جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

نظرة على فن الزمن الجميل مع إمبراطورة الكوميديا ” زينات صدقي”

0 101

كتب / د. هاني توفيق

عن بوليني ديكيومنت

 

هي واحدة من أساطين الضحك وخفة الظل على مدار تاريخ السينما المصرية..
إسمها “زينب محمد سعد” من مواليد 4 مايو عام 1913 بحى الجمرك بالاسكندرية حصلت على الشهادة الإبتدائية، كمّا توكد أغلب المصادر التاريخية، وبعدما لاحظت والدتها أن جسد ابنتها «يفور» ودخلت مبكرا مرحلة النضج الأنثوي، ليصبح جسمها أكبر من سنها، فخشيت عليها من الأعين ومنعتها من الاستمرار فى المدرسة أو إكمال تعليمها بمعهد أنصار التمثيل والخيالة الذي قام الفنان “زكي طليمات” بتأسيسه في الإسكندرية، لتجلس “زينب” زينات بالفعل فى منزلها فى انتظار العريس وفي سن الـ 15 عشر، تزوجت زينات من أحد أقاربها وهو أبن عمها ، والذى كان يعمل كطبيب، ولكن الزيجة لم تستمر ، وانفصلت عنهُ بعد 11 شهرًا من الزواج، دون أنّ تنجب طفلاً، التجربة التى جعلتها لا تُريد تكرارها مرةً أخرى، وبرغم أنه تم إطلاق لقب «عانس السينما المصرية»، لم يكُن ذلك حقيقي بدليل زيجاتها الأولى والثانية والثالثة ، والتى أكدتها أحد أقاربها في أكثر من مناسبة.

 

لم تستوعب أسرة زينات موهبتها الفنّية، لكن جوانب مدينة الإسكندرية كانت الأصدق، حيثُ استطاعت تقبُل ذلك، بدأت زينات تُشارك صديقة لها، تُدعى خيرية صدقي، والتى يقال أن زينات أخذت لقب «صدقي» من صديقتها المُقربة، والتى جابت معها شوارع الإسكندرية، للغناء داخل الأفراح الشعبية.

بعد فترة، اكتشفت أسرة زينات ما يحدُث، فلم يكُن أمام زينات إلا أن تهرب بعيدًا عن شاطئ البحر ، فذهبت إلى الشام، وتحديدَا، لبنان، حيثُ بداية ازدهار موهبة زينات صدقي، فأصبحت تغني على مسارح البلدة بأطرف المونولوجات، قائلة: «أنا زينات المصرية، أرتيست ولكن فنية، أغني وأتسلطن يا عينيا، تعالى شوف المصرية».

بعد فترة من العمل داخل لبنان، جاءت فرصة لعمل زينات وصديقتها خيرية في فرقة أمين عطا الله، وكان من المفترض في إحدى الليالي، أنّ تؤدي زينات دورًا تراجيديًا، ولكن على خشبة المسرح، تحول أداء زينات إلى كوميدي بدلاً من جرعة الشجن، فانفجر الجمهور من الضحك، وتحولت المسرحية الدرامية إلى أخرى هزلية، فطُردت زينات من الفرقة بعد انتهاء العرض.

في ليلةٍ أخرى، ذهبت زينات، لتغنى على خشبة أحد المسارح، دعيت المطربة الشهيرة فتحية احمد للغناء فى نفس المحل الذى تغنى فيه زينات، كانت فتحية تجلس فى الكواليس حينما صعدت زينات صدقى لتؤدى فقرتها المعتادة، التى تؤديها كل ليلة، وكان الملحن الذى يعمل معها فى فرقتها قد أعد لها هدية وهى بعض الألحان التى جعلها تحفظها عن ظهر قلب وكانت هذه الألحان أحدث ما ظهر للنور فى مصر لكن الحظ العاثر أنها لم تكن تدرى أن صاحبة تلك الأغنيات تجلس فى الكواليس انتظاراً لتقديم فقراتها التى تضم نفس هذه الأغنيات، وفقًا لمجلة «ديوان الأهرام».

