جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

مدير أعمال ” بقلم الكاتب / وليد يسري

0 60

مدير أعمال ” بقلم الكاتب / وليد يسري

في يوم كنت قاعد على قهوة المغربلين في ضهر شارع محمد علي، كنت لسه متخرج جديد وقاعد ديمًا بالجورنال وسط مجموعة من الآلاتية وأصحاب المواهب في الغناء والزمر، وكانت المنطقة دي كلها مغنى ورقص بس أنا فضلت قاعد أدور على أي شغلانة حلال بعد ما فشلت في إني أشتغل مدرس فلسفة، واحد طبال قالي يا أستاذ وليد أنت خريج جامعة يعني واحد مهم في المنطقة دي اللي أجدع واحد فيهم معاه ابتدائية، ايه رأيك تشتغل مدير أعمال، أنا اتبسطت قوي وفرحت، قولت بس أخيرًا هبقى مدير أعمال، طيب فين ياريس الشركة دي، قالي شركة ايه يابني بقولك مدير أعمال يعني هتبقى مدير أعمال الراقصة سونيا أجدع رقاصة في حي المغربلين، ومع ضيق الحال وافقت وروحت أقابل الست سونيا وأنا سنين عمري بتجري قصاد عيني، شوفت أبويا وهو شايلني على رقبته وبيقولي شد حيلك في العلام ياوليد بكره تبقى حاجة كبيرة

ولا أمي وهي بتعمل لي أكل وتدعيلي وتقول يارب يطلع مستوظف كبير قوي ومن أول مهية له ندراً عليا لنوزع بيها رز بلبن على خلق الله

افتكرت وصية أمي الله يرحمها وهي بتودع الدنيا وبتقولي نفذ الندر ياوليد ومن أول مهية تاخدها أعمل بيها رز بلبن لأهل الحي، طيب أزاي هنفذ وصيتك يامه وأنا أول فلوس هتدخلي من ورا رقاصة

زعقت فيا سونيا وقالت مالك واقف مبلم كده أنا عاوزاك تركز معايا، عشان ده عيش ياخويا، وسألتني اذا كان عندي خبرة قبل كده في الشغلانة ولا لا، قولتلها حتى الرقصاات عاوزين ناس معاهم خبرة، قالتلي ومالهم الرقصات ياخويا ده أنا بصرف على عشرين من نوعيتك لأحسن تكون فاكر نفسك خريج طب ولا حاجة أنت خريج فلسفة وفلسفة الدنيا فلوس

فضلت أفكر شوية مابين كرامتي ومابين إني بقالي تلت أيام مكلتش واخترت الأكل، الجوع من أصعب الحاجات اللي هتعدي عليك، الأول هتحس ان فيه مغص خفيف في بطنك وبعدها مصارين بطنك هتتلوى عليك كأنها بتتقطع وبعدها هتحس أنك دايخ ومش قادر تتحرك وخُلقك وبعد كده هتبدأ تهذي كأنك مسطول، الجوع الحقيقي صعب وفلسفة الدنيا فلوس فعًلا، الفلوس اللي خلتني أشتغل مدير أعمال وأنا جامعي لواحدة رقاصة.

اشتغلت وكنت بقبض مهية كويسة ومرضتش أنفذ وصية أمي عشان دي فلوس واحدة رقاصة، مكنتش بحبها بس كنت مضطر للعمل ده

في يوم تعب من المنطقة عندنا طفل للست سمحية كانت بتتمناه من الدنيا وبعد سنين عجاف أخيرًا حملت، بس ابنها اتولد بمرض يحتاج لعملية بمبلغ كبير جدًا، أنا يوم ما سمعت الرقم قولت لخالتي سميحة ده أنا لو اشتغلت عشرين سنة مش هيكون معايا المبلغ ده، وعشان أنا المتعلم الوحيد اللي تعرفه الست سميحة قالت خليك معايا لو مش بالفلوس يبقى نورني وقولي نروح فين ولا نطلب من مين، وقتها خدتها وروحنا على أغنياء المنطقة محدش رضي يساعد، روحنا للجمعيات قالوا سيبوا الأسم وهنبقى نرد عليكم بعد خمس شهور لما فلوس ذكاة المال توصل، بس للأسف الوقت مكنش في صالحنا، روحت لكل الناس اللي كانوا بيدعوا الفضيلة ومعاهم فلوس زي الرز محدش فيهم كلف خاطرة يرحم ابن الست الغلبانة ويكون سبب في علاجة، وبعد أسبوعين من اللف سلمت الست سميحة أمرها لله وقالت شوف وراك ايه يابني وأنا وأبني رزقنا على الله

روحت الشغل بس سونيا قالتلي أنت مرفوض معدش ليك أكل عيش معايا كنت فين من أسبوعين، قولتلها على حكاية ابن الخالة سميحة، راحت لابسة عباية وطرحة فوق بدلة الرقص وسابت النمرة بتاعتها ودخلت جوه الأوضة جابت شنطتها وقالت تعالا وريني خالتك سميحة دي فين

ركبت جنبها الحنطور لحد بيت خالتي سميحة وقبل ما ندخل راحت اشترت كام كيس فاكهة ودخلنا البيت قعدنا وقالت للست سميحة مبروك ما جالك متقلقيش هيبقى كويس هي العملية بكام ياست الكل، قالت سميحة وهي مكسورة فوق الخمسين ألف

الرقم ده وقتها كان مبلغ كبير جدًا، بصتلها سونيا وابتسمت وراحت فاتحة شنطتها ومطلعه كيس في فلوس وقالتلها ربك كريم دول هيكفوا العملية والباقي للأدوية، حطت الفلوس في حجرها وقالت ربنا ما يوقعك في ضيقة أبدًا لا أنتي ولا أي حد في الدنيا وقبل ما تخرج طلعت مرتب شهرين وقالت ده مرتبك شهرين ياوليد خليك جنب خالتك الحاجة وابنها طالما هما لوحدهم ولما تطمن عليهم ابقى تعالى الشغل

مش عاوز أقولكم مشاعري كانت عاملة ازاي وأنا بشوفها بتنقذ طفل صغير هي متعرفوش وازاي قلبها زي الدهب كده
لدرجة إني قولت دي أكيد مش رقاصة دي كانت حاجة كبيرة قوي بس الزمن جه عليها زيي كده

أنا أول حاجة عملتها لما روحت الأوضة بتاعتي إني اشتريت بالمهية دي رز بلبن وفرقته على الناس زي ما كانت أمي موصياني، لأن اللي لسه قادر يشوف الناس ويحس بيها هو إنسان، وكون إني بشتغل مع إنسان عنده قلب ورحمة هي أعظم شغلانة ممكن أشتغلها بشهادتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.