جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

سياسات الحدود بين مصر والسودان ” إعداد / محمد الزيدي

0 27

سياسات الحدود بين مصر والسودان ” إعداد / محمد الزيدي


منذ استقلال السودان إلى الانتفاضات العربية
تم تقسيم الحدود بين مصر والسودان علي ثلاث قطاعات حدودية
القطاع الحدودي الأول :
يبلغ طول الحدود بين مصر والسودان 1276 كيلومترًا. ويجعلها ذلك أطول حدود برية لمصر، فضلًا عن كونها الأكثر اكتظاظًا بالسكان مقارنة ببقية المناطق الحدودية المصرية، حيث يقطن نحو 2.2 مليون نسمة في المحافظات الجنوبية الثلاث: أسوان، والوادي الجديد، والبحر الأحمر. ويمكن تقسيم الحدود جغرافيًا إلى ثلاثة قطاعات: القطاع الشرقي الأقصى، المناطق التي تربط الدولتين حول نهر النيل، وأخيرًا القطاع الغربي. يبدأ القطاع الشرقي الأقصى من البحر الأحمر ويشمل مثلث حلايب المُتنازع عليه والغني بالمعادن والذهب. وتُعتبر الأوضاع المعيشية في هذه المنطقة شاقة بفعل المستويات العالية من الجفاف في بعض النواحي، والتدابير الأمنية المُشددة، وإرث المجاعات. يقطن هذا القطاع قبائل بدوية مثل العبابدة والبشارية.

القطاع الحدودي الثاني

يضم القطاع الثاني المناطق التي تربط الدولتين حول نهر النيل ويتميّز هذا القطاع المركزي بوجود مجتمعات مدنية وزراعية والكثير أيضًا من النشاطات التجارية في منطقة الحدود. إذ يضمّ محافظة أسوان على الجانب المصري أكثر من 1.5 مليون نسمة. كما أن حلفا هي المدينة الرئيسية على الجانب السوداني من الحدود في هذه المنطقة، وتقع في الولاية الشمالية السودانية، حيث يبلغ عدد قاطني الولاية الشمالية نحو مليون نسمة.

القطاع الحدودي الثالث

أخيرًا، يمتد القطاع الثالث في أقصى الغرب، من النيل إلى تقاطع الحدود مع مصر والسودان وليبيا في الصحراء الغربية. وعلى الرغم من تساقط الأمطار في بعض أطراف هذه المنطقة الحدوديةالمدارة من قبل الجيش المصري والكائن بها مشاريع استصلاح وأراضٍ زراعية شاسعة، إلا أن ظروف العيش في تلك المنطقة بأكملها شاقة للغاية.

الشعب النوبي أقلية إثنية في مصر، قُدّر تعداده عام 2009 بأكثر من 2.5 مليون نسمة، لايزال العديد منهم يقطن المناطق الحدودية. ليس هناك أرقام منشورة عن عدد النوبيين في السودان. يتحدث النوبيون لغتين محليتين مختلفتين عن العربية: الفاديجا والكنوز، ويتميزون ببشرة سمراء أدكن من معظم المصريين.

ترقى حضارة النوبيين إلى أكثر من 7000 سنة وقد حكموا امبراطورية ضخمة في شمال إفريقيا ضمّت، لفترة قصيرة، كل مصر الحديثة اليوم.

يُعتبر هذين المجتمعين المحليين، إضافة إلى العبابدة والبشارية، أقدم سكان المنطقة ويمكن القول إنهم الشعب الأصلي.

في الوقت نفسه، المصريون والسودانيون الذين ليسوا من المنطقة، كانوا عمالًا مهاجرين قدموا على مدى عقود إلى المنطقة وقطنوا فيها، خاصة خلال بناء خزان أو سد أسوان المنخفض في الفترة بين 1899 و1902 وسدّ أسوان العالي أيضًا خلال الستينيات.

كانت الشكوى الدائمة في المناطق الحدودية هي أن النظامين في مصر والسودان، وبقصر نظر ملحوظ، حولّا نزاعاتهما السياسية إلى صراعات وطنية أوسع بين البلدين. وثمة اعتقاد قوي بين القادة النوبيين بأن مجتمعهم يدفع أثمانًا فادحة بسبب ذلك.

