جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

محمد بن كناسة..رياضة النفس وترك الهوى…!!

0 12

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

إعداد / محمد توفيق

كناسة لقب ابيه واسمه عبد الله بن عبد الأعلى من بني أسد، ولد ونشأ في الكوفة في بيت صلاح وتقوى،فقد كان خاله أبراهيم بن أدهم احد من تذكر اسماؤهم في نشأة التصوف، ألتحق بحلقات المحدثين ألتحاقا أتاح له أن يحمل الحديث عنه، وأن يعد من رجاله،تفتحت موهبته الشعرية مبكرة غير انه كان إمرءاً صالحاً فلم يتصد لأحد بمدح ولا هجاء بل قصر شعره على الزهد وما يتصل به من رياضة النفس على ترك الهوى والاتعاظ بالدنيا وفناء ملذاتها وبقاء تبعاتها، فنعمها دائما زائلة ونقمها نازلة، ومهما طال عمر الانسان فيها فإلى فناء،وكلنا يجري الى غاية ينتهي عندها أجله…والعجيب أن تتعلق قلوبنا بها ونحن نعلم أننا كل يوم نقطع مسافة الى تلك الغاية المحتمة،ومنا من يضل طريق الرشاد فيتبع نفسه وهواها،وكان الأولى ان يقهرها ويدفع عن نفسه بادرة سطوتها حتى يصون دينه..

وفي هذا الأمر يقول أبن كناسة..
ومن عجيب الدنياتبقيك للبلى
وأنك فيها للبقاء مريد..
وأي بني الأيام الا وعنده
من الدهر ذنب طارف وتليد..
ومن يأمن الأيام أما اتساعها
فخطر وأما فجعها فعتيد..
اذا أعتادت النفس الرضاع من الهوى
فأن فطام النفس عنه شديد ..!!

ويكرر ابن كناسة الحديث عن فطام النفس من الشهوات واللذائذ وأنه أمر ثقيل، والسعيد حقا من عصى هواه في طاعة ربه، فأجتنب المحارم والماثم ، ويلاحظ ابن كناسة ان هناك من الناس من يلوك الأحاديث والعظات في عواقب اتباع الهوى، وهي فئة الواحد منهم يقول بفمه ماليس له ظل في قلبه، أو كأنه يعظ ولا يتعظ ،وفي ذلك يقول أبن كناسة:
مامن روى أدبا ولم يعمل به
ويكف عن زيغ الهوى بأديب..
حتى يكون بما تعلم عاملاً
من صالح فيكون غير معيب..
ولقلما تغني أصابة قائل
أفعاله أفعال غير مصيب….

حقا فالصدق ما قال ابن كناسة فالكلمة ان لم تصدر من القلب لم يكن لها تأثير في القلوب، وعظة الواعظ أن لم تشفع بعمله كان هو أول من لا ينتفع بها، وكانت كالسراج يضئ المكان ويحرق نفسه..!

اما اصحاب ” ابن كناسة” فكانوا يعرفون قدر موهبته الشعرية ولأنهم كان فيهم من طلاب الدنيا فقد كانوا لا يزالون يتلومونه على قعوده عن أبواب الحكام والأمراء، ونظراؤه يكسبون مما ينظمون الألوف المؤلفة،وهو يعيش في كفاف وصبابة…
وكان ” ابن كناسة” يرد عليهم ردا منكرا، أذ ان اعراضه عن الدنيا مصمما، غير راغب في متاعها وحسبه متاع الأخرة الذي ينتظره والذي يحفظ على نفسه من اجله ماء وجهه ويصون كرامته، فلا يبتذلها لمخلوق وحتى لا يصبح من طلاب الدنيا لا من طلاب الاخرة…و يؤثرون نعيم العاجلة على نعيم الباقية وفي هذا الأمر يقول” ابن كناسة”موجها كلامه الى لائميه…..

تؤنبني أن صنت عرضي عصابة

لها بين أطناب اللئام بصيص…..

يقولون لو غمضت لازددت رفعةً

فقلت لهم أنى اذن لحريص……

أتكلم وجهي — لا أبا لأبيكم مطامع عنها للكرام محيص…

- Advertisement -

معاشي دوين القوت والعرض وافر
وبطني عن جدوى اللئام خميص….

سألقى المنايا لم أخالط دنية ولم تسر بي في المخزيات قلوص….

وكانت تسليته الوحيدة في دنياه جارية شاعرة ومغنية تسمي” دنانير”وكانت ذو المرؤة من اهل الأدب يقصدونها للمحادثة والمساجلة في الشعر، وكان ” ابن كناسة” يقدرها لظرفها وسعة ثقافتها وقدرتها علي المشاركة في كل الأحاديث، ويختطفها منه الموت فحزن حزنا عميقا صوره في مرثية مستسلما فيها لأمر ربه حيث قال….
الحمد لله لا شريك له

ياليت ماكان منك لم يكن

أن يكن القول قل فيك فما افحمني غير شدة الحزن…..

وطالما تحدثنا في لمحة رثائه” دنانير” فلا بد ان ننظر في رثائه خاله ابراهيم بن ادهم وكما ذكرنا انه رحمه الله كان من اعلام الصوفية الاوائل، فها هو ” ابن كناسة” يرسم لنا صورة العابد الناسك وكيف كان يعيش على الكفاف قانعا مزدريا الدنيا ومتاعها مقبلا على ربه عابدا، قامعا لدواعي الهوى في نفسه متحليا بالفضائل الرفيعة…لايعرف الغضب ولا الطيش….وأغلب وقته صامتا متفكرا في ملكوت الله…حتى اذا نطق استولى علي القلوب..ورغم ذلك كان دائما مستكينا خاضعا لربه متواضعا التواضع الذي لا يخدش مروءة ولا كرامة…
وفي هذه الصفات يرثي خاله وهو يخاطب من لا يزالون يستزيدون من الغنى والثراء قائلا::

رأيتك ما يكفيك ما دونه الغنى وقد كان يكفي دون ذاك ابن ادهما…..

وكان يرى الدنيا صغيرا عظيما وكان لحق الله فيها معظما…..

أمات الهوى حتى تجنبه الهوى كما اجتنب الجاني الدم لطالب الدما….

وللحلم سلطان على الجهل عنده فما يستطيع الجهل ان يترمرما..

وأكثر ما تلقاه في القوم صامتا وان قال بذ القائلين واحكما…

يرى مستكينا خاضعا متواضعا وليثا اذا لاقى الكتيبة ضيغما….

وهكذا رأينا كيف كان ابن كناسة يصفي عقله وقلبه للزهد…وكيف يمكن للإنسان ان يعيش حياته مؤمنا بأن الغاية العليا التي ينبغي ان يطمح اليها الفوز برضوان الله….ويترك ” محمد بن كناسة” دنيانا مجيبا لنداء ربه سنة سبع ومائتين للهجرة……
رحم الله ابن كناسة رحمة. واسعة وألحقه بالصالحين.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.