جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

” لوعة الغياب ” .. بقلم / دونا بليلو

0 45

” لوعة الغياب ” .. بقلم / دونا بليلو

_هذا الغياب يا حبيبي لا يعرف طعمه إلاّ الذين هجروا قسراً من منازلهم…
الذين تخلوا عن أوطانهم طوعاً وخنوع لرغبة الطغاة..
قال الأب الذي فقد ابنه ذات صباح متأثِراً بجراحه إثر غارة جوية من قبل الطغاة: حينما أتوا به محمولاً على الأكتاف رأيت معه أحلامي وشجرة التوت التي على جذعها حفرنا أسماءنا وطفولتنا ..رأيتُ به الشباب الغابر والعُمر الخائب والموت البطيء.. فقدتُ قبله أبي وأمي لكن والله إن طعم فقده كان أعظم.. وكأنني انتزعت قلبي ووضعته بين حفنة تراب بيديّ..
أما تلك التي فقدت أبناءها جميعهم مابكت دمعة واحدة ترثي رحيلهم قالت بكل ثبات: أسسنا أنا وزوجي منزلاً في الحياة وشاء الله أن يؤسس لنا في جنته منزلاً فعلامَ أحزن؟!.. لم يمضِ يومان على تحدثها نقلت إلى المشفى إثر نوبة انهيار أعصاب…

كتلك العروس التي حلمت منذ أن عَرفت الشباب بزواجٍ عظيم تحكي به كل فتيات الحي ويتهامسن احتراقاً من جمالها وهي تَطِل في فستانها الأبيض تمسك يد فارس أحلامها وتتراقص كما الزهر مع النسيم والألحان .. لم تبعد فترة طلتها في الفستان الأبيض لتسابق البدر في نوره عن فترة طلتها في الأبيض الذي سيرقد معها في المثوى الأخير.. عَروسٌ وشهيدة..

كان لفقدها لظى متداخل مع نسائم فجر فلا حزن يرثي رحيلها ولا فرحة تصف أنها شهيدة.. هكذا هو الحب في وطننا يا حبيبي معقودٌ في الموت دائماً..

وذاك الذي وضع حبيبته في جوف الثرى بيديه وهو عنوة يستطيع لفظ أنفاسه مضى وقتٌ طويل على رحيلها.. ولايزال كلما حدثت جريمة حب يعود له مشهد سقوطها فيسقط من شدة الفقد متأوهاً لا دواء يشفيه ولا ماء يطفئ لظى روحه..
كأولئك الأحفاد الذين ودعوا جدتهم وودعوا معها الشاي المكلل بالريحان العميق والخبز الشهي المعجون بحب وطيب.. وقالوا إن لكل أجلٍ كتاب وجميعنا مصيرنا الموت بينما قلوبهم تنعصر حزناً ولوعة..

والكثير الكثير من القائلين في وطننا ياعزيزي فالحب كما قلت لك سابقاً قرِن في الموت..هذي البلاد تأتي بأبنائها لتقتلهم..
أما فقدي لك كان بلوعتهم جميعهم…
بلوعة عاشق غادره الشتاء وهو على رصيف العمر ينتظر حبيبته..
بلوعة صبيةٌ فتية كانت تعشق النظر إلى القمر ليلاً وانتظرت بكل شغف شتاءً كاملاً ولم يصيب الفرح قلبها بل ما أصابه هو عفونةٌ شتوية إثر ترسب الدمع وماء المطر في ثنايا روحها…
كشعوري حينما ينضب البن فجأة وألم رأسي يتوهج لكن هذه المرة الألم في قلبي…
كأن أضع إصبعي في عينيّ عمداً وأقتلعها وأضحك من شدة الألم متمتمة لا بأس اطفالٌ صِغارٌ يلعبون..
فقدك يا حبيبي كالعام الذي خرجنا فيه من منزلنا فبت أقف على أطلال الذكريات كل يوم والوح لها بيدي من الضفة الاُخرى التي قيل أنها أكثر سلاماً وفي حقيقة الأمر لا تبعد إلا كيلو مترات قليلة يمكن لقذيفة طائشة أن تقضي عليها لصغر حجمها..
لفقدك كان رائحة المطر.. والياسمين الذابل والليلك الحزين.. هل تعرف كيف يكون الليلك حزيناً؟!
لربما لا تعرف لكن في الحقيقة هو والياسمين يبدو عبقهم خفيف يكاد لا يلثم.. هكذا تعبر الورود عن حزنها ..
أما القمر فحزنه قاسٍ جداً يا حبيبي ك النوى الذي بيننا مسافةً وقلوب… يغيب ويغيب ويغيب وحينما يسطع يسطع بضياءٍ باهت وكأن الغياب أكل من روحه الكثير…

الفقد كالحرب يا حبيبي.. هجرني عن قلبك قسراً..وسلب مني هوية الإنتماء إليه.. كما خلف الكثير الكثير من الدمار في قلبي.. كما أن روحي أصبحت أشلاء مبعثرة بعضي لديك.. وبعضي لديّ وبعضي يشتاق لبعضي..لكن لا قوة لنا على جبروت الحياة ..
فقدك ك تيبس ياسمين دمشق.. كموت القطة التي كانت بمواءها تؤنس وحدة ذاك المُسن المسكين..
كالشمس في الشتاء تنير ولا تدف
ئ هكذا ذكراك.. من قال إن الذكرى تدفىء.. لا شيء يدفئ إلا يداك والآن يداك محرمتان تحريماً أبدي ..
حتى عينيك.. ماعاد النظر فيهما مشروع.. فالعينين أسلحة.. محرمة على من فرض النوى على قلبيهما.. كي لا تتسبب بمجزرةٍ كارثية ضحاياها القلب،

وما تبقى في الجسد من روح…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.