ولهذا، كان النوبيون على جانبي الحدود يشجّعون التبادلات ويضغطون على النظامين لتحسين العلاقات الحدودية. وقد أوضح قائد محلي نوبي هذه المقاربة على النحو التالي:
“ليس هناك في المُطلق أي نزاع أو صراع داخل صفوف مجتمعنا حيال السودانيين. نحن الآن، كما كنا دومًا، أشقاء وشقيقات. بيد أن كل النزاعات التي تنشب في وسائل الإعلام بين البلدين، كانت ولاتزال صراعات سياسية بين النظامين حول الأجندات والمصالح، ولا علاقة لها قط بمصالح الناس”.

الآن، وبغض النظر عن هذه المقاربة، أثّرت عوامل أربعة، نأتي على ذكرها لاحقًا، على إعاقة العلاقات الطبيعية عبر الحدود بين مصر والسودان بثقلها وأثّرت بقوّة على العلاقات الحدودية، بل وأسبغت نزعة سلبية على العلاقات الثنائية كان من الصعب تجاوزها. فالماضي لايزال يؤثّر على الحاضر، بغض النظر عن المواقف التفاؤلية للمجتمعات المحلية في المناطق الحدودية.

العامل الأول: بدأت بعد ثورة

يوليو 1952 مرحلة جديدة في العلاقات المصرية- السودانية، وتجلّت في تنقّل الناس بين البلدين. نال السودان استقلاله عن الحكم الأنغلو – مصري في يناير 1956، وانسحب على إثره الجيش المصري من البلاد. وقد أصدر نظام مابعد الثورة في مصر قوانين واتخذ قرارات أدّت إلى تحولات عكسية في الطابع العالمي للمجتمع في البلاد.

إذ فرض قيودًا على سفر المصريين إلى الخارج وكذا على السكان الأجانب الذين يريدون السكن في مصر، مما أدى إلى قلة الاتصالات عبر الحدود مع السودان بعد استقلاله. وقد دام هذا الوضع طيلة أغلب عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلى حين وفاته عام 1970

مثل هذه السياسات والقيود، وكذلك تركيز نظام عبد الناصر على مسألة الأمن، جعلت بعض المصريين يشعرون بأنهم يعيشون في سجن كبير.

إذ أصبح من الصعب جدًّا عليهم عبور الحدود إلى السودان إلا بشرطين: إما أن يكونوا مبعوثين رسميًا من قِبَل النظام المصري، أو أن يكونوا نوبيين مصريين لهم أقارب على الجانب السوداني من الحدود. وبالتالي، تعيّن على النوبيين التوجّه إلى عمدة القرية لتسجيل أسمائهم والحصول على إذن سفر، وبعدها يتم تبليغ السلطات المصرية. حينها، يمكنهم الدخول إلى السودان من دون جوازات سفرهم.

أعاق هذا الوضع العلاقات عبر الحدود، خاصة منها نشاطات التجار ورجال الأعمال المصريين الذين كانت رحلة سفرهم إلى السودان حيوية لهم، لأن واردات مصر من المنتوجات الزراعية والحيوانات الحيّة تتطلّب فحصًا عينيًا مباشرًا. إضافةً إلى ذلك، المنتجات التي يتم تبادلها لم تتغيّر كثيرًا هذه الأيام، حيث أن 95 في المئة من واردات مصر من السودان عام 2017 تكوّنت من اللحوم، والحيوانات الحيّة، والقطن، والسمسم.

