جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

قراءة ناعمة من أين أعبر بقلم/ منى بلخيري

0 169

قراءة ناعمة من أين أعبر بقلم/ منى بلخيري‐”ملتقى الأدباء والمثقفين العرب “

قراءة : الطيب عبادلية
أعترف أنها راقت لي في المعنى والدلالة وسلاسة اللغة ..
وأقر – أيضا – دون خجل أو مواربة أنني اعتزلت المتابعات الناعمة ، فقد قررت تجنب هذه القراءة تلقائيا ، خاصة بعد توفيقي في إصداري لكتاب – الرصيد والتجربة بين الذانية والواقعية في قصص وحيدة تجميعا لكل متابعاتي لكتابات الآديبة وحيدة رجيمي .
وعندما قرأت على واجهة الدكتورة ما نشرت لقصيدة عنونتها من أين أعبر ،،
قرأت كأي متصفح ، ثم قرأت كأي محب للقراءة ومولع بها ، وقرأت كواحد عاشق للتفسير والتأويل فالأدب يسمح لنا بكل هذا دون غيره من الكتابات الآخرى .
فقد اختارت منى – مع حفظ الآلقاب – عنوانا لقصيدتها سؤالا وهو نفسه البداية ..
كأنها تجعل من السؤال مفتاحا لنستعين به للولوج في أزقة القصيدة .. أو هو مصباح لإضاءة دهاليز الدلالة والوقوف عندها .. أو لعله زورق للإبحار بنا بين أمواجها الهادرة للقصيدة .. فالمرأة عندما تغضب تصبح بحرا هائجا ينذر بالعاصفة .
فقد تلاشت الطرق كلها ( طرق الراوي العليم ) فإذا كانت كل الطرق تؤدي إلى الطاحونة فكل نبض يؤدي من وإلى قلب من نحب ، إلا أن الدروب صارت وعرة لأنها أساسا متلاشية ،
إليك تحديدا ( دون غيرك ) ، وهي هنا ليست مضطرة بالقول إليك دون سواك .. فالدكتورة تحسن أدوات الاستثناء فلو قالت ( دون ) لوقعت في المباشرة بتحديد المقصود ، وهي – أيضا صاحبة النص – أدرى الناس بأن القصيدة بنشرها تخرج عن نطاق احتكارها لصاحبها إلا بالملكية الفكرية ، ومن يقرأ القصيدة يصبح صاحب حق بالقول أنها تعبر عنه أو بعضا منه .
ولأن وتيرة زلزال الوجع جعل منى الشاعرة تكثف اللغة لتعبر وتعبر ( بضم التاء الآولى وفتح الثانية ) إلى مقاصدها دون تشويش جانبي ، ما غضب القلب ، وظفت لفظ القلب ولم تقل الفؤاد فالقلب بالدلالة الروحية مركز الاطمئنان والطمأنينة ، وتترك لنا هامشا للبحث عن جواب للسؤال الذي تحديد أبعاده في الجملة الموالية ..
حين صبئت عن هواه .. قلت أن منى لا تتلمس طريق ومسار القصيدة ، فقد وظفت كلمة ذات دلالات وكمعنى لها تفسير ..
صبئت .. الخروج عن دين قومك .. وقد كنت .. كفرت بما كنت تؤمن ، هي الردة عن وعد نكسته .. الدين الإيماني هنا .. هواه ..
قالت لنا الشاعرة .. كفر جهرا بوصله ..
صبيء هي البداية وكفر هي النتيجة ، ويعني عنا أنها تقطع الشك بسيف اليقين ..
صبئت فيها أمل بالتراجع ، كفرت وهي إنكار وجود ما كنت تدعيه فقد صار إلحادا ..
ودون أن تخرجنا الشاعرة عن النص ، تحلينا إلى خلفية فكرية موروثة .. العرافة بأي تسمية نسميها ، قارئة الكف ، قارئة خط الرمل ، قارئة الفنجان .. قالت الشاعرة ..
لقد قرأت في فنجانك .. ولو كانت أخرى لقالت لقد قرأت ما في فنجانك ، ولو كانت ثالثة لقالت .. قرأت فنجانك ..
هنا نكتشف نباهة وتمكن الشاعرة منى الحكم الفصل ..
لقد قرأت ولم تقل قد قرأت .. لآنها تعرف جيدا أن ( قد ) تفيد التحقيق لدخولها على فعل ماضي ( قرأت ) ، وهي تقصد أن ما أرادت قوله إفصاحا ما هو إلا يقين لذلك وظفت ( لقد ) الذي يفيد التأكيد .. فتكشف لنا قراءة الفنجان هذا الذي لم يغضب القلب عندما خرج عن ملة هواه ، ثم كفر ، وقطع كل خطوط الوصال والوصل به ، إنك منفى ، لحظة ، ألقيت به في عتمة الظلمة والظلام وتنتقل بنا الشاعر من تصغير مصادر الأضواء إلى الأكبر ، الشمعة فالقمر وهو منير ، والشمس وهي ضياء ، بصياغة لها دلالة ، تطفي الشمعة ( بصيص أمل ) ، تدفن القمر ( سحب سوداء قاتمة ) ، ( تجر الشمس إلى تخوم الظلام ) وهو غروبها ( ظلام الليل وعتمته ) ، هذا التلاشي الكلي لمصادر الهداية في الاتجاه وقد أقرت به الشاعرة في بداية القصيدة ( تلاشت كل الطرق ) لذلك عبرت عن حالة الضياع والارتباك والتيه ( دفعني للركض ) ( وراء الفراغ ) …