 

بعد أن غنت زينات وصلتها الأولى، ابتسمت فتحية أحمد فشعرت زينات أن الست فتحية أحبت الغناء، فألحقتها بالأخرى، فيما جلست الست فتحية تنتظر الوصلة أن تنتهي، لكنها لم تنتهِ، فشدت الأولى شعر الثانية وأعطتها علقة ساخنة ولم يوقف الست فتحية إلا دورية الشرطة التى خلصت الفتاة زينات من براثن فتحية أحمد المعتدى على حق ملكيتها الفنية وذلك وسط اندهاش وضحكات رواد الصالة.

بعد تلك الواقعة، غادرت زينات صدقي لبنان، وذهبت إلى مصر بعد أن تعرّفت على الراقصة، بديعة مصابني، والتى طلبت منها العودة للعمل في الكازينو، وعندّما جاءت اختارت لها الرقص إلى جانب تحية كاريوكا وسامية جمال،وانصاعت زينات لرغبة مصابني وأطاعتها في العمل كراقصة وذلك في ثلاثينيات القرن العشرين، واستمرت في العمل كراقصة في فرقة بديعة مصابني حتى بعد أن اختارها نجيب الريحاني، لكي تُشارك في فرقته المسرحية، من خلال تأديتها دور في مسرحية (الدنيا جرى فيها إيه)، لتتوالى بعدها الأعمال التمثيلية ولتقدم عددًا من الأدوار المسرحية منها: (عاوزة أحب)، و(الكورة مع بلبل).

اشتهرت زينات في المسرح بدور الخادمة سليطة اللسان ثم نقلت هذه الشخصية إلى السينما! قائلة: (أنا بحب التمثيل ومن الإسكندرية ولا يوجد عندى مكان فى القاهرة وتركت منزل أهلى من أجل عيون الفن )

بعد تألُقها على مسرح الريحاني، فتحت السينما أبوابها أمام زينات صدقي من خلال فيلم «بسلامته عايز يتجوز»، وتوالت أدوارها في السينما حتى أصبحت الكوميديانة الكبيرة التى عرفناها
كان ول أعمال زينات السينمائية كان فيلم (وراء الستار) عام 1937م، لتقدم بعده عددًا هائلا من الأفلام حيث أنها شقت طريقها الفني ووصلت للنجومية بسرعة ملحوظة؛ لتمتعها إلى جانب موهبتها الكبيرة بخفة ظل غير عادية وسمات شخصية مميزة وقبول اكتسبت من خلالهم لونها الخاص ودورها الذي احتكرته في الأعمال السينمائية .

تزوجت زينات للمرة الثانية من الملحن “إبراهيم فوزي” ثم انفصلا بعد زواج لم يستمر لأكثر من عام واحد

تزوجت زينات للمرة الثالثة من ضابط وكان أحد رجال إنقلاب يوليو العسكرى وكان زواجهما سريا ولكنه كذلك لم يستمر طويلاً، ومما يقال أن شرط طلاق زينات من الضابط هو عدم زواجها بعده وقد كان وتطلقت زينات منه والتزمت باتفاقها معه ولم تتزوج بعده.ولكنها أرتبطت بأولاد وأحفاد شقيقتها.

كانت زينات صدقي ثريّة بأخلاقها، فعندّما كان هُناك فنانا يُدعى، ابراهيم فوزي، يعمل داخل فرقة الريحاني، توفى على المسرح ولم يجدوا لهُ مدفن، فقالت سأتكفل بكل المصاريف وسأدفنه فى مدفنى الخاص وخرجت إلى مقاهى شارع عماد الدين، كمّا حضرت الجنازة وهى ترتدى الأسود وركبت السيارة مع الجثمان حتى المدفن حيث عرف انه زوجها

بعد ذلك بأيام، طلب منها أحد عمال المسرح المدفن لكى يدفن فيه والدته التى لم يجد لها مدفنا وظلت فى المستشفى يبحث عن مكان يدفنها فيه. فوافقت وأعطت تعليمات للتربى بفتح باب المدفن للصدقة، وكتبت عليه «مدفن عابرى السبيل» وليس مدفن زينات صدقي. بل وطلبت منه وضع حنفية مياه لأهل المنطقة الذين كانوا يشترون جراكن المياه للشرب منها، وفقًا لمجلة «ديوان الأهرام».

