جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

ليلة ذكرى ميلادي الأربعون

0 29

ليلة ذكرى ميلادي الأربعون

بقلم::هالة محمود

ليلة ذكرى ميلادي الأربعون،
“ليلة ميلاد سعيدة يا أنا”


اختليت بنفسي وقلما كانت ترضى، وأعدت تكرار تلك الجملة العالقة برأسي من رواية يوتوبيا،


” لابد أن يكون الموت أنيقا مسرحيا”


صببت زجاجتين من الكيروسين على فستاني الأنيق ومن ثم جسدي وبخطىٍ واثقة اتجهت إلى الشرفة قابضةً على قداحتي،

وبالرغم من إنها ليلة شتوية مُظلمة إلا أن الشارع كان زحام شديد كأنما احتشد الناس لأمرٍ جلل، هذا هو.. ،أنيقا.. ،مسرحيا.. ،


لحظة أشعلت النيران بأطراف فستاني أطلقت لصراخي العنان وعلى مرأى من العموم غبت عن هناك وحالما تلقفتني يد الإدراك حضرت هنا..


الآن.. هنا..


لطالما كان الزمن هو اليد العليا؛ يُحرك الأشياء والأشخاص حسبما يريد يمر أمامنا بخفة أو بثقل حسبما يشاء،

يجردنا من ذواتنا حينا،

ويُثقل كاهلنا بذاته وسلطانه أحْيان يمنحنا ما لم نكن نصبو إليه مطلقا،

ويمنع عنا ما أردناه أعظم إرادة، إنه الزمن كما عهدته على مدار اعوامي الفائتة فماباله يخالف عهدي به؛

ماله الزمن توقف لا يمر،

لا يمنح ولا يمنع، ساكنا لا يتحرك، ربما عليَّ أنا أن أتحرك، الثوب ضيقة، أتنفس بصعوبة بالغة؛ كأنني حبيسة ذلك الثوب،

هممت بالوقوف كي انتزعه عني بيد أن الأمر كان أيسر مما توقعت

فحالما وقفت سقط الثوب عني كأنما كان يسعى لمفارقتي أكثر من سعيِ أنا ،

بت الآن حرة،

أشعر بخفة كأن أقدامي لا تلمس الأرض، أقدامي!، أيناها أقدامي!، مددت يدي أتحسس قدميَّ بلا جدوى، يا ألهي يدي هي الأخرى لم تعد هنا،

أيناه جسدي؟

عبثا أحاول أن اتحسس جسدي فلا أقبض الا على الفراغ،

أنا ظل مجرد ظل مُترامي على الفراغ الأبيض،

لم أكن أعلم أن هذا سيحدث خِلتُ الأمر غير ذلك كأن أملك جسدا مشوها بفعل النيران اما أن افقد جسدي كله واستحيل ظلا فلم يكن في الحسبان،

أن وما الفارق، هكذا تحدثت إلى ذاتي العالقة في الظل الفارغ، بجسد أو بلاه، ألمس الأرض أو أطير، أكون أو لا أكون، ما الفارق؟،

لا شيء، الآن كل الأشياء صارت سواء ولا آبه لشيء إلا أن ينتهي الأمر؛

متى يُنصب الميزان ويُنظر في أمري، فأذهب إلى حيث مستقري وأخر الرحلة، متى!؟


تردد صوتي في جنبات المكان يحمل السؤال ذهابا وايابا دونما جواب، لا فائدة من البقاء ها هنا، فالزمن هنا صامت كصيادٍ يرقب فريسته دونما حراك، ماذا تفعل فريسة يتربص بها صيادٌ ماهر! ، تكتم أنفاسها وتختبيء في الأحراش؟،

تنطوي داخل داخلها كأنها لم تعد هنا؟، لكني لست فريستك أيها الصياد، لم أعد أملك شيئا لتسلبني اياه، لم أعد كذلك،

ولن أعود، لا بأس إذن ساتحرك، أتنفس بأعلى صوت، أعدو بأقصى سرعة،

أتبارى أمامك بلا مبالاتي بِك، أزهو و اتخايل أمامك كطاووسٍ يملك كل الألوان وأنت لا تملك إلا هذا البياض الفارغ، لم يكن لدى وجهة وأنا أعدو،

لا أعرف إلى أين،

فقط أعدو وأعدو ولا أسمع إلا صدى أنفاسي، لا أعرف كم ساعة أو يوم أو أعوام مرت وأنا كذلك ظلٌ فارغ يعدو بلا هدف، إلا أن الحال تغيرت ذلك الفراغ لم يعد فراغا، نشبت حياة ها هنا، حياة (أشخاص، اصوات، حركة، دبيب، أوراقٌ تتطاير،

اصواتٌ تعلو وتتخافت ما بين فزع ورجاء، همسات كأنها حديث نفس لا أفهمها لكن نفسي تألفها)،

ها هو الزمن كما أعرفه يُحرك الأشياء أو بالاحري يبادلها حركةً بحركةٍ، باتت النهاية وشيكة أسعى إليها فتسعى اليَّ، ها هي بداية النهاية،

من هنا ربما علي أن اصطف في صفٍ من تلك الصفوف، ولكن أيهم؟، مع من؟، وإلى جانب من؟، أو خلف من اقف؟


عاودتني الحيرة والتيه من جديد

كنت أفتش في الصفوف عن أحد أعرفه أو يعرفني،

عن أحد يأخذني إلى حيث يجب أن أكون، أنظر في كل الوجوه هنا، وهنا، هناك، أول الصف،أخره، صفٌ أخر وأخر، أعدو واعدو، اتعب،

أعلق ظلي على فراغ واستلمه من فراغ واعدو واعدو ،افتش، الوجوه لا تعرفني؛

انا ظل مجرد ظل،

كيف لها الظلال أن تُعرف!، أن تُدرك!، أعاود العدو كما لو كنت أدور في دائرة أولها بأخرها موصول، تيه لا ينتهي،

أعياني الركض فإذا بالظل يسقط مغشيا عليه، يا الله أهنا أيضا أسقط! حتى الظلال تستسلم، تخر قواها وتسقط!
يا الله!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.