العامل الثاني الذي أثّر على التفاعلات عبر الحدود بين مصر والسودان في العقود الأخيرة هونزوح كلا المجتمعين المحليين النوبيين المصري والسوداني خلال حقبة الستينيات، لإفساح المجال أمام بناء السد العالي في أسوان. فقد اضطّر أكثر من 100 ألف نوبي (نحو النصف من كل بلد) إلى الهجرة من المنطقة في الفترة بين 18 أكتوبر 1963 و27 يونيو 1964.27 وقد أثّر هذا السد على النوبيين بعمق.28 إذ إن العديد منهم نُقلوا إلى صحراء كوم أمبو شمال أسوان، وغُمرت معظم أراضيهم الأصلية بشكل دائم ببحيرة ناصر التي شكّلها السد. وفي هذه الأثناء، نُقِل نوبيو السودان إلى منطقة تدعى حلفا الجديدة في جنوب شرق البلاد على الحدود مع إريتريا.

كانت المسافة الجغرافية الشاسعة بين مناطق إعادة توطين النوبيين في مصر والسودان وبين أراضيهم الأصلية السبب بمضاعفات أخرى. فقد أضعفت قدرة هذه المجتمعات المحلية على بناء جسور التواصل بين البلدين، ما كان يمكن أن يُساهم في بلورة علاقات أفضل في المنطقة الحدودية. واليوم، يبدو هذا التفاعل ضعيفًا، وانحسر نقل البضائع بالجمال عبر الحدود بسبب المسافات الكبيرة التي يتعيّن قطعها.

المُلفت هنا أنه خلال تلك الفترة حين كان الوضع على الحدود تُمليه بدرجة أقل الاعتبارات الأمنية، وحين كان تنقّل المجتمعات المحلية الحدودية، خاصة النوبية منها، أسهل، لم يؤدِّ النزاع حول مثلث حلايب أبدًا إلى اشتباكات مسلحة. قد تكون ثمة أسباب عديدة لذلك، لأن تنقّل السكان ذهابًا وإيابًا ساهم في خلق مناخات أقل عدائية.

العامل الثالث الذي أثّر سلبًا على العلاقات الحدودية المصرية – السودانية، هو النزاع التاريخي بين البلدين، والذي يعود بجذوره إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، على مثلث حلايب الحدودي الغني. فكل طرف يدّعي أن المثلث يجب أن يخضع إلى سيادته. سبب هذا الوضع هو أن مصر تعترف بحدود سياسية مع السودان رُسمت عام 1899 بين مصر وبريطانيا. بيد أن هذه الحدود فصلت بين قبيلتَي العبابدة والبشارية.

وهذا ما أجبر وزير الداخلية المصري آنذاك، مصطفى فهمي، على إصدار مراسيم بين 1899 و1907 لإرضاء هذه القبائل، عبر تعديل الحدود بحيث تدير السلطة السودانية مناطق العبابدة والبشارية القبلية شمال حدود 1899، وهو ما يعترف به السودان اليوم.

ثمة أراضٍ أخرى جنوب غرب مثلث حلايب، على الجانب السوداني من حدود 1899، هي بير الطويل، لم تؤكد لا مصر ولا السودان سيادتها عليها. وذلك لأن اعتراف مصر بحدود 1899 يمنعها من الاعتراف ببير الطويل كأراضٍ مصرية، فيما اعتراف السودان بحدود فهمي يحول بينه وبين اعتبار هذه المنطقة سودانية.

الدافع الرئيسي للنزاع على مثلث حلايب هو غناء هذه المنطقة بالمعادن، خاصة الماغنيسيوم، الذي يُستخدم في صناعات الحديد والزجاج وأيضًا كسماد. وقد قدّرت دراسة حكومية مصرية احتياطي الماغنيسيوم في حلايب بأكثر من 700 ألف طن، كما أبدت الدولة المصرية اهتمامًا باستغلالها. علاوةً على ذلك، تستطلع مصر ما إذا كان ثمة غاز ونفط في مياه المنطقة الساحلية للمثلث، وهذا أيضًا أحد الأسباب التي أدت لنزاع مع السودان على هذه الأراضي.

في المقابل، منطقة بير الطويل جدباء قاحلة وفقيرة الموارد، ما يجعل السكن فيها شاق. وهذا يفسّر لماذا لا يهتم أيٌّ من البلدين بتوكيد سيادته عليها.

