جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

من رسائل جبران خليل جبران لمي زيادة

0 27

من رسائل جبران خليل جبران لمي زيادة

إعداد / محمد الزيدي

رسائل جبران إلى مي زيادة تبادل جبران خليل جبران ومي زيادة رسائل كثيرة، ومن أبرز الرسائل التي أرسلها جبران خليل جبران لمي زيادة:
تقولين لي أنك تخافين الحب، لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين نور الشمس، أتخافين مدَّ البحر، أتخافين طلوع الفجر، أتخافين مجيء الربيع، لما يا ترى تخافين الحب؟ أنا أعلم أنّ القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكثير، نحن نريد كل شيء، نحن نريد الكمال.


– لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة. أنت يا مي كنز من كنوز الحياة، بل وأكثر من ذلك، أنتِ أنتِ، وإني أحمد الله لأنك من أمّة أنا من أبنائها ولأنك عائشة في زمن أعيش فيه، كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي أو في القرن الآتي رفعت يدي وخفقت بها الهوا كمن يريد أن يزيل غيمة من الدخان من أمام وجهه، يا مي، يا ماري، يا صديقتي. وها أنا أضع قبلة في راحة يمينكِ، وقبلة ثانية في راحة شمالكِ، طالبًا من الله أن يحرسك ويبارككِ ويملأ قلبكِ بأنواره، وأن يبقيكِ أحب الناس إلي.


-هل تعلمين يا صديقتي أنني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة، وهل تعلمين بأنني كنت أقول لذاتي هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي تخفره جبابرة الصباح، ثم اتخذت بلادي بلادًا لها وقومي قومًا لها، هل تعلمين بأنني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كلما وردت عليّ رسالة منك؟ لو علمت لما انقطعت عن الكتابة إليّ وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة.


– لقد انصرفت عن كل ما وجدته بانتظاري في هذا المكتب لأصرف نهاري مصغيًا إلى حديثك الذي يتمايل بين العذوبة والتعنيف، أقول التعنيف لأنني وجدت في رسالتك الثانية بعض الملاحظات التي لو سمحت لنفسي الفرحة أن تتألم لتألمت منها. كيف أسمح لنفسي النظر إلى شبه سحابة في سماء صافية مرصّعة بالنجوم، وكيف أحوّل عيني عن شجرة مزهرة إلى ظلّ من أغصانها، وكيف لا أقبل وخزة صغيرة من يد عطرة مفعمة بالجواهر؟ إنّ حديثنا الذي أنقذناه من سكوت خمسة أعوام لا ولن يتحوّل إلى عتاب أو مناظرة.


– ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها، فهي كَنَهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنمًا في وادي أحلامي، بل هي كقيثارة أورفيوس -شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان، سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم- تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة. إنّ يومًا يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل؟ ذلك يوم أنتحي فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولًا في إرم ذات العماد. وبِمَ أُجيب على سؤالاتك، وكيف أستطيع متابعة الحديث وفي النفس ما لا يسيل مع الحبر؟ ولكن لا بد من متابعة الحديث، فما بقي صامتًا ليس بالغير مفهوم لديك.


-ما قولك في رجل يستيقظ من غفلته صباحًا فيجد إلى جانب فراشه “رسالة” من صديقة يحبها فيقول بصوت عالٍ “صباح الخير، أهلًا وسهلًا” ثم يفتح الرسالة بلجاجة العطشان، فماذا يجد؟ لا أكثر ولا أقل من قصيدة جغرافية لشوقي بك. لو جاءت قصيدة شوقي في أول نيسان لاستظرفت النكتة وقلت في سري: “ما أحسنها صبية، وما أعرفها بأحوال البريد الدولي”، ولكن القصيدة جاءت في أول أيار، شهر الورود، فماذا يا ترى أفعل سوى أن أعض شفتي حانقًا متوعدًا مفعمًا فضاء منزلي بالضجيج.

-أنت تعلمين أن القلب البشري لا يخضع إلى نواميس القياسات والمسافات، وأنّ أعمق وأقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم إليها، ونجد في الاستسلام لذة وراحة وطمأنينة مع أننا مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها أو تحليلها، يكفي أنها عاطفة عميقة قوية قدسية. منذ كتبت إليك حتى الآن وأنتِ في خاطري، ولقد صرفت الساعات الطوال مفكرًا بكِ مخاطبًا إياكِ مستجوبًا خفاياك مستقصيًا أسراركِ، والعجيب أنّني شعرت مرات عديدة بوجود ذاتك الأثيرية في هذا المكتب ترقب حركاتي وتكلمني وتحاورني وتبدي رأيها في مآتيَّ وأعمالي. أنتِ بالطبع تستغربين هذا الكلام، وأنا أستغرب حاجتي واضطراري إلى كتابته إليكِ، وحبذا لو كان بإمكاني معرفة ذلك السر الخفي الكائن وراء هذا الاضطراب وهذه الحاجة الماسة.


– قد قلتِ لي مرةً: “ألا إنّ بين العقول مساجلة وبين الأفكار تبادلًا قد لا يتناوله الإدراك الحسي، ولكن من ذا الذي يستطيع نفيه بتاتًا من بين أبناء الوطن الواحد؟” إنّ في هذه الفقرة الجميلة حقيقة أولية كنت فيما مضى أعرفها بالقياس العقلي، أما الآن فإني أعرفها بالاختيار النفسي، ففي الآونة الأخيرة قد تحقّق لي وجود رابطة معنوية دقيقة قوية غريبة تختلف بطبيعتها ومزاياها وتأثيرها عن كل رابطة أخرى، فهي أشد وأصلب وأبقى بما لا يقاس من الروابط الدموية والجينية حتى والأخلاقية. وليس بين خيوط هذه الرابطة خيط واحد من غزل الأيام والليالي التي تمر بين المهد واللحد، وليس بين خيوطها خيط غزلته مقاصد الماضي أو رغائب الحاضر أو أماني المستقبل، فقد تكون موجودة بين اثنين لم يجمعهما الماضي ولا يجمعهما الحاضر، وقد لا يجمعهما المستقبل. وفي هذه الرابطة يا ميّ، في هذه العاطفة النفسية، في هذا التفاهم الخفي، أحلام أغرب وأعجب من كلّ ما يتمايل في القلب البشري، أحلام طيّ أحلام طيّ أحلام.


– استعطفك يا صديقتي أن تكتبي إليَّ، واستعطفك أن تكتبي إليَّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر، أنتِ وأنا نعلم الشيء الكثير عن البشر، وعن تلك الميول التي تقرّبهم إلى بعضهم البعض، وتلك العوامل التي تبعد بعضهم عن البعض، فهلّا تنحّينا ولو ساعة واحدة عن تلك السبل المطروقة، ووقفنا محدقين ولو مرة واحدة بما وراء الليل، بما وراء النهار، بما وراء الزمن، بما وراء الأبدية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.