لا تمارس الا جماعة.
و اضاف السيد محمد عبازه بقوله بان السنما عرض مسجل و المسرح عرض حي و ان الفرق بينهما شاسع و لذلك و ان كان الفنان قد ازمتهما التكنولوجيا الا ان ازمة المسرح اعنف و اشد، لان المسرح مؤسسة تقليدية و سوف تبقى كذلك بينما السنما باعتبارها ملتصقة انتاجها بالالة اكثر من المسرح سوف تجد مجالا للحوار مع الالة و لكنه حوار تظهر فيه تكنولوجيا المعلومات اكثر قوة و رغبة في السيطرة على الصورة انتاجا و بثا.
رغم انخراط العديد من الفنانين في سياق ما تيسره الثورة المعلوماتية وما تحتويه من برامج للفكر التشكيلي فقد سمحت بان يكون الإبداع الفني اساس كل تحرك و انجاز و مسائلا لشبكة المعلومات البصرية و المستندات الجمالية المتوفرة عبر الوسائل التقنية المتنوعة .
من هذا المنظور يكون الإبداع متجددا بتجدد المكتسبات الجمالية و التقنية ويوقد شعلة الفكر والخيال الفكري و يدعم طرح العديد من التساؤلات التي يستكشف عبرها الفنان مسالك إبداعية ورؤى جمالية منفتحة على الحداثة.
هذا و بالاضافة الى قيمة الاثر النقدي المصاحب للفعل الإبداعي الذي يدعم الاعمال الفنية كي تتجاوز مفهوم الممارسة التقنية و المادة و الصدفة والمهارة المشهود بها. فقد جاءت كتابات النقاد والمبدعين و أسست في مختلف الممارسات الفنية لتبين أن للفعل التشكيلي مراحل هامة لما أنجز من قبل المبدع نفسه.
بالإضافة إلى كل ذلك نجد اليوم إقبال العديد من الفنانين على إحداث مواقع الواب لنشر أعمالهم و التعريف بمساراتهم كما نجد العديد من المقالات النقدية و الكاتالوقات و الكتب المتوفرة على مواقع
الأنترنات. لكن المهم مدى التحكم الفنانين او الناقاد في هذه الوسائل للتواصل مع مقترحاتهم وحتى لا تقلص أبعادهم الحسية مهما كان الدور الذي تلعبه الوسائل التقنية مهما كانت بسيطة أو معقدة.
حيث أصبح الفضاء الذي توفره التقنيات الحديثة فضاء تواصليا عبر جميع الدول. إذ يعتبر فضاء رحبا يفتح أبواب الحوار و تبادل التجارب الفنية بين جميع البلدان و يمكن من التعرف على ما أفضت إليه رؤى الفنانين في شتّى اماكن العالم.
فقد يتصل الفنان او المبدع بما يُؤسسه من معاني وعبر ما يفرزه العمل الفني من آثار فنية وعلاقات رمزية بين الأشكال و العلامات و الإيقاعات الحسية فيكون بذلك مدركا بالقيمة أو مجموع القيم الجمالية التي تنبع من الاحاسييس و الرموز والوعي و اللاوعي .
وقد اعتبر الحاسوب كأداة رائعة و مفتوحة على العالم الخارجي لقدرته الفائقة على تكثيف و تنويع الاعمال و البحوث و تخزينها. كما افرزت مفاهيما و نظما جديدة يتعامل بها المبدع لتمكنه من التلاعب بالصور الفوتوقرافية و بالعناصر التشكيلية و الدمج بينها وتصغيرها أو تكبيرها وتمطيطها أو تكرارها في حيز زمني قصير.
ان ما يحققه الحاسوب يختصر مسافات طويلة من الممارسة المادية فهو ييسر نتائج آنية لتخمينات الفنان عن طريق تعدد إمكانات التأليف بين الصور و الأشكال و النصوص باستحضار برمجيات الفوتوفيلتر و شفافيات الفوتو شوب وما ينجر عن ذلك من استعمالات تقنية كالقص و التراكب و غيرها ….