تُسيطر مصر اليوم على مثلث حلايب وأكبر مدينة فيه، شلاتين. حتى ما قبل رئاسة مبارك، كانت هذه الأراضي تحت سيطرة السودان، لكن في أعقاب الاشتباكات المسلحة العديدة، استولت القوات المصرية على هذه الأراضي، وعام 1994 طردت ماتبقى من القوات السودانية منها وفرضت سيطرتها الكاملة على المثلث.

تجنب العديد من السكان المحليين والذين يبلغ تعدادهم نحو 27 ألف نسمة، الانخراط علنًا في الجدل حول أي دولة يشعرون بالانتماء إليها. بيد أن أحد سكان المثلث علّق على الوضع بطريقة وضحت عدم الوضوح والالتباس الذي يصف الموقف، قائلًا: “بصراحة وببساطة شديدة، بطوننا تنتمي إلى مصر وعقولنا وقلوبنا مع السودان، وليس لدينا مشكلة في ذلك”. هذه الملاحظة كانت إشارة إلى الحقيقة بأنه خلال المجاعة الأخيرة في أوائل التسعينيات، أرسلت مصر مواد غذائية إلى السكان المحليين، بعد أن فشل السودان في تلبية نداءات المساعدة التي أطلقوها. ومنذ ذلك الحين، كانت القاهرة تستخدم هذا الحدث للتأكيد للسكان بأن مصر تضمن أمنهم الغذائي، حتى ولو كان السكان أقرب ثقافيًا إلى السودان.

العامل الرابع الذي أثّر على العلاقات الحدودية هي الطريقة التي تفاقم بها النزاع على الأراضي بين مصر والسودان وأزمة العلاقات الثنائية خلال حقبة مبارك، الأمر الذي عزّز مشاعر السخط المتبادل. إذ أن خلال تلك الفترة، كانت العلاقات تتميّز بالتوترات الحادة وصولًاإلى الصدامات العسكرية التي غذّت الضغائن والشحناء بين البلدين. وجاء حادث غرق عبّارة مصرية في النيل في مايو 1983، والذي أدى إلى مصرع أكثر من 300 سوداني، ليسمّم الأجواء ويزيد الطين بلّة. في ذلك الوقت كانت العبّارات، إضافةً إلى الطرق الجوية، الوسيلة الوحيدة للنقل بين البلدين. العبّارة المذكورة، واسمها العاشر من رمضان، شبّت فيها النيران وغرقت في بحيرة ناصر. وقد لام العديد من السودانيين الإهمال المصري لارتفاع أعداد الضحايا وبطء عملية الإنقاذ بالإضافة إلى هشاشة تدابير الصيانة في العبّارة وضعف إجراءات السلامة.

وقع حادث كبير آخر عام 1984، حين نشر النظام المصري قوات مسلّحة في مثلث حلايب، والذي كان آنذاك لايزال تحت السيطرة السودانية. لم يكن هناك سبب واضح لمثل هذا التصعيد، بيد أن أحد القادة المحليين في جنوب مصر ربط ذلك بالجهود التي يبذلها مبارك لتعزيز قيادته في الفترة التي تلت مباشرة اغتيال سلفه السادات. قال: “حدث ذلك نتيجة عقلية عسكرية تحاول أن تؤكد السيادة على منطقة حدودية مُتنازع عليها. وهذا كان نصرًا سياسيًا سهلًا للنظام الجديد بعد اغتيال الرئيس الراحل السادات”.

لم تشهد المنطقة الحدودية مثل هذا الحشد للقوات المسلحة قبل العام. 1984 وقد أسفرت الخطوة المصرية عن نشوب القتال بين قوات كلا البلدين في المثلث. في أعقاب هذه المرحلة، لجأ نظام مبارك مرارًا وتكرارًا إلى الوسائل العسكرية في تعاطيه مع نزاع الحدود. وفي يوليو 1994، رفع السودان شكوى إلى الأمم المتحدة أعلن فيها أنه طيلة أكثرمن عام شنّت مصر 39 غارة على المناطق الواقعة تحت السيطرة السودانية”.

