جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

كافور الإخشيدي.. شخصية ظلمها الأدب ونصفتها السياسة.. بقلم / صلاح عيد

0 49

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

كافور الإخشيدي.. شخصية ظلمها الأدب ونصفتها السياسة.. بقلم / صلاح عيد

رجلٌ ذو وجهين في التاريخ .. وجه حقيقي صنعه هو لنفسة بالجد والمثابرة والذكاء والحنكة.. إذ وصل من كونه مجرد عبد وضيع ذو ملامح ليست مريحة و إمكانيات متواضعة لا تؤهله للذهاب بعيداً في أحلامه.. إلى أنْ يكون سلطاناً ذو مهابة يحكم مصر والحجاز والشام. أما الوجه الأخر يطل من أبيات أسطورة الشعر العربي أبو الطيب المتنبي حين هجاه و وصفه بأبشع الصفات..

الرجل هو ابو المسك.. “كافور الإخشيدي”.. يلقب بالليثي السوري.. ولد في عام(292هـ الموافق 905 م وتوفي في عام 357 هـ / الموفق 968 م) .. جاء إلى مصر من قلب إفريقيا مع مجموعة من الرقيق الزنوج كعبد مخصي..أسود اللون.. دميماً قبيح الشكل مثقوب الشفة السفلى مشوه القدمين بطيئاً ثقيل القدم، ويقال أنه مكث في سوق النخاسة لفترة لا يرغب أحد فيه بسبب عيوبه الخلقية حتى قام بشرائه أحد تجار الزيوت فسخره للعمل في مهام مختلفة. فقاسى الأمرين ولقي الكثير من العنت مع هذا السيد. حتى إشتراه سيد أخر هو “محمود بن وهب بن عباس الكاتب”، و معه بدأ حياه جديدة مليئة بالمعرفة و تعلم معه أيضا القراءة والكتابة ..وهذا السيد الجديد كان على صلة بمحمد بن طغج الإخشيدي و منذ كان الأخير قائداً من قادة “تكين” أمير مصر وقتها.. لذا قام الكاتب بإهداء كافور إليه قبل أن يصبح ابن طغج حاكماً لمصر. وهناك أظهر كافور ذكاء وفطنة جعلت محمد ابن طغج يعينه كمشرف على تعليم أبنائه، ثم رشحه كضابط في الجيش. ثم حرره من قيود العبودية لذكائه وفطنته. وأرسله كقائد عسكري في عام 945 لسوريا، كما أرسله ليقود حملات أخرى في الحجاز،ثم شاءت الأقدر أن يصبح الحاكم الفعلي لمصر منذ 946 بعد وفاة محمد بن طغج عندما عين وصيا على العرش بسبب صغر سن أبناء السلطان الإخشيدي. وآلت الأمور لكافور الذي ملك السلطة والمال في يده.

ومنذ ذلك الحين ظل كافور مهيمناً على الأوضاع في مصر رغم بلوغ ولديّْ بن طفج مرحلة الرجولة.. كان يروضهما شيئا فشيئا بالمال مرة وبالمراوغة مرة أخرى حتى تخلص منهم نهائياً بدس السم للوريثين واحداً بعد الأخر فانفرد بالحكم ..ودعي الأئمة له على المنابر حيث كان حاكما عادلا يتفقد رعيته بنفسه ويحل مشاكلهم ويقف إلى جانبهم في أزماتهم فأحبه الناس وتقبلوه حاكماً عليهم ولكنه لم يحصل على التفويض من قبل الخلافة العباسية لحكم مصر. بيد أنه لم يواجه اعتراضًا من قِبَلِها، وكان يلقب بالأستاذ، ويكنى بأبي المسك، وكانت سياستة الخارجية استمرارًا لسياسة محمد بن طغج الإخشيد في الحفاظ على علاقة متوازنة مع كل من العباسيين والفاطميين.. و قد تَصَدَّرَ أبا المسك كافور دولة بني الإخشيد قرابة واحد وعشرين سنة أو تزيد وهو الشطر الأكبر من فترة حكم الدولة الإخشيدية لمصر والتي دامت مدة أربعاً وثلاثين عاماً، وذكر أن وفاته كانت يوم الثلاثاء لآخر عشرة من جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وثلاثمائة بمصر، ولكن جثمانه حُمِلَ و دُفِنَ بفلسطين.

أما الصورة الأخرى التي ظهرت له في التاريخ فهي من صنع المتنبي.. ماكينة الإعلام الجبارة في عصره ..و إعصار الشعر الذي لا يقف في وجهه أحد.. حيث قام بوصف كافور بأبشع الصفات من خلال هجائه له بأشعار لم يستطع كافور أن يقف في وجهها بسلطته وجيشه… أبيات كانت كالصواريخ العابرة للقارات .. كالطوفان الذي يمر على أرض فيغير في تضاريسها .. أشعار صارت حِكَماً وأمثالاً حتى وقتنا هذا ..والحقيقة هي أن المتنبي كان فظاً ومبالغاً في هجائهِ لكافور لا لشيئ سوى أن كافور لم يرضخ لضغوطاته وابتزازاته.. فقد كان المتنبي يطمح في الحصول من كافور على أحدى الولايات ليحكمها..فلم يُجِب الأخير طلبه مما أغضب المتنبي….فقام كافور باحتجازه لكن المتنبي استطاع الهروب في ليلة عيد الأضحى.. وبعد هروبة أنشد قصيدتة المشهورة والتي بدايتها…

- Advertisement -

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ// بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ// فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

.. والتي قام فيها بهجاء كافور ونعته بما فيه و ماليس فيه من أسوء الأوصاف التي أرشفها تاريخ الأدب في ذاكرته و ظلت ترددها الأجيال متخذةً منها مصدراً من مصادر المعلومات عن كافور والحقيقة أن شعر المتنبي كان فيه جور عظيم على حاكم إسلامي لم يعيبه إلا خلقته التي لم يكن له يد فيها..إنها سطوة الكلمة التي ترفع أشخاصاً وتهوي بأخرين وريشة التاريخ التي عملقت أقزاما وقزَّمت عماليق..ومهارة المتنبي أيضا وقوة تعبيراته.. التي عُرِفَ بها والتي كان يسعى الملوك للحصول على قصيدة مدح ينشدها فيهم.. وفي نفس الوقت كانوا يتحاشون غضب حرفه منهم.. إلا كافورالذي لم يأبه بذلك فكان العقاب الشديد من المتنبي له بهذا الهجاء.

لا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه *** إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــدُ.

مَن علَّـم الأسـودَ المَخْصِـيَّ مكرُمـة *** أَقَـومُــهُ الـبِـيـضُ أَمْ آبــــاؤهُ الـصِـيــدُ

أم أُذْنُــه فــي يــدِ النّـخَّـاسِ دامِـيــةً *** أَم قَــدْرهُ وَهــوَ بِالفِلـسَـيْـنِ مَـــردُودُ

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.