جريدة النجم الوطني

قصاصات قلق للشاعرة(لطيفة حرباوي) وقراءةميكروشعريةللدكتورة غنية بوضياف

0 64

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

الدكتورة غنية بوضياف….
” قصاصات قلق ” للطيفة حرباوي .. قراءة ميكرو شعرية

عرف الشعر العربي تطورات عدة في شكل القصائد و مضامينها عبر العصور ، إذ كان لكل عصر مميزاته التي تميزه عن غيره سياسيا و أدبيا و اجتماعيا، حتى جاء عصرنا الحالي فظهرت القصيدة القصيرة التي تنحو نحو التكثيف والتركيز، وغدت القصيدة تعبيراً عن لحظة انفعالية محدّدة .
ولعل أهم أسباب الانتقال إلى القصيدة التوقيعة هو انتقال الشعر من المباشرة والخطابية إلى الإيحاء أو الانتقال من الشعر الذي يُلقى أمام متلقين في مهرجانات و أسواق شعرية ، إلى قصائد تقرأ في جو خاص، ولعل الظروف التي يمر بها عصرنا الحالي من توتر و ثورات و انفعالات لم تعد تسمح بنظم القصائد الطوال، الأمر الذي أدى إلى وجود سمة الانفعالية والتعبير المقتضب والموحي. فظهرت قصيدة التوقيعة/ القصاصة التي تمتاز بإحساس شعري خاطف يصوغه الكاتب بألفاظ قليلة و معان مكثفة .
ويمكن تعريف قصيدة ” التوقيعة/ القصاصة ” بوصفها القصيدة البالغة في القصر ، حتى لتكون الجملة الواحدة قصيدة ) 1 (،فهي قصيدة ( الدفقة الشعورية الواحدة أو حالة واحدة يقوم عليها النص ، تتكون من مفردات قليلة تتسم بالاختزالية )2 ( إذ يتطلب هذا اللون من الشعر المأزوم ذي اللحظة الانفعالية المحددة فطنةً، وذكاءً من الشاعر، ونباهة من المتلقي؛ لأن قصيدة التوقيعة تُبنى بناء إيحائيا أي بناء صورة كلية للقصيدة من خلال صورة واحدة تقدم فكرة، وانطباعاً بتكثيف شديد و المتتبع لما كتب حول هذا الجنس الأدبي سيجد النقاد قد وسموه بكثير من الأسماء مثل : الأيبجرام – الومضة – التوقيعة – الخاطرة – اللافتة – الأنقوشة – القصيدة المضغوطة – القصيدة المركزة – الدفقة – قصيدة المفارقة – القصيدة التأملية – الشذرة – قصيدة الفكرة – قصيدة القص ) 3 (
ومع تعدد التسميات لهذا الجنس الأدبي إلا أن ثلاث تسميات فقط عرفت تداولا بين النقاد وهي الايبجرام – الومضة – التوقيعة ، و هو ما يجعلنا نسعى لمحاولة المقاربة بينها و البحث في علاقتها ببعضها البعض .
الأيبجرام و التوقيع و القصاصة
يعد طه حسين من أبرز النقاد الذين تحدثوا عن مصطلح الايبجرام، وعن خصائصه في أدبنا العربي المعاصر إذ يذكر في كتابه ” جنة الشوك ” أن هذا الفن ” الايبجرام ” نشأ في الأدب اليوناني بوصفه مذهبا من مذاهب الشعر، ثم انتقل إلى الأدب اللاتيني) 4 (، كما يرى طه حسين أن شعراء القصور في الإسكندرية و روما و بعض الحواضر الأوروبية هم من اهتم بفن الايبجرام اهتماما خاصا، و وضعوا له أصوله و قوانينه )5( ، و قصيدة الايبجرام هي القصيدة التي تتميز بالتركيز في العبارة و التكثيف في المعنى و احتوائها على مفارقة ، كما تكون مدحا أو هجاء أو حكمة .)6 (
أما التوقيعات فقد لقيت رواجا في العصر العباسي وذلك لما تتميز به من قيم سياسية وحضارية و أدبية وخلقية) 7 (، ويرى النقاد أن أول من استخدم هذا المصطلح في الأدب العربي الحديث هو الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة إذ عنون قصيدة بـ ” توقيعات ” في ديوانه ” يا عنب الخليل” )8(