و بهذا اصبح الفنان يعتمد اليات متطورة ذات تقنيات عالية لعرض الصورة والصوت و الحركة القائمة على انجاز و خلق فضاءات تشكيلية فنية جديدة ,متنوعة, مكتملة أو متحولة.
و بالتالي فإن إدراج الاعمال الفنية في شبكة الانترانت قد تقوم على المشاركة و التحاور مع ما يطرحه الفن من تساؤلات تتعلق بالمجتمع الحديث . وفي هذا الخصوص يعتبر الانترنات الفضاء المثالي لتحاور المتلقي بالعمل الفني إذ يوفر إمكانية التواصل في أمكنة مختلفة و ذات الزمان.
مثل ذلك فى تقنية التراسل التي تمكن من التقاء مجموعة من الفنانين لبناء عمل واحد عبر التراسل. ويكون بذلك ناتجا عن خلق مفردات تشكيلية ثم إرسالها إلى مبدعين في بقاع مختلفة من العالم لتعود بعد تدخلات وتعديلات أو تغييرات جذرية. و تحوّل المتلقي من المشاهدة و الانبهار أو عدم تذوق العمل الفني إلى المشاركة الفاعلة باستخدامه للمقترحات المبرمجة من قبل المبدع و على هذا الأساس فان العمل التفاعلي يحمل إمكانات مفتوحة تتشكل حسب تدخل المتلقي ووفق ما وقعت برمجته.
اذا قد تعكس الثورة المعلوماتية على انجاز العمل الفني وعلى ذاتية الفنان و المبدع. لذلك يمكن القول ان إرادت كل فنان وهو البحث عن إغراء المتلقي او الناقد حتى يتمتع بدرجة عالية من الأثر النقدي ويلامس الحس الفني و الجمالي للعمل ليكشف الطاقة الإبداعية للفنان و يفتح باب التأويل و التعدد.
اذ يمكن للعمل الفني أن يكون متجددا و مختلفا من خلال وسائل الاعلام و الأنترنات التى تكون مفتوحة لكل شخص يرغب في الاستطلاع عما يقترحه المبدعون المعاصرون أو للمشاركة فى التواصل معهم.
فيكون هذا التواصل بمثابة الخروج من العزلة التي قد يشعر بها الفنان بانفصاله عن الآخرين وهو في نفس الوقت درجة من النشوة التي يتلذذ بها المتلقي إن كان على نفس الصعيد الفكري معه.
إن ثورة المعلومات هي ذالك العالم القائم على تمازج التقنيات المتطورة.
وعلى هذا النحو يستمد المتلقي المعلومات من مدارات معرفية و فكرية وحسية واسعة تعتمد بالأساس على أنماط جديدة من التعابير نظرا لتداخل المنظومات التقنية والقيم الجمالية والمكتسبات المعرفية في مجال الإبداع.
لكن قد يرى البعض أن الثورة المعلوماتية هي سرعة العصر واندثاره لانه يفتقد إلى الأصالة و لأن المعلومات إن كانت موزعة عبر الأنترنات بصفة مفتوحة فهي لا تضمن حقوق الإبداع حيث يمكن لكل مستعمل اقتطاع أجزاء من العمل و إعادة صياغتها أو استنساخها دون عناء مما يبعث على التساؤل حول أصحاب الأعمال الحقيقيين.
كذلك تؤدي الثورة المعلوماتية إلى انفصال المبدع عن المادة حيث تغيب الأحاسيس الملمسية و تتقلص حركة الجسد و تُسطّح الأبعاد فيمر المبدع من البحث عن الإيهام بواسطة المادة إلى الوهم عبر شاشة الحاسوب وهي وضعية قد لا تكون ممتعة إن لم نقل خلاقة إذا قارنناها بوضعية الرسام أو النحات الملامس للمادة و المنطق لخباياها.