أسفر هذا التوتر عن محاولة اغتيال مبارك حين كان في زيارة لأديس أبابا العام 1995 للمشاركة في اجتماع منظمة الاتحاد الأفريقي. وقد اتّهم النظام المصري السودان بالوقوف وراء الهجوم. كان لهذا التطورنتائج وخيمة على العلاقات المصرية – السودانية وعلى تنقّل المواطنين بين مصروالسودان. وقد وصف الممثل الدائم لإثيوبيا لدى الأمم المتحدة الانخراط السوداني في المحاولة بأنه “واضح وضوح الشمس”، ثم جاء رفض الخرطوم تسليم ثلاثة من المُشتبه بهم في شن الهجوم، ليضفي قدرًا من المصداقية على هذا الرأي.

مصر ردّت على الحادث بوقف عبّارات النيل إلى السودان عن العمل مؤقتًا، وبدأت السلطات فيها للمرة الأولى بمعاملة السودانيين الراغبين بالسكن في مصر بعد عام 1995 كأجانب. إذ طُلب منهم تقديم طلبات للحصول على تأشيرات الدخول وأذون الإقامة. وهذا أثّر، ولايزال، على السودانيين الذين يقيمون في مصر.

على سبيل المثال، لم يعد في وسع السودانيين تسجيل أولادهم في المدارس والجامعات المصرية. وقد رد السودان بإغلاق فرع جامعة القاهرة في الخرطوم ومعه الكثير من الشركات المصرية العاملة هناك.

مع ذلك، أتاحت هذه “الحرب الباردة” بين البلدين خلال عهد مبارك فرصًا نادرة للتقارب حين خفّت وتائر التوتر. ففي العام 2004، وقّعت مصر والسودان اتفاقية الحريات الأربع التي نصّت على حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك لمواطني البلدين. لكن، فيما بدأ السودان بتنفيذ الاتفاقية بعد فترة وجيزة من توقيعها، امتنعت مصر عن تطبيقها بشكل كامل. بل أصبح وضع السودانيين المقيمين في مصر، أسوأ الآن على الرغم من هذه الاتفاقية.

ففي العام 2005، عمدت قوات الأمن المصرية على فضّ اعتصام نظّمه سودانيون في ميدان مصطفى محمود بالقرب من مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، للاحتجاج على تردّي ظروف معيشتهم، مطالبين بإعادة توطينهم في بلد ثالث.54 وقد أسفرت هذه الحملة القمعية عن مقتل ما لايقل عن عشرين سودانيًا، ما ساهم من جديد في إشعال جذوة العداء بين البلدين.

تقلبت العلاقة الثنائية بين البلدين تاركة إرثًا من العلاقات الهزلية. قبل عام 2011 ولكن رغبة الطرفين في تخطّي هذا الوضع خفّفت أحيانًا من وطأة هذا الإرث الثقيل. وقد أتاحت ثورة العام 2011 فرصة ذهبية لإجراء تحسينات فعلية بهذا الصدد، غير أنها لم تحقّق النتائج المرجوة، وتركت طموحات وأماني غير محققة بين البلدين.

الحدود المصرية-السودانية بعد ثورة العام 2011
لم تكن العلاقات على طول الحدود المصرية-السودانية لتتحسّن لولا اندلاع الانتفاضة المصرية عام 2011، التي أطاحت بمبارك، فحيّدت عن المشهد هذه الشخصية التي ارتبط اسمها بمرحلة محفوفة بالتوتر من تاريخ العلاقات المصرية-السودانية. كذلك، أتاحت الثورة هامشًا أكبر للجهود المبذولة داخل المجتمع المصري من أجل تغيير السلوك المتّبع حيال مسائل الحدود. وفي أعقاب المرحلة الانتقالية التي كانت خلالها البلاد خاضعة إلى الحكم العسكري، تسلّم مرسي الحكم ليحل مكان مبارك كأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا في تاريخ مصر. ومع أن مرسي لم يقم سوى بالقليل نسبيًا خلال الفترة القصيرة التي أمضاها في الحكم، تشير تقارير إلى أنه كان مستعدًا لاتخاذ خطوات لتلبية اثنين من المطالب الأساسية للمجتمعات المحلية في المناطق الحدودية، وهما: فتح معابر برية مع السودان وإعادة النوبيين إلى المنطقة الحدودية.

