جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

(مُذكِّرات أراكاس) كتابة | نُور الهُدى

0 39

(مُذكِّرات أراكاس)

كتابة | نُور الهُدى

(مُذكِّرات أراكاس) كتابة | نُور الهُدى


“اليوم الرابع عشر من فبراير”


زوجي شخصٌ لطيفٌ جدًّا، وأنا محظوظة لأنّني زوجته، أحبّه، وهو يحبّني، وهذا مؤكّد.


“اليوم السادس عشر من فبراير”
زوجي يتصرّفُ بغرابة، وهناكَ رائحةُ عطرٍ نِسائي على قميصه، وعندما أخبرتُ أمّي قالت لي: “أنتِ مهملة في حق زوجك ويجب عليك أن تهتمّي به وتَتركي عملك”. هذا صعبٌ جدًّا، ولكنه من أجْل مصلحة بيتي.


“اليوم الثامن والعشرون من مارس”
كنتُ أستمع إلى نصائح أفراد العائلة وأُنفّذُها وأنا مغمضة العَينَيْن، أمّي تقول: “اهتمي بمنزلك وزوجك ولا تدعي العمل يأخذ كل وقتك، أهمِلي عملك ولا تُهملي بيتك”.
فكنتُ كالجارية لزوجي، كلُّ أوامره مُجابة، وأتجنّب كل ما ينهاني عنه، وعندما أتعب ألجأ إلى نصائح أفراد العائلة غافلةً عن مقولة “دوستويفسكي”: إنّ على المرء أن يضع حدًّا لسطوة أقربائه عليه وتدخّلهم في شؤونه من حينٍ إلى آخر، ذلك إذا أراد أن يهنأ بحياةٍ مستقرة وهادئة.


“اليوم السابع من مايو”
أحببتُه حتى مَلَّ منّي ومِن حُبي، وأصبحَ يعاملني كجرثومةٍ أو مرض لعين إن أصابه فسيقتله لا محالة. كلما اقتربتُ ابتعد، والبعد يقتُلني، والليالي تصبح سوداء باردة من دونه. خشيتُ أن يتطوّر الأمر ويهجرني وأبقى وحيدة بائسة، أنا أحبه ولا أستطيع التّخلي عنه، لكنه يقتلني بسكّين الخيانة، ولذلك فأنا أرغب في الانتقام!
“قبل الحادثة بساعاتٍ”


شيءٌ مَا كُسِرَ بِداخلي؛ مات لَم يعد له وجود، ربما قلبي، ولكنني ما زلتُ على قيد الحياة، فما الذي كُسِر ومات؟ ما هو؟ هل هو الحُب؟ أم أنه الثقة؟ أم كلاهما؟ نعم لَم أعد أحبك؛ لذلك يجب عليَّ أن أعاقبك، أن أتّخذ من حُبّكَ ستارًا لجريمتي!
“الحادثة”


طلبتُ منه أن يقومَ بإيصالي إلى العمل صباحًا، وفي الطريق كان لطيفًا معي على غير العادة، ولكن عندما وصلنا، طلبَ مني أن نَنفصل، مُبرِّرًا ذلك بالقول إنّ علاقتنا أصبحت سامّة ومؤذية، ويجب أن تنتهي، ولم يعُد يوجد مكانٌ للوِصال بيننا… نفترق بهدوءٍ ورُقي؛ فهو لا يريد أذيَّتي أو خسارتي كصديقةٍ أيضًا.
صَمتُّ، ومن ثمّ استجمعتُ قوّتي وطلبتُ منه أن يرافقني إلى محل عملي لكي أريَه آخر ما قد توصّلنا إليه من اكتشافات، وأن يترك أمر الفراق لوقتٍ لاحق.


بعد مرور بعض الوقت…
دخلنا إلى المختبر، وأحضرتُ له كوبًا من القهوة، وتحدّثتُ بفخرٍ عن آخر الاكتشافات التي توصّلنا إليها: أتَعلم يا عزيزي؟ أصبحنا الآن قادرين على تقليص حجم الإنسان في وقتٍ قصير.


تساءَل: كيف؟
أجبته: بعضُ النباتات السامة تحتوي على مادةٍ كيميائية إن مزجتها مع البلوتونيوم تتحول إلى مادة تقلّص جسد الإنسان، فيصبح من 2 إلى 4 ملم، أي بحجم حبة البازلاء.
ضحك وقال: وكيف يتمّ هذا؟


قلت: عند تناولك لعقار “Arakás”، يبدأ جسدك بالتقلص شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى حجم البازلاء كما يحدث الآن معك، فأنا قد وضعتُ بعضًا من العقار في قهوتك.


بدأ يصرخ كلما تقلَّص جسده، لقد كان كالعصفور الذي سقط في دلوٍ من الماء البارد، عيونه شاخصة تصرخ: الموت يقترب منّي، أبعِدوه عنّي… ولكن لا فائدة من هذا الصراخ؛ لقد آن الأوان لموتك ودقّت ساعتك، إنها النهاية، نهايتك!


بدأ يتوسّل إلي بأن أنقذه، وهو يتلوّى كالأفعى يطلب الغفران منّي أنا! ومَن أنا ليَطلب الغفران مني؟ فلْيَطلبه من ربّه لعلَّ وعسى أن يغفر له ذنبه، أنا بشرٌ مثله تسيّرني أمّارة السوء تلك، التي تزيّن المعاصي والشّهوات لتنزلك أسفل سافلين، وتفتح عليك أبواب الجحيم، وتدخلك في أحضان العذاب الأليم! كيف يطلب منّي أنا الغفران؟ إلى أيّ درجةٍ مِن درجات السّفه وصل هذا الإنسان؟


لَم يكتفِ بخيانتي مع تلك العاهرة، لا، بل يرغب في الزواج من شقيقتي الصُّغرى بعدَما يُقدِم على قتلي أو يُلفِّق لي تهمةً ما ويطلّقني، ويُطالب أبي بأن يزوّجه شقيقتي تعويضًا عمّا اقترفْتُه في حقه من خيانة!


نظرتُ إليه وهو يودّع روحه التي تُصارع من أجل أن تخرج من جسده القذر، وقلت: لا تتحدث بصوتٍ مرتفع عندما تكلِّم عاهرتك على الهاتف وأنا في المنزل.


ثم أردفت: أنتَ وأمي وبقيّة العائلة بجانبي دومًا، والظَّاهِرُ بوقوفكم بجانبي أنَّكم السَنَد الذي يسندني، ولكن في الواقع أنتم كأشباحِ الجاثوم!
قبل أن يموت، قمتُ بحمله ووضعِه في حَبة دواء صغيرة، وابتَلعتُه ليَبقى في داخلي للأبد، ولكي يذكِّرني بأنَّ الرجالَ مجردُ مخادعين ومحتالين ويجب أن لا نأمَن جانبَهم.
“تمَّت”.

كتابة | نُور الهُدى
تدقيق | نِسرين أبولويفة
مراجعة | آية أبو سعيدة
(مُذكِّرات أراكاس)
إهداء:
إلى الجُثث مَجهولة الهويّة، والتي تَنتظرُ إكرامَها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.