و ما يلفت انتباه قارئ ” قصاصات قلق ” للطيفة حرباوي هو كثرة النصوص القصيرة المكثفة ، و قد حاولت فيها الكاتبة تجاوز كل المصطلحات المتداولة لهذا الجنس الأدبي لتكتفي بمصطلح يستمد تأثيره من خلجات النفس و تأملاتها، وهو ما نجده مثبتا في العنوان ” قصاصة ” ، إذ جاءت ومضات الشاعرة ترتكز على المفارقة و قسّمتها على شكل قصاصات، وهي عبارة عن قصائد ” وثيقة الصلة بالتجريب و البحث عن أشكال جديدة للشعرية المعاصرة ” ) 9 (، أو ما يمكن تسميته بقصيدة الدهشة أو قصيدة ما بعد الحداثة .
صراع الذات الأنثوية بين البوح و الألم
تحاول الشاعرة لطيفة حرباوي عبر كتاباتها تجسيد همومها الشعورية واللاشعورية و صراعها الذاتي بالبوح و التمرد و الاعتراف والمناجاة ، جاءت ” قصاصات قلق” مرتكزة على قضايا الذات الأنثوية والهمّ الإنساني تنطلق فيها الشاعرة من حيرة وقلق مصبوغ بالزمن الحالي، هي قصاصات تستفز عقل القارئ وفكر المتلقي الذي عليه أن يبحث و يحلل حتى يصل إلى ذروة المتعة الشعرية . ففي القصاصة رقم 46 تقول الشاعرة : ” نحن نبكي ليكبر البحر أكثر ” ..).10(
وهي في هذه القصاصة تبرهن لنا أن الأشياء لا تقاس بظواهرها أو بحجمها وإنما بقدر عطائها و جودها ، فالبحر أعمق من الدمع الذي تتطهر به الذات داخليا لتمنح البحر زيادة وكثرة ، وفي هذه القصاصة ما يدعو إلى معاينة التناقض الذي يجسد عناصر الوحدة ، فهذه القصاصة تغوص بنا في عالم الشاعرة الداخلي وتكشف عن تلك الإنسانة القلقة الثائرة ، فالشاعرة تقدم صورة مكثفة عن معاناتها و ضياعها في متاهات تعيشها و تحسها .
كما تعلن الشاعرة في القصاصة رقم 136 صوت الاغتراب و الوحدة و التشظي و الحنين في صورة شعرية مكثفة صارخة بالحيرة و متشحة بالألم ذات ملمح درامي تقول : ” لأنني بلا أم أضم السماء و كأن الهلال ابتسامة أمي “.)11( ، في هذه القصاصة الشعرية الخافقة بالألم و الأمل تعبّر الشاعرة عن الصراع الإنساني مع المعوقات و الدراما الإنسانية الماثلة في الضدية بين البعد / القرب ، و الحياة / الموت ، إذ تعيش الشاعرة في هذه القصاصة لحظة توتر و صراع داخلي ترفع من خلاله الذات الشاعرة أوجاعها إلى المخاطب / المتلقي، فهي ذات محبطة قلقة ساخرة إلى حد مأساوي، و هو ما يطبع قصاصات الكاتبة بطابع الحداثة ، فالشاعر الحداثي هو (الإنسان المتناقض، المتوتر، القلق، اللامتوازن الممزق بين واقع يحياه، وممكن يتطلع إليه.) 12 (
و القارئ لـ ” قصاصات قلق” يجد نفسه أمام شعر ذاتي محض في أفق قصيدة التوقيعة، والذات الشاعرة هي ذات مشبعة بمختلف التجارب والمواقف، إذ لا يأتي التعبير عن الواقع في هذه القصاصات بشكل خطابي مباشر، أو حتى بشكل يستخدم آليات الرمز والقناع وتوظيف الشخصيات الموروثة للتعبير عن الواقع الحاضر، بل يأتي التعبير مبطنا عبر المفارقة، أو عبر الكلام عن الذات المحبطة في مشاهد مونولوجية، صورة الذات المحبطة هذه هي صورة للواقع، بانكساراته وهزائمه، فالشاعرة في قصاصاتها لا تهجو و لا تمدح ولكنها ترصد، وتفارق، وتتألم، فذات الشاعرة ذاتا مقهورة ، وقد حملها هذا القهر إلى السخرية تقول في القصاصة 58 : ” وطني وراء الباب يندب حظه الخارق و منذ الطرقة الأولى يسأل من السارق ” )13(