تُوِّجت هذه الجهود بعد تنحية مرسي بافتتاح معبرين بريين بين مصر والسودان، وهما معبر قسطل عام 2014 ومعبر أرقين عام 2017. كانت هذه الخطوة الأبرز لتعزيز العلاقات عبر الحدود المصرية -السودانية منذ أن تعاون البلَدان على بناء السد العالي في أسوان واتّفقا على تقاسم مياه النيل عام 1959، ومنذ أن وقّعا على اتفاقية الحريات الأربع عام 2004.

شكّل فتح المعبرين البريين قرارًا فريدًا لأن القيادة السياسية لم تتبنّ هذا القرار من تلقاء نفسها، بل دُفعت إلى ذلك نتيجة الضغط الشعبي، ولا سيما من المجتمع المحلي النوبي. وفي السنوات التي أعقبت الثورة، أُطلقت الكثير من المبادرات المحلية والمدنية التي طالبت الحكومتين المصرية والسودانية بتسهيل تنقّل البشر والسلع عبر الحدود، لكنها لم تلقَ تأييدًا في صفوف المسؤولين. ونتيجةً لذلك، تمكّن النوبيون المصريون والسودانيون من تعزيز شبكاتهم الاجتماعية العابرة للحدود وزيادة تأثيرهم على السياسة العامة.

أدّى المعبران البريان الجديدان إلى تقليص مدة السفر بين البلدين من 17 ساعة إلى 5 ساعات، وبالتالي إلى خفض تكاليف نقل البضائع بنحو 75 في المئة.

وقد أعلن مسؤولون من البلدين مرارًا وتكرارًا أن هذين المعبرين الحدوديين سيؤديان إلى إنعاش العلاقات التجارية عبر رفع قيمة التبادلات التجارية من مليار دولار إلى حوالى 3 مليارات دولار. لكن بعد مرور أكثر من خمس سنوات على افتتاح معبر قسطل، لايزال إجمالي التبادل التجاري يُقدَّر بمليار دولار فقط. ما من أرقام رسمية محدثة تبيّن عدد الأشخاص الذين سلكوا الطريق البري بين البلدين عام 2019، لكن المعروف أن 11 حافلة فقط تجتاز الحدود يوميًا عبر قسطل، و60 حافلة عبر أرقين. وتشير التقديرات أيضًا إلى أن مليوني سوداني دخلوا الأراضي المصرية عن طريق الجو والبر خلال شهر رمضان من العام 2019

استفادت مدينة أسوان المصرية ومدينة حلفا السودانية إلى حدٍّ ما من فتح المعبرين.65 فقد أصبحتا محطتي توقف للسودانيين أو السوريين المتجهين إلى القاهرة، أو للمصريين والسوريين الراغبين في المرور بالسودان قبل الهجرة إلى أوروبا عبر ليبيا. لكن عائدات المعبرين الجديدين لا تقارن بتلك التي حققتها السياحة قبل العام 2011 في أسوان، التي جلبت مواقعها التي تندرج ضمن التراث العالمي تدفّقًا كبيرًا من العملة الصعبة إلى مصر.

على الرغم من حماسة البيانات الرسمية حول العائدات الاقتصادية الناتجةمن المعبرين الجديدين، ثمة مخاوف من أنه تمت المبالغة في تقديرها. ويُعزى هذا التشاؤم إلى أن جذور النزاع بين مصر والسودان أصبحت دائمة، إضافةً إلى أن عهد السيسي اتّسم بضيق الهامش المتاح أمام مجتمعات محلية مثل النوبيين للعمل على تعزيز العلاقات المصرية – السودانية. صحيحٌ أن المعبرين افتُتحا في ظل حكم السيسي، إلا أن الأساسيات، مثل طريق أسوان-أبو سمبل، أُنشئت في عهد مبارك، فيما بدأ بناء الجزء من الطريق الممتد من أبو سمبل إلى الحدود في عهد مرسي من دون اكتماله. وعلى الرغم من فتح المعبرين، يبدو أن سياسات الرئيس المصري الحالي بشأن الحدود تشبه إلى حدٍّ بعيد تلك التي تم تبنّيها خلال عهدَي مبارك وناصر.