ورغم أنها كانت على قيد الحياة، كتبت زينات صدقي على المدفن «لا تنسوا قراءة الفاتحة على روح زينب محمد سعد»، ومع مرور الأيام، كانت الأيام تمُر ثقيلة على زينات صدقي، حيث جلست في بيتها دون عمل، وعندّما قرر الرئيس جمال عبد الناصر تكريم نخبة من الفنانين ومن بينهم زينات صدقى، لم يستطع المعنيين العثور عليها فما كان من الرئيس جمال إلا أن طلب من جهة أمنية إيجادها ونجحت بالفعل فى العثور عليها فى أطلال منزل متهالك فى إحدى القرى وبدت فى حالة رثة فكرمها الرئيس جمال عبدالناصر والذى قيل قالت عنه زينات انه حبها الأول والأخير

في 1976، تذكرّها الرئيس أنور السادات بدرع عيد الفن، ودعاها لحضور حفل تكريمها واستلام شيك بألف جنيه حلت كل مشاكلها ومنحها معاشاً استثنائياً قيمته 100 جنيه أعانها على تحمل أعباء الحياة، وكان السادات يحبها ودعاها إلى فرح ابنته وأعطاها رقم تليفونه الخاص وقال لها: «أى شيء تحتاجى إليه أطلبيه فوراً يا زينات» وذلك حين استعدت أكاديمية الفنون، برئاسة الدكتور رشاد رشدي، لتنظيم حفل لتكريم الفنانين بمناسبة عيد الفن، بناءً على رغبة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي أبدى استغرابه من عدم إدراج اسم زينات صدقي ضمن القائمة وبعد بحث لساعات، تمكن رئيس الأكاديمية من الوصول إليها، وفور علمها بالأمر امتلأت عيناها بالدموع وانتابتها سعادة غامرة، لإحساسها باحتياجها الشديد لكل مليم من جائزة التكريم، حسب المنشور، لتدهور حالتها المادية.

المفاجأة أن دموع الفرح تحولت إلى حزن، فأبلغت «زينات»، رئيس الأكاديمية بأنها لا تستطيع حضور الحفل لعدم امتلاكها فستانًا، على إثره عرضت عليها إحدى المؤسسات الصحفية عرضًا بإقراضها مبلغًا ماليًا ترده إليها من قيمة جائزتها، وهو ما رفضته آنذاك.

آنذاك ورد لـ«السادات» رفض زينات الحضور، ليرسل إليها زوجته «جيهان» التي اشترت لها جيب وبلوزة أنيقة، وهو ما فاجأ الحضور آنذاك فور توجهها للتكريم في اليوم التالى .بالفعل حضرت «زينات» حفل عيد الفن، وصعدت على المنصة وصافحت الرئيس أنور السادات، واعتبرت ذلك «أعظم من أي شيء آخر»، وتسلمت جائزة قدرها 1000 جنيه، بجانب معاش شهري بـ100 جنيه.

