جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

“ من أوراق الزّمن المرّ“ بقلم/ عبدالكريم جماعي

0 49

“ من أوراق الزّمن المرّ“ بقلم/ عبدالكريم جماعي

الحزن سحابة سوداء قاتمة، تجثم على المرء فتحيل أيامه يأسا و ضياعا،
مغارة مهجورة مظلمة، ليس فيها باب نجاة أو منفذ هواء.
أدغال مخيفة كثيفة، بلا أدنى قبس من ضياء أو بارقة من أمل.
متاهة مجهولة موحشة،يضيع فيها جهد الإنسان وتنتهي أحلامه الى خيبة محبطة..!!

من أين يأتي هذا الشعور البغيض الذي يضفي على الحياة لونا قاتما؟
و تصبح الدنيا جدرانا سوداء كئيبة؟
كيف السبيل إلى الخروج من بوتقة الهموم التي تتراكم على القلوب اليافعة.؟
يقولون أن الأحزان تحفر في النفوس عميقا،
فتتشكل التجاعيد بسرعة على الوجوه البائسة.

كأنّ الافراح مرهم مفيد للنضارة، غير أنّ صاحبنا هذا كان طلق المحيا.
تسري في عروقه دماء الحياة..بخديه حمرة واضحة..
وعلى جبينه صفاء نادر..اشراقة وجهه لا تدل أبدا على ما يعتري نفسه من يأس وقنوط..!!

حزنه لا يظهر الا للمقربين..الأوفياء..الذين يفتحون صدورهم لسماع حكاياته عن قساوة الأيام..فألمه لا يشعر به العابرون..
يخفيه ببراعة..فينفث آهاته في دخان السجائر التي أدمنها..!!
رأيته مرارا يذرف العبرات كأنه طفل صغير ضائع..يبكي حاله بقلب منكسر وفؤاد كليم..!!

هو لا يفتح قلبه بسهولة..لا يتحدث عن حياته باسهاب..
فقد كان كتوما لمن لا يعرفه..غامضا كلغز عويص..تصرفاته توحي بشخص غريب..
مظهره يشوبه بعض العته..
ردة فعله يغلب عليها التشنج السريع..كطفل مدلل أضاع لعبته الحبيبة..!!
ليس له ثقة في الغرباء..دائم الشك في نوايا الآخرين..كانه يحمل في داخله ثأرا دفينا لم يستطع نسيانه..!!

في بعض لحظات الصفاء القليلة..فتح لي قلبه على مصراعيه..
أخبرني عن أحلامه التي تبخرت في رمشة عين..عن آماله التي ضاعت بسبب تقاليد بالية..
عن علاقته بمحبوبته التي رفضتها عائلته..
كان هو كبير أخوته..توفي أبوه باكرا وترك له مسؤولية كبيرة..عليه أن يتحملها..!!
رعاية والدته الأرملة..التي ألم بها داء عضال..اخوته واخواته..
أربعة بنين يدرسون وبنتين..الصغرى انقطعت عن التعليم ولزمت البيت..والكبرى متزوجة..
تقطن في نفس الحي مع زوجها الذي تعرض لحادث جعله حبيس كرسي متحرك..

مسؤولية كل هؤلاء كانت على عاتقه..كان يقسّم راتبه الهزيل عليهم..لم يدخر جهدا في سبيل توفير متطلباتهم..
عمل بجدّ من أجل أن يملأ الفراغ الذي تركه رب الأسرة..ثم جاءت الصدمة التي قصمت ظهره..

كان مولعا إلى حد الهوس بإحدى الفتيات في مدينته القابعة في الجنوب الغربي للبلاد..
فقد درست سابقا مع شقيقته..عرف بعد ذلك أنها ليست من منطقتهم..

انتقلت إليها بسبب عمل والدها في إحدى المؤسسات..رآها عدة مرات تتردد على منزلهم..

سنحت له فرص كثيرة للتحدث معها..تملكه شعور فياض نحوها..
أحس معها بحلاوة الحب لأول مرة..شغلت فكره وأيامه..
لم يستطع أن يبوح لها بما يعتلج في صدره..بقي وحيدا يعاني ويلات الغرام..يبث همومه في سيجارة تحترق كلما زاد لهيب الغرام داخله..!

في إحدى المرات..أفشى سرّه لشقيقته..كان يأمل في أن تساعده في إبلاغ صاحبتها بما يعتمل في قلبه..أن تربط بينه وبينها جسور التواصل..
غير أنها أخبرت والدتها بالأمر..التي رفضت بشدة..بكت أمامه بحرقة متعللة برغبة والده المتوفي..
في تزويجه من ابنة عمه..حاول إقناعها بشتى السبل إلا أنه فشل..خشي غضبها وسخطها..رضخ لها صاغرا وفي القلب حرقة..ولوعة..ضاعت أحلامه الوردية و بقي أسير الكوابيس..!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.