جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

قصة قصيرة “أجنحة الحلم” …بقلم/ غزلان الشرفي

0 20

قصة قصيرة “أجنحة الحلم” …بقلم/ غزلان الشرفي

صُفق الباب بقوة كاد معها قلبه الصغير أن يغادر مكانه، انكمش على نفسه وهو يرتجف، و عيناه تدوران في محجريهما، إلى أن حجب عنهما أشعة النور المتسللة عبر شقوق الباب المهترئ جسدُ أخته عائشة وهي تنحني عليه ممررة أصابعها بين خصلات شعره المتناثرة.

  • اهدأ يا سعيد، انتهى الأمر، لقد غادر كالعادة.
  • إلى متى سنظل هكذا؟ إلى متى؟ ألا يتعبان من الصراخ والخصام؟ لماذا أنجبانا ؟لماذا؟…
    طوقته بذراعيها، و أطلقت زفرة حرّى عكست ما يجيش بصدرها هي الأخرى من ألم وعذاب…
    « كي تصنع مستقبلا في هذا البلد “السعيد”، هناك سبيلان: إما أن ترث ثروة، أو تكتسب علما تصنع به جزء من الثروة….. وليس أي علم، يجب أن تكونوا من المتفوقين كي تنتزعوا حقكم في العيش بكرامة»
    كانت أذناه تلتقطان كلمات معلمه الشاب، وتخزناها في ذاكرته، حيث كان يسترجعها كلما خلا بنفسه.
    ” لا سبيل لي سوى الاجتهاد كي أغادر هذا الحي اللعين، ولو بعد حين”، كانت هذه هي الجملة التي يرددها لنفسه كلما ضاق به الحال.
    بقدر حبه للدراسة، بقدر كرهه للمشوار الذي كان يضطر إلى قطعه ذهابا وإيابا كل يوم.
    ” لو كان لي جناحان، لطرتُ بهما من الفصل إلى البيت….”
    نادرا ما كان يومه يمر دون أن يعاين مشاجرات عنيفة بين شباب الحي، الذين كان أغلبهم يقضي سحابة يومه في التسكع و التدخين، وكم كان منظر الدماء يثير لديه رغبة في القيء كلما خرجت الأمور عن السيطرة، ولمعت في الأيادي نصال السكاكين.
    وحين يصفو الحال، وتبتسم له الشمس حاثّةً إياه على المضي قدما بأمان، كان يطالعه صوت أبيه عند مدخل الباب بعد عودته مخمورا ، وهو يرعد ويزبد، فيتسلل إلى سطح البناية، يجلس القرفصاء محتضنا حقيبته الجلدية الباهتة، و عيناه ترنوان إلى السماء: ياليت لي جناحان….!
    مرت المرحلة الابتدائية والإعدادية من دراسته بنفس الوتيرة، وبنفس الأحداث: عنف وعنف ولا شيء إلا العنف. كم يفتقد أخته عائشة، بحنانها وحدبها عليه، بعد أن غادرت إلى بيت زوجها بأطراف المدينة، وقلّت زياراتها إلى بيت والديها… بقي وحيدا دونها، مما دفعه الى الانكفاء على دفاتره وكتبه، خصوصا بعد انتقاله إلى المرحلة الثانوية، واقترابه من أعتاب الحرٓم الجامعي.
    وهو يدير مقبض الباب ذات زوال بعد عودته، سمع نحيبا.. وما إن دلف إلى البيت، حتى طالعته شقيقته بكدمات على وجهها، وزرقة حول عينيها،وبجوارها حقيبة ملابسها، وما إن لمحته وراء ستار دموعها، حتى اندفعت إليه وارتمت بين أحضانه، بدأ يهدئ من روعها بكلمات لم تغادر حنجرته، ولم يُسمع لها صدى…
    بعد أسبوع من ذلك اليوم، عاد من دراسته فوجدها قد غادرت إلى بيت زوجها، بعد أن أتى ليصطحبها؛ كظم غيظه، وتوجه إلى سطح البناية كعادته كلما ضاقت به غرفته.
    تأخر في العودة إلى البيت في اليوم الموالي، فظنت والدته أنه ربما قد ارتأى قضاء الليلة مع أحد زملائه، فقد أصبح شابا. لكنه لم يظهر في ثاني يوم أيضا، فبدأت عملية البحث عنه عند الأصدقاء، في المستشفيات، وفي مخافر الشرطة دون جدوى.
    بعد أسبوع من الاختفاء، وبينما أمه تدور في أرجاء غرفته باكية، تعانق ثيابه، وتتنسم عطره، عثرت على مظروف به رسالة، فهرعت به إلى شقة الجيران، مستأذنة ابنهم في قراءتها لها:
    ( وجدتُ لي جناحين، وطرت بهما إلى بلاد الكفار، الجهاد فيهم سبيلي إلى حياة أفضل، بعيدا عن دنيا العذاب التي لم تمنحني من السعادة إلا اسمي فقط.)

✍️غزلان شرفي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.