جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

قراءة نقدية قدمها الشاعر والناقد منذر عبدالحر لديوان (وأقشر قصائدي فيك) للشاعرة رند الربيعي

0 64

شكرا للشاعر والناقد منذر عبد الحر للقراءة النقدية
لديوان (وأقشر قصائدي فيك)

رند الربيعي …
سلاسة الأداء ..بعمق ورهافة حس
منذر عبد الحر
أجمل ما في الشعر إنه يمنحنا طاقة الإفصاح عن ذواتنا بحرية , والبوح عن خلجاتنا وأفكارنا ومواقفنا بأعلى ما نستطيع من قدرة صياغة اللغة وجعلها بساط ريح محلقا من خلاله لنرى الأشياء بدقة إحساسنا بها .
وأجمل ما في تجربة قصيدة النثر إنها مفتوحة على الآفاق لا تحدّها اشتراطات خارجية , ولا تقوم على قانون نظريّ محدد , سوى ما جرى الاتفاق عليه , نقديا وتذوقا , وهو أن يتم التعامل مع الشعر خالصا فيها , صورا ورؤى وتأملات …
إن فضاء قصيدة النثر , بحريته الشاسعة , أغرى الكثير من الشعراء ومن هواة كتابة الشعر على التحليق فيه , وهذه الحريّة , التي قد يراها البعض سهلة و بلا قيود تشدها إلى مثابة ما , هي أخطر وأهم من الكتابة ضمن محددات وقوانين وشروط , إذ أن مفهوم الشعر , وبالتالي أداءه , يتطلب من كل فاعلٍ فيه أن يتحلّى بسماتٍ أهمها الموهبة والوعي وإدراك المسببات الحقيقية لانتقال الشعر من شكل عاش في حدوده أكثر من ألفي عام , ومن قوانين وضعت لها أطر وصنفت فيها علوم ونظريات , وحملت كدسا هائلا من الأصوات والتجارب , إلى الشكل الجديد , الذي غيّر كل الأطر الفنية وكسر القوالب وخرج من أجل أن يضفر بالشعر فقط , لذلك صار على الشاعر الآن أن يؤكد قدرته وفهمه لعملية التحوّل وأن لا يدخل بمجانية لعالم الكتابة , وهو بأدوات قاصرة , وقدرة متواضعة وعدم التمكن من كتابة القصيدة بمحدداتها المعروفة , هذا الأمر جعل العشرات ممن يكتبون ضمن تجربة قصيدة النثر , هم واهمون , وموهومون , ولا علاقة لهم بالشعر لا من قريب ولا من بعيد .
أما الشعراء الجادون , الذين يحملون هما شعريا ووعيا للتجربة وقدرة على التعبير الجمالي والتأملي الاستثنائي , فهم مميزون بعطائهم , وطبيعة تعاملهم مع نصوصهم ضمن ميدان التجربة , وهم حقيقة , ليسوا قليلين , فهناك جيل شعري يعرف بوصلة خطاه , ويجيد شعراؤه التعامل مع جوهر الشعر ومعطياته المتنوعة , ولعلي اطلعت على عدد غير قليل من نماذجنماذج هؤلاء الشعراء , وفرحت بجدية مشاريعهم وحيوية عطائهم اللافت للنظر حقا .
ومن الأصوات التي أراها معبرة بجدية وحرص ووعي وتمكن من أداء قصيدة النثر الشاعرة ” رند الربيعي ” التي تصدر الآن مجموعتها الأولى , وقد جادت بشجن رقيق , واحتفت بالجملة المركزة واللغة المبسطة ذات العمق الدلالي وهي تستثمر البيئة , والإحساس بهموم الجنوب وأحزانه , وغنائيته الطافحة بالأنين والوجد , مجتمعة في لحظة إحساس متوترة جميلة , تقول ” رند ” :
أمزّقُ ريقَ الفجر
المرسوم بأنّات القصب
سأكونُ سبابة في شفاه الوجع
أوقدني شموعا
تحرق أزمنة المنفى “
………………………………
حين يصنع الشاعر من الأشياء الجامدة عالما نابضا متحركا , ويصغي لأحاسيسه , تكون الكلمات مجنحة وهي تحلق بحرية كي تعطي دلالات جديدة , أحيانا تتجاوز المعنى التقليدي , لتفصح عن رؤية أو فكرة أو شعور معيّن , تقول رند :
حين يموت الندى
في غمرة الظلام
وتفقد الرسائل عطرها
بين رفوف الذكريات
أسرق القوس من قزح “
………………….
وتأتي في القصائد مفارقة , تجمع المرارة مع الوجد , والذاتي مع العام , كما تجمع المفردات المتضادة في عوالما , ليكون الشلال , الذي يوحي بالرومانسية , هو منساب من جرح , كما أنه لا ينزل الماء , بل الجماجم , وهذه حقيقة تبدو لوحة معبرة عن أفكار عديدة , وإذا أردنا تفكيكها , سنجد رؤى متضاربة وأوجاعا , مع الشجن الجنوبي الذي لا يأتي إلا رقيقا شفيفا و متدفقا كالشلال , رغم الوجع والقسوة والألم والإحساس بوقع المأساة الذي تشير إليه الشاعرة بلوحة تختزل كلاما كثيرا و وتعبر بجمالية عميقة وهي ترسم بريشة أحاسيسها :
هات يدك
النعش مملوء
شلال جرحي ينزل جماجم
……………………..
رحلة الشاعرة رند الربيعي في قصائدها , تطلُّ فيها على محطات من الرؤى , وكذلك التأملات , التي تستولد منها أفكارا تصوغها بإحساس مرهف , فتعطي معلومة , لتستنتج منها ما تقترحه , فتعبر عن خلجات , تعدّها وقفا على عالم الشاعر بوصفه عائما في عالما من الأحلام وربما الأوهام التي ترسم له كل الأشياء التي يتمناها , ويسعى إليها , فالاختراع شأن علميّ, والشاعر لابد أن يستثمر هذا الاختراع بأدواته , فيصنع حبيبة , ولكن على شكل فراشة , كي يعيش بها , ولا نقول يعيش معها , لن الحبيبة هنا نتاج فكرة , ومدار تأمل , وجنون رغبة يتلاشى فيها الحسي , لأن الشاعر هنا لم يختر حبيبة امرأة – بل أرادها بشكل فراشة – والمرأة الفراشة عالم من الحلم البهس الذي يعيشه الشاعر وهو ينظر إلى العالم من نافذة خياله , فيخترع ما يريد بكلماته وصوره :
كون الأشياء اختراعا أحيانا
الشاعر يخترع حبيبة
على شكل فراشة