عندما تضيع منك الطريق ، وتتفرع السبل ، تجدك في دور في المتاهة ، / وقتها يمكن القول أن قهرها ، والصدود وقسوتها ، والحصون بمتاريسها ، تحتاج إلى قوة قاهرة هي الصبر والتجلد والثبات لفت كوة هي الأمل بالمحاولة والسعي ، تلك فإن لم تحدث وحتى إن حدثت فاليأس قائم وسيد الحالة ، والمسيطر يفرز الملل وهو الأرضية الخصبة ليزهر الضجر ، فثمة مكانة في النفس تفرز باحاسيسها الترجمة التحليلة ، سواء كان حقيقيا أو في حالة كمون ظرفي عبرت عنه الشاعرة بالتمدد في الأوردة ، ولو توقفنا قليلا هنا لأن الشاعرة وظفت الآوردة ، وليس غيرها وهي الـأوعية الدموية الذي يعود بواسطتها الدم إلى القلب من أنحاء الجسم للتخلص من غاز سام ،
وتعود إلى الذات المتوجعة ، والمتضورة ألما ، ( الآنا )
أراني أمطر عشقا ، فهل هذا تعبير صريح عن حالة البكائية التي تستولي على الآنا الفاقدة لشيء استأنس به القلب . لكن الجملة التي تلي تبطل هذا إلا أن الآنا ما كانت إلا في حالة حب وترقب مجيء من سكن القلب ، فهي تتجمل له بتلأليء ساطع كبريق النجوم ، التي ينعكس بريقها على وجهه الطروب ، المنتشي فرحا لكن .. تضيع كل هذه الأماني فهو.. الآخر المنتظر ، هناك وهي إشارة تدل على البعيد ، وهو المتواري خلف ماذا ، هنا تحيلنا منى على المعنوي بدلالة مادية ( تلال ) مادي ( الغضب ) حسي معنوي ، ونتخيل أن شدة الغضب تتحول إلى مؤثر يحجب عنا ما نريد رؤيته ، تأكيد للتأويل تفسر منى هذا الغضب ما هو إلا تهديد أو لعله بعبارة ناعمة الخطوة الآولى في رحلة الفراق ، والمحصلة في النهاية خذا الاستيقاظ التي تعيشه البطلة ( المتكلم ) ، تستيقظ على هذا الذي منذ البداية تشير غمزا ولمزا له على أمل ، والنهاية ، تكتشف حالة غباء حسن النية ، لآنها وبصدق نواياها ، كانت وبسذاجة ( عودة إلى حسن النية ) الظن ، كانت ترتب وكلمة الترتيب عند المرأة الولهانة ، يكون كل شيء في الممتاز ، والراقي ، والنهاية هذه الخيبة غير المنتظرة .. فالبطلة وهي في منطوق الجملة الآخيرة تحيلنا على جملة هلامية لا يمكن القبض عليها بسهولة ، اجمع زجاج الذكريات . الذكريات هو أقرار بالفشل ، وأن صبئت ، كفرت ، لم تأت اعتباطا فحالة النكران والتنكر جريمة قائمة بذاتها وإن تعددت التبريرات ، واستمرار المحاولة ما هي إلا تحد لحالة الفشل ، المعترف به في منطقة الجملة الآحيرة ..
هذه قراءة ناعمة في قصيدة شاعرة متمرسة في عالم الومضة والهايكو ، وإن كنت أفضل أن تكون شاعرة بما ملكت من ناصية اللغة .. ولها بالغ النظر . .. شكرا لكل من صبر على هذه القراءة …

الروائي الطيب عبادلية


اليكم القصيدة:
من أين أعبر
و قد تلاشت كل طرقي
إليك…
ما غضب القلب
حين صبئت عن هواه
و كفرت جهرا بوصله
لقد قرأت في فنجانك
أنك منفاه
مذ اطفأت شمعه
كيف لك ان تدفن نور القمر
و تجر الشمس
الى تخوم الظلام
دفعتني للركض
وراء الفراغ
وامتطيت المساء
أشق عناد الهوى
أبارز الضجر
و انت في اوردتي تتمدد
و أنا…
أراني أمطر عشقا
ارتدي نجوم الليل
لأضيء وجهك
و أنت هناك
خلف تلال الغضب
تلوح بالهجر
يا لسذاجة ظني
كنت أرتب للقاء
و عدت اجمع زجاج الذكريات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.