ونتيجة ذلك ان العمل الفني قد لا يرقى إلى مستوى الأثر الفني و قد يعتبره البعض مجرد فضاء تجريبي يمكن استغلاله و التدخل عليه من قبل أي مبحر على الأنترنات.
و بالإضافة إلى ذلك قد يفقد الأثر الفني الأبعاد الحسية و التعبيرية التي يوفرها العمل المادي له
بالرغم من ان هذه الثورة المعلوماتية قد تقرب المسافات بين المبدعين ويروج الانتاج الفني لدى المتلقي في شتى بقاع العالم و بسرعة شديدة.
لكن رغم هذه السلبيات فيبقى اللإنجذاب لاستعمال الوسائط التكنولوجية و الحديثة امرا هاما لما توفره من تدفّق فائق للصور الثابتة و المتحركة ومقترحات بصرية. فالمعلومة الآنية تطوق الإنسان المعاصر من كل صوب.
ومهما كانت مواقف المبدعين من الثورة المعلوماتية فان العديد منهم قد اختاروا عن قناعة التعريف بفنهم عن طريق مواقع الواب. فالموقع هو عبارة عن مجال يتضمن معلومات عن مسيرته و مقتطعات من مقالات تخص معارضه ونافذة لعنوانه الالكتروني.
ومن هذا المنظور لا داعي لأن نتخوف من أن تتوصل التكنولوجية إلى محو البعد المادي و الحسي للعمل الفني فالإبحار في مواقع الفنانين يعتمد على الاستكشاف و قبول فكرة المغامرة أي قبول ماهو مغاير لما عهدناه. وهو انفتاح يموضع الفنان في دائرة العديد من الاستكشافات و التلقي الواعي.
فالانفتاح على العالم أضحى أمرا واجبا على كل فرد عامة و على الفنان خاصة وان التسلح بتقنيات العصر واكتساب المعرفة المتأتية من آفاق مختلفة هو ضرورة وليس خيارا حيث أصبح المجتمع يعرف بمجتمع المعرفة الذي يطرحه العالم الجديد بواسطة الشبكات المعلوماتية.
و بالتالي على الفنان او المبدع أن يكون معاصرا معرفيا و باحثا في حقل الفنون التشكيلية حتى لا يكون على هامش العصراو التطور التكنولوجي.
إن هذه الثورة المعلوماتية وما تحمله من قيم معرفية و ثقافية و أخلاقية ما زالة بدائية نسبيا و فرص التعلم لدى الجيل الجديد أوفر و أيسرللحصول على ادق المعلومات و للتمكن من استشارة ارقى الكتب و التجول في مختلف المتاحف.
و هكذا فان وسائل الاعلام في تقريبها للبعيد و في توضيحها للغامض و في توسيعها لافاق الفنان او الناقد تساعد على تيسير التحول من الفن التقليدي الى الفن الحديث و المعاصر و تبقى غايتها المنشودة تحرير الفنان من الجمود و تشجيع مطامحه و الاعتماد على ذاته الواعية دون تقليد و لا محاكاة حتى يوفر لنفسه فرص التخاطب مع الآخر بمفاتيح العصر سواء كانت تقنية أو مفهوماتية مع الانتباه إلى حاضر الفن.
فمهما كان وضع الفنون التشكيلية مرتجَا يبقى مستقبلها ضبابي اذ لا مهرب من استعمال التكنولوجيا كأداة لتوعية الفنان و لانفتاحه على جميع الحضاراة لما تقدمه من مسالك جمالية و لما تنجزه من أعمال تشكيلية حيث اتخذ العديد من المبدعين الوسائط التكنولوجية كحقول افتراضية للتجربة الإبداعية و الحديثة للفنّ بما عرفته من تداخل بين مجالات الإبداع.