كما نجد الذات الشاعرة متعالية في بعض قصاصاتها ، تتعالى على الواقع لا لتحقره أو تغيبه بل لتصنعه من جديد، واقعا مثاليا جميلا تقول في القصاصة 150: حين تركت لكم الأرض و الهواء، مازلت أتنفسني أمشي عليّ و لأني معي ثمة حياة.”) 14(
في هذه القصاصة تتحول ذات الشاعرة إلى مكان أو بقعة أو نقطة وصول أو إلى هاجس معنوي ( الحياة ) ، و هو الهاجس الذي شغل الشاعرة في كل قصاصاتها ، إذ لم تجد لطيفة حرباوي طريقا لتحقيق هذا الهاجس إلا بالكتابة و الاحتراق بنارها ، فالكتابة تحقق وجود الإنسان و هويته ، فالمبدع كطائر الفينيق الذي يحترق من شدة المعاناة و الألم ثم ينبعث من رماده عبر الكتابة .
القلق الوجودي / قلق الكتابة
الكتابة الشعرية هي نوع من المغامرة التي تسعى لفهم الإنسان و كينونته في ظل معاني الوجود المتعددة و هو ما يجعلها احتجاجا على الهامش / الحزين ضد المركز / السعيد .
فالكتابة عند لطيفة حرباوي هي كتابة قلق ضد واقع و راهن متأزم، وهو ما يتطلب من الشاعرة روحا متمردة رافضة و خروجا عن تاريخ الصمت الطويل ، لتعبّر عن همومها و مواجعها و آلامها ، فجاءت قصاصات قلق مسكونة يقلق قومي ووطني، والهاجس البارز في هذه القصاصات، هو ذلك القلق الوجودي الذي يشير إلى أن ” هناك شعور أساسي يشعر به الإنسان ، ناتج عن كونه ملقى و متروكا في هذا العالم و مرغما على الاختيار …و بعض الفلاسفة أسموه القلق الميتافيزيقي لأنه ناتج عن الإحساس بالسقوط و الانحلال و الموت .)15 (
ومن هذا القول ندرك أن صميم التجربة الوجودية هو القلق كون معاناته ملازمة لجميع لحظات التجربة الإبداعية، وهو ما نلمسه في قصاصات لطيفة حرباوي ، فالقلق ملازم فعلي لها لا يفارق كل قصاصاتها تتحكم فيه بنظرتها الإستشرافية للمستقبل .
فالقلق و التشظي لا يولدان سوى كتابة قلقة متشظية متأرجحة بين الشعور واللاشعور ، ولعل عنوان الكتاب يعترف للقارئ منذ الوهلة الأولى بهذا القلق الوجودي و التشظي الذاتي ” قصاصات قلق “، إذ تثير في القارئ فضول الولوج لعالم الكاتبة الأكثر ضياعا و تشظيا، فالعنوان هو صوت الكاتب الذي ينطلق من خلاله إلى العالم عبر نصه .
ففي ” قصاصات قلق ” يتقاطع الشعري بالفلسفي والذاتي بالموضوعي، فرغم تمرّد الكاتبة على النسق المعتاد للكتابة الشعرية، إلا أن قصاصاتها جاءت مصاغة بدقة فنية قائمة على التفكك والاختزال والتكثيف معبّرة عن حالة القلق وأزمة الذات و انشطارها و تفككها في مجتمع تسوده التناقضات والمفارقات، وهو ما جعل الكاتبة تنطلق من رؤية انتقاديه تستطلع فيها الواقع بكل سلبياته ومآسيه .
فقد حاولت الكاتبة الإتيان بشكل جديد في الكتابة يستوعب قلقها الوجودي، فكانت قصاصاتها البديل الأوحد عن هذه البعثرة التي تعيشها في واقع مأزم و رغبة منها في تحقيق وجوده الفعلي و حضورها الميتافيزيقي عبر ومضاتها الشعرية التي تحمل دلالات باطنية تعانق الظاهر لملامسة أبعاده الخفية في الذات الناطقة قلقا .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.