جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

لماذا نصر على أنه كان زمنا جميلا ؟

0 22

لماذا نصر على أنه كان زمنا جميلا ؟.

دكتور رؤوف النفيس

كتبت منذ أيام عن الزمن الماضي الذى يعتبره أبناء جيلنا زمنا جميلا، وتلقيت كثيرا من التعليقات على ما كتبت أكدت لي أن الهوة سحيقة بين الجيل الحالي ،الجيل العملي البرجماتي الذي يقيم السعادة في الحياة بالتقدم التكنولوجي والراحة في قضاء الحوائج والسهولة في الحصول على الخدمات. جيل لا يزعجه الضجيج ولا يخنقه الزحام. جيل لا يهتم كثيرا بالآخرين ولا يشغل نفسه بالجيران ولا يضيع وقته في صلة الرحم. أما جيل الزمن الجميل فقد عاش حياة سماتها الرضا والقناعة ،التواضع والبساطة، الإيثار والعطاء. زمن النفسيات النقية، والقلوب الصافية، والمشاعر الرقيقة. زمن صلة الرحم والصداقة الحقيقية البعيدة عن المصالح والأهواء.
جلست مع صديق من أبناء جيلي نتناقش في التعليقات السلبية التي جاءتني من البعض، والتي ترى أن جيلنا مبالغ في تمجيد زمانه، وغير واقعي في تقييم جماله، ويرون أن زمننا لا يستحق كل هذا الإعجاب، وكل هذا العشق المبالغ فيه والغير مبنى على معطيات منطقية. زمن خلي من كل وسائل الحياة الرغدة، التكييفات ، الموبايلات، الكمبيوتر، والأهم من ذلك كله الشبكة العنكبوتية.
سألت صديقي بماذا ترد على أبناء الجيل الرافض لفكرة وجود زمنا جميلا ؟قال صديقي.. طبعا محاولة الرد بالضغط على وتر القيم الأخلاقية والمبادئ الروحية والراحة النفسية وأسلوب الحياة الهادئ لا يجدي مع من يقيس الأشياء بمقياس عملي مادي، مقياس المكسب والخسارة، ولذلك لا بد أن يكون ردنا عمليا. في الماضي مثلا لم تكن هناك مراوح ولا تكييفات ولكن كانت أسقف المنازل مرتفعة كثيرا عما عليه الحال الآن مما يزيد حجم الهواء داخل الغرف ويخفف من الإحساس بالحرارة. وكانت النوافذ شاهقة الإرتفاع لنفس الغرض. ولم يكن الألوميتال قد تسلل بغباء وقضي على الشيش والزجاج فأصبح الناس يعيشون في صوب زجاجية. قلت لصديقي.. أنت محق في ذلك فقد لاحظت أن دول جنوب أوروبا كإيطاليا وفرنسا واليونان ما زال الشيش الخشبي قائما حتى الآن. أضف إلى ذلك أن الحدائق داخل المدن لم تكن قد وصلتها يد الغدر والبطش لتتحول إلى مباني خرسانية، ولم تكن الأشجار العتيقة قد تم ذبحها لتوسيع الطرق وإقامة الكباري، التصرفات التي قللت من الأوكسجين في الجو. قال صديقي.. في الماضي كنت تجد يافطة.. للإيجار.. معلقة على كثير من الشقق، أي أنه كان هناك وفرة في المعروض أما الآن فالعثور على شقة ضرب من الخيال، هذا لو كنت قادر على دفع ثمنها. السكن كان سهلا، التعليم كان مجانيا، لم تكن هناك مدارس أجنبية لزوم المنظرة والأرستقراطية تعكس الشعور بالدونية تجاه لغتنا وثقافتنا، ولا جامعات خاصة بمصاريف باهظة لمجرد الحصول على شهادة عليا تمهيدا لبدأ رحلة التسول من أجل الحصول على وظيفة. قلت لصديقي.. هل تعلم أن جزءا كبيرا من دخل الأسر الآن يوجه للصرف على الدروس الخصوصية. هل تعلم كم الإنفاق المجنون والبذخ الذي تمارسه الأسر في الريف في زمن المنظرة والطموحات المحمومة لتجهيز بناتهم للزواج؟لقد أصبح الدش والراوتر والديب فريزر والميكروويف والغسالة وربما المجفف مكونات أساسية في الجهاز.. تكاليف قد تجبر البعض على الإستدانة. في زماننا لم نكن نعرف إقامة حفلات الزواج في صالات الأفراح ولا في الفنادق بتكاليف باهظة، وكانت أسطح المنازل غالبا ما تستقبل مثل تلك المناسبة. قال صديقي.. بالله عليك كيف لا نعتبره زمنا جميلا.. هذا الزمن الذي كنا نستيقظ فيه مبكرا في الصباح لندير مفتاح المذياع لنستمع إلى أم كلثوم وهي تغني يا صباح الخير ياللي معانا، الكروان غني وصحانا، أو لنازك وهي تغني نور الصباح محلاه، أو قنديل وهو يغني يا حلو صبح يا حلو طل؟وبعدها نستمع لفؤاد المهندس وكلمتين وبس. وبعدها تتحفنا صفية المهندس ببرنامج إلى ربات البيوت. وتأتي بعدها أبله فضيلة تسمعنا غنوة وحدوتة. وأثناء اليوم نستمتع بساعة لقلبك وحول الأسرة البيضاء وعلى الناصية وزيارة لمكتبة فلان وما يطلبه المستمعون وحفلات أضواء المدينه. قلت لصديقي.. بالله عليك كيف لا يكون زمنا جميلا وكان من يطل علينا من شاشة التلفاز يقدمون البرامج هم ليلى رستم وسلوي حجازي وساميه الإتربي وسلمي الشماع وفريال صالح وفريدة الزمر ونجوى إبراهيم وهمت مصطفى ودريه شرف الدين وحمدي قنديل وأحمد سمير بشخصياتهم الهادئة الرزينة ولغتهم العربية الصحيحة وثقافتهم الراقية العالية. رد صديقي.. حتى من كانوا يعلقون على مباريات الكرة كانت لهم شمخة وطعم مميز. من منا ينسى محمد لطيف وعلى زيوار وأحمد عفت وحسين مدكور وميمي الشربيني؟حتى التنس كان معلقه عادل شريف شخصية جذابة ومميزة. قلت.. وكيف ننسى برامج مثل نافذة على العالم وعالم الحيوان ونادي السينما والعلم والإيمان ونور على نور وعلى شط النيل. أكمل صديقي قائلا.. لا تنسى الصحافة يا صديقي. لا تنسى أننا كنا نقرأ في الأهرام لطه حسين ونجيب محفوظ وسلامه موسى وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وفكري أباظه وأحمد بهاء الدين وأحمد بهجت ومحمد حسنين هيكل، وكنا ننتظر كاريكاتير صلاح جاهين بشغف شديد. . قلت له.. وكنا نقرأ في الأخبار لمحمد التابعي ومصطفى وعلى أمين ولتوفيق الحكيم وكامل الشناوى وأحمد رجب وجلال الدين الحمامصي. وكنا نقرأ في الجمهورية لمأمون الشناوى ومحسن الخياط وعبد الرحمن الخميسي. لقد عشنا بالفعل زمنا زاخرا بالثقافة والمعرفة. قال صديقي.. ما تذكرته معك يعتبر قليل من كثير يجعل كل ذي عقل وبصيرة يقتنع أن زمننا كان بالفعل زمننا جميلا. قلت معك حق صديقي العزيز واللي ما بيشفش مالغربال أعمى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.