فلقد أصبحت كل أوجه الفنون ودورهـا الرائـد فـي كل التصـورات وتجـاوز الواقـع الـى مـا هـو ابعـد تؤثر بشـكل سـريع وإيجابي في خدمة المنهج التقني المعتمد على النفعية و المرد ودية المادية لكل عمل فني وصياغة آخـر التطورات في سـرعة قياسـية كبيـرة . و لقد نتـج عن التكنولوجيـا و الثورة المعلوماتية تناغـم التغييرالحاصـل في شـتى مجالات الفنون و التطـورالتقني والعلمي.
ففي عالمنا المعاصر تضـع الثورة المعلوماتية تقنيـة جديدة وعالية وسـهلة في متناول الجميع. لكن يجب على الفن أن يبقى بمنأى عما تشهده المجتمعات العصرية من ثورة معلوماتية و من نتيجة الوسائل الاتصالية الحديثة بما ان هذه الثورة التكنولوجية امتدت لتؤثر أيّما تأثير في كل أوجه الفنون ولتحدث تحولات جذرية في شتى مجالات الحياة.
و قد أتاح الانفتاح على التكنولوجيا تراكم معرفي و معلوماتي وعلى تمازجهما. نجد ذلك فى بعض الاستعمالات لأدوات قد تبدو غير متجانسة , منها الحوامل التقليدية والوسائط الحديثة التي تبعث على المزيد من التساؤلات بخصوص المناهج المعتمدة جماليا و تقنيا و حول مستقبل الفنون خاصة إذا تزايد ارتباط الفن بالوسائل التكنولوجية و في تنامي استخدام المبدعين للوسائط التقنية .
ففي عصرنا هذا، حلت تغيرات عديد ة بسبب التطور الهائل الذي حدث في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذي له آثار جمة على جميع الفنون عامة و تعدت إلى الفكر النقدي،سواء بالإيجاب أو بالسلب، حيث انه لا يستطيع أحد أن يغفل عن الإمكانات الرائعة التي تقدمها لنا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأيضا لا نستطيع أن نتجاهل الآثار السلبية التي ترتبت على هذا الانفتاح المعلوماتي خاصة إزاء ما نشهده اليوم من تهاوي القيم الجمالية .

إن هذه المتغيرات تدعونا إلى النظر والتمعن في مسألة مهمة هي مسألة سيطرة ما يعبر عنه بنظم العولمة ومدى أهمية هذه الثقافة الوافدة وتأثيرها سواء بالسلب أو بالإيجاب على الفن ونقد الاثر الفني.
فالإنترنت هي وسيلة للاتصال يُمكنك عن طريقها إرسال الرسائل ومحاورة الفنانين وعرض أفكارك وآرائك والاطلاع على أفكار الآخرين وآرائهم، فهي تبقى وسيلة للتفاعل والتعامل بين العديد من الأشخاص. وقد أصبحت هي الملاذ الوحيد للبعض، حيث تتيح لنا تكنولوجيا المعلومات وسائل التواصل المعرفي والفكري و بهذا يرى الناقد و المبدع نفسه بأنه غير فاعل في محيطه المباشر نظرا لتقلص إمكانية التواصل مع المتلقي.
لكن بالرغم من هذا ستظل تكنولوجيا المعلومات و نظم العولمة عنصرًا مغريًا وجذابًا حيث انها اصبحت تحَتل الجُزء الأكبر من وقتنا لكن قد يستعمل الفنان هذه الوسائل لغاية إثراء إبداعه أو افكاره أو يستغلها لغاية التواصل مع الأخر حيث يصبح هذا التواصل عبارة عن لغو فارغ أو معاكسات، ولا يكون تبادل الحديث نافعًا إلا إذا كانت لدى أطرافه من المعرفة أقدار كافية فيكون النقاش مفيدًا.
