جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

لن تعرف خيره حتى تجرب غيره!

0 52

لن تعرف خيره حتى تجرب غيره!

بقلم:رغد النابلسي

لن تعرف خيره حتى تجرب غيره!
كم شتيمة شتمنا التلفاز؟ كم مرة اتهمناه بالإفساد وإبعاد المقرّبين عن بعضِهم وإلهاء الدّارسين عن واجباتهم؟ كم مرة تهكمنا بأنّ السيدة تُشغل عن طبختها بأحداث مسلسله فتتناول أسرتها الفحم؟ وكم مرة استنكرنا تسمّرَ السّيد قبالته تاركاً الصنبور المعطَّل يَقطُر بعد تنبيهٍ عاشرٍ بأن عليه إصلاحه؟
لكنْ ماذا حلّ الآن؟ ألسنا نُصاب بنوبات حنين للتجمعات أمام التلفاز؟ التلفاز بعيداً عن مشاكله، وقريباً مِن علاقتنا العاطفية به كان ذا شاشةٍ غيرِ فردية، لا يمكن لاستخدامه أن يكون أنانياً، لا يمكن لفردٍ أن يحمل شاشته ويصطحبها إلى سريره وينعزل عن العالم أثناء المتابعة، ولم يكن يعرض سوى حلقة، وإن دّللنا كثيراً حلقتين من أي شيء نتابعه، وكان يجبرنا أن نصبر على انتهاء الإعلان، مع التلفاز المتابعة جماعية، انطلاق صوت الضحك جماعي، وتغيير القناة إن مرّ مشهد مُخجِل وغضّ البصر عنها ريثما تُقلَب جماعي كذلك.
التلفاز متاعٌ للكلّ، موجَه لناظر أي زائر، ولذا تطاله يد التزيين المُبدعِة، تُخصص له قطعة مُطرَزة فنّية لا يُفرَط بها ولا تُمنَح لسواه، ويمنَع أن يُرى حاسَر السطح وفارغاً منها، تحت طائلة التعرّض للتوبيخ وسماع صرخة: “من تجرأ عل تحريك تغطية التلفاز من مكانها؟ الويل له!”
فمجدداً ماذا حلّ الآن؟ أصبحنا نترحّم على أيامه، فالجوّال هو المتهم الحقيقي بسلب عقول الناس وعزلهم عن بعضهم، شخصياً أرى الجوال والتلفاز نتاجاً لانعزالٍ حدثَ أولاً لأسباب كثيرة، ولا أراهما الأسباب، لكنّهما بشكل أو بآخر سيساعدان على ترسيخ الوحدة، والجوال بالذّات يسهّل الخلوة على الإنسان، والخجل أثناء المتابعة الجماعية من مشهد يحمر له الخدّان يتقهقر فارّاً، فما دامت الشاشة فردية الاستخدام فالمُتابع يندسّ تحت اللحاف ولا يتحرّجُ من مرور جدّه أثناء عرض المسلسل، بل لا يمكنه حتى أن يشكو في أسلوب فكاهي من مرور الكبار لحظةَ ظهور المشهد العاطفي مع أن المسلسل بكلّه “أكشن”!
التلفاز مختلف، يجلس في غرفة مشتركة، يقول ما يقوله في وضح النهار، وقد اتضحت براءة مصائبه مقارنة بمصائب حفيده الجوال.
رغم ذلك.. لا غنى عن الاثنين، استغنينا عن التلفاز فعلياً، لكننا لم نستغنِ معنوياً، وما زلنا نستذكر التحلق حولَه أثناء تناول الفوشار والفستق والبرتقال وكعكة التفاح حيث يطالب الجميعُ الجميعَ بإخفاض صوتهم لسماع ما يقولُ المذيع حول الـحـرب، ولا يهمّ أي واحدة، فهي لا تنتهي، الصغار في مستوى آخر، لا يطالبون الكبار بإخفاض أصواتهم، يسعفهم ذكاؤهم فيلجؤون لحلٍّ ذكي يرفعون خلاله صوت التلفاز عوضاً عن ذلك وتنشب معارك قد تنتهي بإخراج سلك التلفاز من القابس، يتصايح الصغار قليلاً، ثم يكملون لعبهم في فناء الدار مع أبناء الجيران.
لا غنى عن الاثنين لأننا غداً سنعيش نفسَ حالة الحنين مع الجوال الذي نشتمه اليوم كما شتمنا التلفاز أمس، وكيلا نكون “أكّالين نكّارين” وكيلا نسقط في فخِّ جهلِ محاسن شيء إلى أن نجرّب مساوئ غيره أقول: هناك من يستطيعون حتى مع الجوال التجمعَ إن شاؤوا، هناك من يجعلون استخدام الجوال ذي الشاشة المحدودة غيرياً، هناك مَن لا تهزمهم المخترعات حتى وإن لوت ذراعهم أحياناً، أولئك مصرّون على متابعة المسلسل معاً، ولأنّ صوت الجوال محدود كشاشته يستعينون بمكبر، أو يصمتون، يصغون بدقّة كي يلتقطوا النكتة في لحظتها ثم يضحكوا.. كان كلّ هذا كي تعيشَ الضحكة المشتركة التي تُجلجل في وقت واحد!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.