جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

“لن أُغنِّي لعالمٍ لا يُشبِهني ، ولا يُشبهكِ “…..بقلم / د.عاطف الدرابسة

0 26

“لن أُغنِّي لعالمٍ لا يُشبِهني ، ولا يُشبهكِ “…..بقلم / د.عاطف الدرابسة

لن أُغنِّي لعالمٍ لا يُشبِهني ، ولا يُشبهكِ ..

قلتُ لها :

لستُ ساحراً لأُخرِجَ لكم من لغتي حمائمَ الحلول ، ولستُ عاشقاً لأُعلِّمكم كيف تُحبِّون ، ولستُ سياسياً لأُعلِّمكم فنونَ الكذبِ ، والمراوغةِ ، وتجميلَ الواقعِ القبيحِ ، ولستُ شاعراً لأبعثَ الحياةَ في المشاعرِ الجامدةِ ، ولستُ رسَّاماً يُجيدُ الكتابةَ بالرِّيشةِ ، ليصوغَ لكم عالماً من الألوان ، فاللَّونُ الوحيدُ الذي أفهمُ ما يقولُه لي هو اللَّونُ الأسود .

لا شيخَ لي أنهجُ طريقَتَه ، ولا كاهنَ لي يُساعدني أن أتخلَّصَ من أخطائي ، وآثامي ، كلُّ الأشياءِ تبدو باهتةً : الوجوهُ باهتةٌ ، الأوراقُ باهتةٌ ، الصَّيفُ هذا العام باهتٌ ، كلُّ الأشياءِ باهتةٌ ، حتى أفكاري لم تعُدْ تُغري فراشاتِ الضُّوء ، الفراشاتُ باتت تُشبهني ؛ تُحبُّ أن تَحلِّقَ في العتمِ ، كما تُحبُّ أن تستلقي على أغصانِ الظِّل ، لم تعُدْ تُمارسُ طقوسَ الانتحارِ ، ولم يعُدْ ذلك الضُّوءُ يُغريها ، ربَّما لأنَّها أدركتْ أنَّ الضُّوءَ يعمي .

لا تطلبي منِّي أن أكونَ كالأشجارِ مأوىً للعصافيرِ ، ولا تطلبي منِّي أن أكونَ كالأزهارِ محجَّاً لمواكبِ النَّحلِ ، فالرَّحيقُ الذي كان يتكاثرُ في خلايايَ ، صار جافَّاً ، مُرَّاً ، ورُبَّما تخلَّله السُّمُّ ، فممالكُ النَّحلِ آيلةٌ إلى الانقراض .

لا تطلبي منِّي أن أُحلِّقَ كالطُّيور ، فالطُّيورُ في هذا الزَّمنِ الرَّديء لم تَعُدْ قادرةً على الطَّيران ، لقد سرقوا أجنحتَها ليُحلِّقوا ، لكنَّهم لا يُجيدون التَّحليقَ إلَّا إلى الأدنى .

باتت الأشياءُ متشابهةً ، واللَّحظاتُ متشابهةً ، لا فرقَ عندي بين القلقِ والعشق ، أو بين الشَّفقةِ والحقد ، لا فرقَ عندي بين الوجودِ والعدم ، أو بين ظواهرِ الأشياءِ وعميقِها ، كلُّ الأشياءِ غدَتْ بلا معنى ، لا فرقَ عندي بين ثقافةِ القبائلِ ، وثقافةِ المذاهبِ ، وثقافةِ الطَّوائف .

ما أشدَّ ازدحامَ القبائلِ ، والمذاهبِ ، والطَّوائفِ في الأوراقِ ، والكتبِ ، والشَّوارع ، أحتاجُ إلى مكنسةٍ اسطوريَّةٍ لأكنسَها من ذاكرتي وذاكرتِكم .

لا أحدَ يستعيدني من الغيبةِ إلَّا أنتِ ، لا أحدَ يُخلِّصني من الحبالِ التي تُطوِّقُ حنجرتي إلَّا أنتِ ، لا أحدَ يُمكنُ أن يعيدَ إليَّ صوتي إلَّا أنتِ .

حين عشقتُكِ حلَّتْ بي روحٌ ثانية ، فصرتُ أرى ما لا يُرى ، وأكتبُ ما لا يُكتبُ ، وأشعرُ بأنَّ ليَ ألفَ جناحٍ وجناحٍ ، وألفَ مخلبٍ ومخلبٍ .

حين عشقتُكِ تجرَّدتُ من ذاتي ، وعرفتُ أنَّ المستحيلَ تقهرُهُ يا حبيبةُ ابتسامةٌ وقبلة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.