مما لا شك فيه أن هذه الثورة نجحت إلى حد كبير في تغيير وجه الحياة الفنية في العديد من دول العالم بعد النمو الكبير والسريع في كل خدماتها من خلال آلاف المواقع التي تبث عليها والتي تمتد إلى كل النواحي حتى تغير وتبدل وتكتسح كل ما في طريقها ليصبح العالم وكأنه قرية صغيرة يسهل الاتصال بين المبدع و الناقد و المتلقي مهما تباعدت المسافات.
و غيرت الطريقة التي يتعامل بها الفنان و المبدع مع المتلقي حيث أصبح كل فرد متصل بالشبكة قادرا عبر جهاز الكمبيوتر الشخصي أن يفعل كل ما يريده، فيتطلع على جميع اعمال الفنانين و يقرأ مئات المقالات ويعقد الصفقات ويبيع ويشتري ويتجول في مختلف المتاحف، هذا إلى جانب ما يقدمه الإنترنت من خدمات علمية وثقافية واقتصادية وترفيهية لا حصر لها.
وأمام هذا التغير الكبير الذي أحدثته الثورة المعلوماتية التي غيرت بها وجه الحياة الفنية الا انها أضافة المزيد من السرعة والديناميكية في مجال الفنون ،فهي تعبر شكلا من أشكال الحياة الفنية الجديدة وما يترتب عليها من آثار.
اننا في عصر الثورة المعلوماتية التي يشهدها العالم حالياً، ومع سيطرة الحواسيب الآلية ونظمها، وشبكة الإنترنت، بمواقعها وبرامجها، لم يقف الفنان و المبدع الذي يتصف دوماً بالجدية والحيوية والمرونة عاجزا عن مجاراة هذا التطور الهائل، بل استطاع بجهوده أن يستوعب أكثر المظاهر التقنية للتكنولوجيا ويتفاعل معها، مسخرا عدداً من الأدوات والأجهزة الحديثة لخدمته حتى يستفد منها في تطويراعماله و كتاباته.
بحيث تقدمت في الوقت نفسه برامج النسخ والكتابة الخاصة وتنوعت فنونها، فضلاً عن برامج القراءة الآلية للمقالات و للنصوص الفنية، وبرامج الترجمة. هذا بالاضافة الى مجال النشر الإلكتروني و الاستفادة من قدرات الحاسب الآلي في عمليات تخزين المعلومات، كوسيلة لنشر الكثير من الاعمال والكتب الفنية.
ولم يقتصر الأمر على توفير تلك المصادر والمراجع على أقراص مدمجة، بل تجاوزه إلى نشر عدد من الكتب على الشبكة العالمية، ما أتاح لملايين من محبي الفنون و المتلقين من فرص الإطلاع على الاعمال الفنية الحديثة و قراءة عديد المقالات، وتصفح أوراقها، وطباعتها عند الحاجة، وتوفير إمكانية البحث السريع عن كلمة أو موضوع واحد في الآلاف المؤلفة من الصفحات في أسرع وقت وأقل جهد.
وبهذا تبدو فوائد إنشاء المواقع الفنية على الانترنات كثيرة لخدمة الفنان ، إذ يمكن الإشارة إلى مواكبته للتطور التقني وتطويره وإثبات جدارته ومرونته في التعامل مع التقنيات، وتعزيز الجهود الرامية إلى خدمة الفن ونشره، للوصول به إلى العالمية، ونشر المزيد من المعارف والخبرات المتعلقة به، وإتاحته للباحثين والدارسين والراغبين من شتى أنحاء العالم، و تجاوز او التغلب على مشكلة التباعد الجغرافي، وتيسير سبل التعاون المشترك في مجالات التطوير والعمل الفني الجماعي علاوة على تبادل المعلومات المتعلقة الفعالة ونتائج البحوث، وتيسير سبل الإعلان عن الندوات وورش العمل، والدعوة إلى المشاركة الفاعلة فيها.
