جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

قبس من نور ومع الإمام الفقية أبو حنيفة النعمان ” جزء 19 “

0 32

قبس من نور ومع الإمام الفقية أبو حنيفة النعمان ” جزء 19 “

بقلم / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء التاسع عشر مع الإمام الفقية أبو حنيفة النعمان، وإن صفات الله تعالى مخالفة لصفات المخلوقين، وذلك لأنه تعالى يعلم لا كعلمنا، لأن علمنا حادث لا يخلو من معارضة الوهم، وعلمه تعالى قديم أزلي، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا، ويسمع لا كسمعنا، وكذلك القول في سائر صفاته الذاتية والفعلية، وقيل أن أبو حنيفة يميل إلى اعتبار صفات الأفعال الحادثة، وان ما أضيف إليه من أنها قديمة إنما هو تأثير ماتريدي بناء على تمييزه في الفقه بين الحلف بصفة الذات والحلف بصفة الفعل وأن الكفارة تلزم إذا كان الحنث بصفة الذات لا صفات الفعل، ولكن هذه التفرقة الفقهية لا تقوم دليلا قاطعا على رأي أبي حنيفة في حدوث صفات الأفعال.

وبالنسبة للصفات الخبرية، فأبو حنيفة يسلم بها بلا كيف، فيقول “ما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف” وخلاصة رأي أبي حنيفة في الصفات الخبرية، أنه يثبت لله تعالى هذه الصفات كما ورد بها التنزيل، لكنه لا يحملها على ظاهرها الحرفي، إذ أن ذلك يؤدي إلى التشبيه والتجسيم، وهذا ما حاربه الإمام وفي نفس الوقت لا يتعرض للتأويل التفصيلي لهذه الصفات، ووفقا لرأي أبي حنيفة في الصفات الخبرية يمكن القول بأن الله تعالى لا يتصف بشيء من الكيفيات المحسوسة بالحس الظاهر أو الباطن والطعوم والروائح، وأيضا لا يتصف بالانفعالات النفسية كالشهوة والحزن والغضب والفرح، ولا بالآلام الحسية.

لأن هذه الكيفيات والانفعالات تخص الأجسام والأنفس وهذه التغيرات والانفعالات محالة على الله تعالى أيضا لا يجري عليه تعالى ما يجري على المخلوقات من التغير والتطور والانتقال، فلا تتصف ذاته وصفاته بقبول التغير والانتقال لاستلزام ذلك الحدوث، والله تعالى منزه عن الحدوث، أيضا أنه الله تعالى لا يتحد بالأشياء ولا يحل فيها، وقد ذكر أبو حنيفة صفة العلم لله تعالى، فهو سبحانه كان عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها أي وجودها، وعلمه تعالى أزلي يشمل الكليات والجزئيات والمعدومات، ويربط كمال الدين البياضي بين قول الإمام “وخلق الأشياء لا من شيء” أي بين الخلق من العدم وبين رأي الإمام في العلم الإلهي.

فيرى أن في هذا القول إثبات للعلم الإلهي من وجوه إثباته بخلقه للأشياء فإنه يقتضي معلومية الأشياء قبل أن تخلق، وأنه يدل على قدرة الخلق أي كونه فاعلا بالقصد والاختيار لأن الخلق إيجاد من عدم ولا يتصور الفعل بالقصد والاختيار إلا مع العلم، وأن الخلق البديع يدل على علم الخالق، وعلمه تعالى مغاير لعلم المخلوقين، فعلمه تعالى ذاتي قديم كامل منزه عن النقص، أما علمنا فعرض محدث قاصر، لذلك فإن الإمام يقول “لم يزل ولا يزال عالما بعلمه، وعلمه تعالى الشامل لجميع الأشياء من الجزئيات والكليات صفته القائمة به في الأزل” فالعلم الإلهي بذلك، واحد تتعدد تعلقاته بحسب معلوماته دون ذاته أي دون تعدد العلم ذاته.

ويقول الإمام بأن قدرة الله تعالى شاملة للممكنات وغير متناهية، وإلى هذا أشار في قوله “لم يزل ولا يزال قادرا بقدرته، والقدرة صفة في الأزل” ويربط كمال الدين البياضي بين القول بالقدرة على جميع الممكنات وبين القول بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ويصح منه الفعل ويصح منه الترك، فهو تعالى قادر مختار يفعل في وقت ويترك في آخر بحسب إرادته، لا موجب لذاته، ووفقا لرأي الإمام فأن الله صانع قديم تستند إليه الحوادث وجميع الممكنات، خلافا لرأي المعتزلة التي ترى أن قدرة الله تعالى مختصة ببعض الممكنات لا بجميعها، حيث إنهم يقولون بقدرة الإنسان على أفعاله، وفي الفقه الأبسط يهتم الإمام ببيان شمول قدرة الله تعالى لجميع الممكنات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.