من الأشياء التي تناولتها الشاعرة في مجموعتها , القصص القرآني والموروث الديني , وما جاءت به سورة النمل , والحوار العميق بين النبي سليمان والنملة , والمعادل الفكري والوجداني بينهما , وطبيعة المجتمع الراهن الذي يجب أن يتعلم من الحكمة أمورا مهمة تدله على السلام والمحبة والأمن :
يا ألف صبابة
سلام على سليمان
والنملة الآمنة
…………………….
اجمل ما في قصائد المجموعة تلك التي تحتفي بالعاطفة , وتجسد الأحاسيس حبا ووجدا نقيا , تعبر عنه بمفردات رقيقة وجمل سابحة في فضاء جمالي معبر , يكون فيه الشعر بأعلى مستويات تحليقه , وتكون الصور متدفقة في أجواء شفيفة حالمة مليئة بشحنات الشجن المموسق , الذي يغدو أغنية جنوبية , تمتاز بحزنها وحنينها ودفئها , فيبدو تعبيرها محببا , وهو يجمع النعاس بالشفتين والعصافير والجرح والناي , وهي مفردات تساهم في نسيج لوحة شجن متموجة مليئة بالعاطفة
حين يقتحمني النعاس
أمنحك شفتيّ لتطعم العصافير
وحين أغوص في جرحك
أفهم سرّ الناي
……………………..
سأختار مقاطع أخرى من المجموعة , لا لكي أتحدث عنها , ولكنها مقتطفات شئتُ أن أورها هنا بوصفها علاماتٍ متميزة في هذه المجموعة الجميلة حقا .
ها أنا أرتدي
آخر ثياب خذلانك
لأراقص حناجر الموت
……………………
في الطريق إليك
تركت ندوبا على جسد الأيام
وأنا في طريقي إليك
رأيتُ صبية يرتلون الوطن
…………………..
الجنوبية بيت بحجر أبيض
ينتظر الطواف
تعصب رأسها
بذاكرة النار
أغنيتها مواويل شجن
تدور الأنهار أحزمة
عيونها وشم الليل
……………………
أنحت الليل
بأزميل حضورك
………………………….
أنا لست كالنساء
فستان صباي مطرز بأوجاع الصمت
مخاط بإبرة غاضبة
……………………………………………….
صليت
على مقصلة
روحي المثقلة
بندى الليل
وحدها الآهات
تقتلني
………………
لا أريد الحديث بلغة النقد الأدبي عن المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة المبدعة رند الربيعي , فهذا الأمر له مناسبة أخرى في التناول , لكنني أريد الإشارة هنا إلى أن جدية اشتغالها الشعري المتدفق في قصائد هذه المجموعة , يجعلها قادرة في المضي بعطائها من أجل أن تقدم المزيد , وأن يكون لهها حضورها اللافت بين أقران جيلها من الشعراء والشاعرات , الذين أكدوا لنا حقا , أن الشعر الحقيقي في العراق ماضٍ في الاتجاه الصحيح نحو الإبداع , وإنه يقدم دائما أصواتا جديدة تمده بجدية العطاء .
أتمنى للشاعرة رند الربيعي النجاح والتقدم والمزيد من العطاء الإبداعي المتجدد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.