إذ يرى بعض المهتمين أن المعلوماتية هي حالة من تسامي قيمة المعلومات وارتفاعها إلى المستوى الذي يجعلها واحداً من عناصر الانتاج وأحياناً أهمها، وواحدة من عناصر القوة المعاصرة ولربما أهمها أيضاً.
كما انها تحققت بفضل التقدم التكنولوجي الهائل في انتاج المعلومات وإيصالها وتوزيعها و تشير إلى التطور الهائل في أجهزة ووسائل انتاج المعلومات، وخزنها واسترجاعها وتوصيلها، إلى الحد الذي أصبحت المعلومة قابلة للتراكم المتعاظم في سياق الإنتاج الفكري والمادي.
إن ربط الفن بالتكنولوجيا، أوجد ظاهرة جديدة و حديثة لتصبح الاعمال الفنية عميقة ومتداخلة يتعذر قياس مقدارها وحساب اتجاهاتها وأخيراً التنبؤ بنتاجها.
إنّ سرعة ذلك التغيير جعل الكثيرمن الفنانين والباحثين يعتبرون انه من الضروري الحصول على المعلومة بأقصر زمن ممكن،و انه من الممكن حالياً تسجيل كتاب ضخم او عددا كبيراً من مقالات على قرص ليزري يزن عدة غرامات، بل ويمكن كذلك الحصول على أي معلومة من هذا الكتاب أو هذه المقالة خلال ثوانٍ.


كلُّ ذلك إضافة إلى رخص الثمن وإمكان النشر والتعديل والعرض، والتحميل عبر الشبكات الحاسوبية، وإمكان الجمع بين النص والصورة الفنية خاصة والحركة وعروض الفيديو من قبل الوسائط المتعددة حيث يمكن بعد ذلك الاكتفاء بالاطلاع على العديد من الكتب على شاشة الحاسوب، أو طباعتها على الورق. لهذا صار إلى جانب المكتبات التقليدية مكتبات إلكترونية، يمكن أن تضم في خزانة صغيرة بعض الأقراص الليزرية التي تقوم مقام مكتبة ضخمة جداً.
وبالنظر إلى المستقبل الفني يرى البعض أن ثورة المعلوماتية مازالت في بداياتها، وأننا نمر الآن بمرحلة مثيرة من عصر المعلوماتية، وهي البداية لهذا العصر. ولا يمكن، على وجه اليقين، التنبؤ بمسارها القادم. ولكن من المؤكد أنها ستؤثر في حياة جميع الفنانين و النقاد، وستترك بصماتها على الطريقة التي يتواصلون بها، وعلى أساليب اعمالهم، وتعاملاتهم، وستأثر كذلك على العلاقات و المناهج الفنية وأساليبها.
لكن بالرغم من جميع هذه التغيرات التقنيات الحديثة والمتطورة لحياة الفنان، فقد تكون الفوائد والمشكلات القادمة والناشئة عن هذا التطور على وجه الخصوص، أكثر بكثير من تلك التي ترتبت على
الثورةالمعلوماتية. ومازالت هذه الآثار موضع جدل، فهناك من الباحثين من يعتبر ان ثورة المعلومات الحالية مدمرة لخصوصيات الفنان و المبدع، بل تمثل تهديداً للوضع المستقرللفنو أن المعلوماتية هي علم معالجة الأخبار في إطار المنطق وتلقائية المعلومات والاتصالات البشرية والمعرفة والإعلام.
لكن ينظر بعضهم الآخر من الباحثين إلى الأمر من زاوية أخرى، فيؤكدون أن المجتمع المعلوماتي أكثر عدلاً من سواه،و أن للثورة المعلوماتية قوة طبيعية تضع جميع الفنانين في منظومة عالمية أكثر توافقاً و انها ستدفع بالفن إلى آفاق رحبة و جديدة.