في نهاية الحفل حاول أكثر من مخرج أن يسند إليها أدوارًا جديدة عقب الاهتمام الكبير الذي خصها به «السادات»، لكنها رفضت تهافتهم عليها بقولها: «أرفض الشفقة»
.بعد ظهورها اللافت والمفاجئ، آنذاك أمام عدسات الكاميرات، عادت «زينات» إلى عزلتها من جديد، إلى أن رحلت بعد عامين من تكريمها بعيد الفن

تعرضت زينات صدقي لشائعات تقول إنها يهودية الأصل حين قال الدكتور محمد أبو الغار، أثناء حواره في إحدى حلقات برنامج «البيت بيتك» الذي كان يذاع على شاشة التليفزيون المصري، إن الفنانة الراحلة من يهود مصر أثناء حديثه عن كتابه «اليهود في مصر»، ولكن حفيدتها، نادرة، أكدت أن خالتها توفيت على دين الإسلام، وأنها في آخر أيامها كانت تؤدي الصلاة في وقتها، وتحرص على الاستماع بشكل دائم إلى إذاعة القرآن الكريم. الأمر الذى جعل إعلان شقيقة زينات نيتها في رفع دعوى قضائية لتكذيب تلك الأشعة غير أنها توفت قبل ذلك
أضافت أحدى بنات شقيقتها “عزة ” أنها عاشت مع خالتها سنوات الطفولة، تعلمت خلالها الكثير من المبادئ، تقول “تعلمت من خالتي كل حاجة حلوة، اتذكر كيف كانت تعلمني الكثير من المبادئ كيف اتكلم وكيف اتعامل مع الآخرين، وأن أكون لماحة”

لم تكُن الديانة هي آخر الشائعات التى طالت زينات، ففي أيامها الأخيرة، أُشيع عن زينات أنها باعت أثاثها كي تُنفق على علاجها حيثُ أصيبت بمرض مياه على الرئة ، لكن ذلك لم يكُن صحيحًا، حسبمّا روت حفيدتها، صحيح أنها مرت بضائقة مالية، جعلتها تبيع بعض من ممتلكاتها لتسديد الضرائب المُتراكمة عليها، ورفضت أيضًا دخول المستشفى، فطلبت فقط أن تأكلُ فاكهة «الكريز»

 

(والجدير بالذكر أن تلقى الفنان أحمد رمزى أول دروس التمثيل على يد زينات صدقى)
عندما لاحظت الفنانة الراحلة زينات صدقى تردد أحمد رمزى وارتباكه فى أول مشهد له بالسينما فى فيلم “أيامنا الحلوة” عام 1955، أمام كل من فاتن حمامة وعمر الشريف وعبد الحليم حافظ، قررت أن تمرنه على الثبات أمام الكاميرات والنجوم على حد سواء.

في نهاية الستينات بدأت “زينات صدقي” في الاختفاء التدريجي ولم تظهر سوي في أعمال قليلة أشهرها فيلم “معبودة الجماهير” عام 1967م، بينما كان أخر أعمالها فيلم “بنت اسمها محمود” عام 1976م، وتلى فترة انقطاع تصل إلى 16عاماً قضتها “زينات” في بيتها بدون عمل

بلغ الرصيد الفني للفنانة “زينات صدقي” حوالي 150 فيلماً، ومن أبرز أعمالها السينمائية: “بنت اسمها محمود” و”معبودة الجماهير” و”حلاق السيدات” و”العتبة الخضراء” و”شارع الحب” و”إسماعيل يس في مستشفى المجانين” و”إسماعيل يس في الأسطول” و”أنت حبيبي” و”مدرسة البنات” و”أيامنا الحلوة” و”عفريتة إسماعيل يس” و”غزل البنات”، “الآنسة حنفي” و”ابن حميدو” لتفارق الحياه عن عمر يناهز 65 عام، بعد معاناة مع المرض لم تستمر طويلا، حيث أصيبت بمياه على الرئة أرقدتها في الفراش أسبوع واحد فقط، لتلقى بعد ذلك ربها فى 2 مارس 1978..تاركة إرثا سبنمائيا قد لا يصل إلى معدله وعدده كثيرين…
رحم الله زينات صدقي وتغمدها بواسع رحمته..
وداعا إمبراطورة ضحك السينما المصرية بزمن فنها الجميل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.