جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

مداعبات خيالية

0 179

مداعبات خيالية بقلم . شعبان سليمان

في لحظة تأمل داعبني خيالي مسترجعاً أيام الطفولة قديماً وبعض الكلمات التي قالها لي أحد أصدقاء والدي المعروف عنه الحُجة والمنطق في الحديث والتي أتذكرها كاملة دون إنتقاص رغم مرور كل هذا الزمن الطويل الذي تخطي الأربعون عاماً , فقد قال لي مُعبراً ومُشيراً عن الحياة اليومية والتعاملات والمفارقات الصعبة والسلبية بين الناس وبعضهم البعض في تلك الحقبة من الزمن وأن تغليبهم للمصالح الشخصية أولاً كان محور حديثه معي ناصحاً لي بعبارة ياإبني ” إعمل المعروف في أهل المعروف ” وعندما طلبت منه توضيح مغزي هذه العبارة قال لي بأن هذا الزمان ويقصد الزمان الذي كنا نحن فيه وقتها ..

علي الإنسان أن لا يقدم بفعل المعروف إلا لمن يستحق .. تيمناً بعبارة ” إذا أكرمت اللئيم تمرد ” وعندما أفصحت عمن بداخلي من فكري الطفولي المعرفي المحدود بأن أي إنسان دائماً بيعمل الخير لله مش للناس ولكنه رد علية سريعاً وقال ياإبني الكلام ده كان زمان أيام النفوس الطاهرة الطيبة وحسن النوايا والقلوب , والحقيقة وقتها لم أقتنع أو أسلم بصحة كلامه كليةً ولكن كان بداخلي ترجيحاً للفكرة بشكل مبدئي نظراً لخبراته الطويلة في الحياة والمعروف عنه من رجاحة عقل وفكر مُستنير , وأن محطات الحياة المختلفة والكثيرة قد أدت به إلي هذا الفكر والتوجه وأصبح منهجاً له في الحياة . ولكن لن أخفيكوا سراً …

فقد كانت تربيتي ونشأتي وعقيدتي الإنسانية يحركها النازع العاطفي قبل العقلي وهو الذي جعلني أتعرض للكثير من المواقف الضبابية والمكائد والغش العاطفي والإجتماعي والعملي حتي ولو من عابر سبيل أو متسول علي الطريق أو بائع سلعة رديئة ومجهولة المصدر يروج لها بحرفة مستعطفاً قلوب الناس من أجل الشراء . وعندما سافرت الولايات المتحدة الأمريكية ( نيويورك – أوهايو ) للعمل فوجئت بأحد اصدقائي القدامي هناك ينصحني ويكرر لي نفس عبارة صديق والدي ” إعمل المعروف في أهل المعروف ” وذلك عندما لاحظ حُسن تصرفي العفوي والطيبي في التعامل مع الغير خصوصاً مع بعض زملاءنا المصريين هناك الذين تعمدوا إستغلال حسن نيتي وطيبتي لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية رغم تقديمي للمعروف إليهم بعد إيهامي بحاجتهم المُلحة للمساعدة المالية . وقد قال لي هذا الصديق المُخضرم بالحرف الواحد علي فكرة إنت مش حاتنفع هنا في أمريكا لو فضلت كده تتعامل مع الناس بمنطق الطيبة والإقدام علي مساعدة أي حد بدون تبصر أو دراسة لإن هنا ” إللي تزرعه يقلعك ” .

والحق يقال فقد إهتزت فرائسي للحظات في آتون من التخبط الفكري رغم أن كلامه جميعه ينطبق علي شخصي والأحداث التي عانيت منها في الغربة وهو الذي جعلني إنغلقت علي نفسي فترة أصب عصارة تفكيري وجهدي في عملي فقط مُحدثاً نفسي دائماً بعبارة ” وأنا مالي بالناس خليني في حالي وكل واحد هنا مسئول عن تصرفاته وكفالة نفسه ” ولكن هيهات أن أظل علي هذه الحال فترة طويلة فإن الطبع يغلب التطبع وهو الذي جعلني أعود لشاكلتي الأولي في تقديم المساعدة للغير بحُسن نية حتي طُعنت مرة أخري بالغدر والخيانة من أحد الأصدقاء لي في الغربة .

وأنني وبعد مرور كل هذه السنوات الطويلة تراني يحضُرني هذه المشاهد السلبية السابقة عندما أري الأن أن بعض التعاملات بين الناس يغلب عليها الكثير من الغش والخداع المحترف وكأنها طقوس يومية لا مفر منها وأنه قد أصبح شئ عادي لا يصح به الإستهجان أو التأفف , وماهي إلا فهلوة وتفتيح مخ وأن الدنيا كلها ماشية علي كده.. فلو ركبت تاكسي أبيض بعداد علشان تريح نفسك من المناهدة في الأجرة المستحقة بعد التوصيلة مع سائق التاكسي الأسود تري السائق يقول لك معلهش العداد مش شغال ويفضل يشكيلك همه وظروفه العائلية الصعبة , تروح تشتري عيش من الفرن يضع لك البائع العيش الرجوع أو السحلا (عيش معجن) أسفل العيش السليم , تروح تشتري فاكهة يحطلك البائع بعض الثمرات العفنة التي لا تؤكل في وسط السليم منها , تجيب سباك ولا نجار ولا فني تكييف ولا غسالات يستغلك أسوء إستغلال ويستقطع منك ثمن معاناته ومتطلباته الحياتية حتي ولو الخدمة المقدمة غير ذي نفع , كما أن بعض عمال النظافة التابعين لبعض شركات النظافة ونقل القمامة عندما يراك قادماً لكي تضع كيس الزبالة في الصندوق المعدني الكبير يترك كل إللي في إيده بسرعة مهما كان هاماً ويجري عليك ويقولك عنك إنت يابيه بس علشان هو يرميه داخل صندوق القمامة المعدني وبالتالي لازم تضع إيدك في جيبك علشان تصبح عليه بأي فكة طبعاً بعد مايحرجك بلطف ويقولك العبارة الشهيرة أي خدمة يابيه . لقد أسهمت ظروف الحياة الأن وبقوة في تغيير طبائع الناس للجانب السلبي وأقصد هنا الأسوياء منهم وليس المستغلين بالفطرة أوبالتعود أو بالحرفية .

فتري الكثير منهم الأن بعد أن كانوا بداخلهم الإقدام والحض علي فعل الخير دون أدني تفكير في كلمات ” إذاي وليه ولمصلحة مين ” أصبحوا الأن يتراجعون ويراجعون أنفسهم كثيراً قبل الإقدام علي فعل الخير حتي لا يقعون فريسة الإستغلال الذي فطنوا له جيداً , نظراً لكثرة ماتعرضوا له من أمور حياتية يومية مشابهة تجعلهم يرون أفعالهم الخيرة تذهب إلي الكثير من المفتعلين والمنتفعين الأونطجية الذين يحترفون النصب المُقنع علي مثل هؤلاء الناس العاطفيين بالفطرة وفاعلي المعروف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.