من خلال ما سبق يمكننا إلقاء الضوء حول اهتمامات بعض الفنانين في مستقبل الفن المعاصر ومناقشاته وتنبؤات بعض النقاد بحيث أن العولمة غيرت جوهر العلاقات الفنية ، ووسعت من إمكانيات العمل المشترك لمختلف الدول، وفتحت الآفاق أمام جميع الفنانين لتعاون متعدد الأطراف.
ان اندلاع الثورة المعلوماتية وتدفق المعلومات عبر مصادر عديدة، أتاحت للفنان في أي مكان من العالم، إمكانية الحصول على جميع المعلومات وحرية تداولها، ومتابعة الأحداث والتطورات الفنية، وهي سمة رئيسية في الفن و العالم المعاصر.
لكن يرى البعض ان الثورة المعلوماتية تثير عددا من الإشكاليات رغم عدد السمات التي يتسم بها الإعلام في عصرنا هذا ، وهي التي تمثل الجوانب السلبية في تطبيق العولمة في المجال الفني خاصة ، فأبرزو اهم هذه إشكاليات انها تمثل ضغط للزمان والمكان ، و هي الامتداد أو التوسع في مناطق جغرافية مع تقديم مضمون متشابه للقيم الفنية في كل المجالات، وأكد البعض أن وسائل الاتصال التكنولوجية الجديدة جعلت من الممكن فصل المكان عن هوية الفن ، والتقليل من مشاعر انتساب أو انتماء الفنان إلى مكان محدد.
فالثورة المعلوماتية بهذا المعني تشير إلى وحدة المضمون الإعلامي لدى المبدع و الناقد و المتلقي ، و أنها تعمل على تآكل القيم التــقليدية للفن ، فبالرغم من أنها أحد فروع العولمة إلا أنها تؤدي إلى مزيد من العولمة ، و تعمل على نشرها بين أرجاء العالم ، و أنها انطلاقا من نفس الغاية تقلل أهمية الهوية الفنية و انتماءها إلى الوطن، و بإمكان القنوات الإعلامية أن تضخم ما تريد تضخيمه ، وتهمش ما تريد.

مما يعنى انها لا توفر حرية التبادل الفني و الثقافي, فمن يتحكم في الفضاء الإعلامي قلة من الفنانين الذين يملكون الأموال و يفرضون ما يريدون بثه أو نشره أو إذاعته ، دون أن يحقق ذلك تبادلا عادلا أو حوارا متكافئا بين كل الفنانين .
ففي ظل الثورة المعلوماتية، وفي ظل انتشار هذه العولمة كظاهرة أصبحت التقنيات الجديدة أهم عوامل إنتاج الفن الحديث حيث تراجع دور الفنان بصفة عامة ، وبدأت أهمية خصوصيات الفن تتآكل و تتاهل لتطورات مستقبلية جديدة ومستمرة تدفع به إلى المزيد من الانتشار المؤثر في المجتمعات المختلفة وبالتالي تظهر هيمنة وتحكم الدول المتقدمة على المستقبل الفنى في مقابل تبعية الدول النامية له.
لكن يبقي هناك اكثر من سبب يدعونا الى الإعتقاد بأن عصر الثورة المعلوماتية ليس إلا في بداياته المبكرة, إذ أن التكنولوجيا الرقمية قدراتها في التضاعف كبيرة، وهذا ما يقود الى تقدم مضاعف في الطرق الحالية لتوظيف هذه التكنولوجيا في أي عمل فني، كما يعني بروز أساليب تفكير وتواصل ومعارف وعلوم فنية جديدة وابتكار طرق وتقنيات عديدة و مختلفة في كل عام بل وفي كل يوم شعارها: أسرع، أرخص، أكفأ.. حتى أن الحلم العظيم الذي كان أشبه بالخيال في وصول الثورات المعلوماتية والرقمية ومنجزات الفكر والإبداع البشري الى أبعد وأفقر مكان في العالم أمراً في متناول اليد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.