جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

قلق الرحيل بقلم تهاني بوغانمي

0 14

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

قلق الرحيل بقلم تهاني بوغانمي

لا أخفيكم سرا أن رحيل من نحب مؤلم، وستتغير نظرتك للحياة رأسا على عقب بعد رحيل من تحبهم، فلن تجد من يعوضهم مهما حاولت، وسترى الدنيا من بعدهم بألوان أخرى لم تكن تألفها، وستحاول أن تعتاد على هذه الألوان، ولكنك ستتعثر كثيراً في مرحلة الاعتياد هذه، ولكن شئت أم أبيت فأنت مطالب بالاعتياد.

ولكن أتعلمون ما هو أشد ألمًا من الرحيل؟ هو: “قلق الرحيل”، وللعلم هو قلق لا علاقة له مطلقاً بالعمر. فقد لا يحدث للإنسان إلا بعد أن يبلغ العمر أرزله، وقد يسيطر على عقلك منذ الصغر!

فما أصعبه من شعور أن تجد نفسك تُذكرك ليلا ونهاراً بأنك سترحل، وأن لا تستطيع أن تنام دون أن تعيد حساباتك، وتوبخ نفسك إذا آلمت أحدهم.

ولكن على الرغم من ألمه، على الرغم من أثره على نفسيتك، على الرغم من بكاءك سرا وأنت تناجي الله ألا يتوفاك إلا وهو راضٍ عنك، على الرغم من كل ذلك إلا أنه: نِعْمَ القلق.

فهذا يعني أن قلبك مازال يخشى عقاب الله، مازال عقلك يذكرك بالله، مازالت نفسك تريد تطهيرك من مفاتن الدنيا، وتُرشدك أن هناك ما هو أجمل منها في الآخرة.

أشعر بك وبخوفك ليلا، أشعر بك وبألم رأسك الذي سينفجر من القلق والتفكير، وأعلم يقينا أن محاسبة النفس صعبة، وأعلم أن الشيطان سيأتيك في حالة الضعف هذه وسينهرك، قائلاً: لماذا تتعب نفسك في التفكير؟ ألم ترى أن كل من هم في عمرك يتمتعون بالدنيا، ويفعلون كل ما يجول بخاطرهم؟

فتتحدق عيناك، وتقول: نعم أنت محق، فلماذا أنا أفكر بهذه الطريقة! من الآن سأفعل ما يحلو لي!

إياك أن تقع في هذا الفخ، إنها وسوسة الشيطان، التي تريد أن تقنعك أنك مازلت صغير وأن العمر أمامك، وأن هذا ذنب صغير!

- Advertisement -

وإذا وجدك متماسكاً يمكر بك أكثر، ويأخذ اتجاه آخر يعلم أنك تخاف منه، فيأتيك من جانب الدين ويخوفك، قائلاً: ما الذي فعلته حتى تستحق الجنة؟ ويبدأ يسرد لك كل الذنوب؛ حتى تشعر أنك من أهل النار.

إياك أن تخاف، إياك أن تتعثر عن طريقك، فأنت على صواب، وإذا تعثرت مرة ووقعت في غبار الذنوب، انهض، انهض وأنفض هذا الغبار، وهرول إلى الله، ناجيه، اطلب منه العفو، اطلب منه أن يثبتك، فوالله إنها لدنيا فانية، فوالله إنها لدار ابتلاء.

كن حانيا على نفسك ولا تجلدها، دعها تقلق، وتيأس، وتفكر، وتفعل كل شيء، فأنت بشر من حقك أن تشعر بكل شيء، ولكن بعد كل هذا قوّمها باللين، وذكرها برحمة الله عليك، وأننا ضعفاء وهو أرحم الراحمين، ثم ذكرها ببعض المحاسن التي تسأل الله أن تكون سبب نجاة لك يوم القيامة.

وإذا قصدك في يومٍ ما صديق لك، ولاحظت عليه قلق الرحيل، اسمع منه، ولا تقاطعه، اسمه منه حتى يرتاح، وما إن ينتهي ابتسم له، وضمه إليك، وقل له: بأن الله رحيم، ثم ذكره بأفعاله الحسنة، ولا تدع الوساوس تسيطر عليه، فصدقني هذا كل ما يحتاج إليه الإنسان في هذه اللحظة. ابتسامة وضمة صادقة وتذكرة بالله وكلام حسن.

دعني أذكر لك مثال عن قلق الرحيل:

وختاما نود أن نتذكر:

أن هذا القلق سيكون سبب نجاتك بإذن الله، فهذا القلق سيجعلك تبتعد عن أشياء كثيرة قد تكون أوشكت الوقوع فيها، وهذا ما نحتاج إليه فنحن في حياة ممتلئة بالمصاعب، ولكن لا تدع القلق يسيطر عليك حتى تقع في اليأس، لا، إياك.

اقلق حتى تبتعد عن ما لا يليق بك كمسلم، ولا تقلق حتى تقع في دوامة التفكير فحسب، فما فائدة القلق إذا لم يصاحبه عمل تبتغي به مرضاة الله؟ وما فائدة القلق إذا لم يصاحبه تذكر رحمة الله بعبادة؟

أفلا نتدبر.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.