حين تسلّم السيسي الرئاسة في يونيو 2014، بعد مرحلة انتقالية قصيرة أعقبت الإطاحة بمرسي في يوليو 2013، بدأت موجة التقلّبات تعتري العلاقات المصرية – السودانية. وعلى الرغم من أن الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير تبنّى سياسات اقتصادية وأمنية شبيهة بسياسات السيسي، إضافةً أن البلدين أعادا فتح الحدود البرية بينهما، إلا أن توترات الماضي، إضافةً إلى توترات الحاضر الجديدة، عادت لتلقي بظلالها على العلاقة بين مصر والسودان.

كان المُلفت من بين المشاكل الجديدة تغيّر الموقف السوداني بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير، وهو مشروع عارضته مصر لأنه قد يخفّض حصتها من مياه النيل. مؤخرًا، بدا السودان منحازًا إلى إثيوبيا حين رفض التوقيع على اتفاق في فبرابر برعاية الولايات المتحدة من أجل تنظيم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بين الدول الثلاث المعنية، أي مصر وإثيوبيا والسودان. نتيجةً لذلك، باتت مصر الدولة الوحيدة الموقّعة على الاتفاق بعد حوالى أربعة أشهر من التفاوض حوله. بالإضافة إلى ذلك، أعلن السودان رفضه لقرار جامعة الدول العربية الصادر في مارس 2020 والداعم لمصر في هذا النزاع. أسهم هذا الموقف السوداني بخصوص مسألة على قدر كبير من الحساسية لمصر بسبب اعتمادها الكبير على المياه، في إعادة العلاقات المصرية – السودانية إلى نقطة الصفر.

يُضاف إلى ذلك أن القيود المتواصلة التي فرضتها الحكومة المصرية على تنقّل الأشخاص عبر الحدود مع السودان أسهمت بدورها في تردّي العلاقات بين البلدين. فمنذ تعرُّض مبارك لمحاولة اغتيال عام 1995، فرضت مصر حصول المواطنين السودانيين على تأشيرة للسماح لهم بدخول الأراضي المصرية. وبعد العام 2013، فرضت السلطات المصرية أيضًا قيودًا جديدة على السياسات المتعلقة بالحدود والسفر. إذ اشترطتحصول المواطنين المصريين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و50 عامًا على تصريح من الجهات الأمنية قبل السماح لهم بالسفر إلى دول معيّنة، ومنها السودان.

تبنّى السودان أيضًا إجراءات أكثر تشدّدًا حيال المسائل المتعلقة بالحدود. ففي أبريل 2017، قررت الحكومة السودانية للمرة الأولى فرض تأشيرة دخول على المصريين الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و50 عامًا والراغبين في الذهاب إلى السودان، ولايزال هذا الإجراء قائمًا حتى اليوم. وقد صدر هذا القرار وسط تصاعد التوتر بين مصر والسودان، مما أدى إلى استدعاء سفيري البلدين لدى البلد الآخر عَقِب توجيه البشير في مايو 2017 أصابع الاتهام إلى القاهرة بدعم الجماعات المتمردة في إقليم دارفور التي تخوض المعارك ضد حكومة الخرطوم. كان الهدف من اتفاقية الحريات الأربع إعطاء مواطني البلدين حرية التنقّل بينهما من دون تأشيرة، لكن هذا الأمر لم يتحقق. وحتى صدور القرار السوداني، كان لايزال في وسع المصريين الدخول إلى السودان من دون تأشيرة، علمًا بأنه بعد محاولة اغتيال مبارك التي باءت بالفشل، بات على السودانيين الحصول على تأشيرة كي يتمكنوا من دخول الأراضي المصرية.

نـظرًا إلى القيود التي فرضها الجانبان اليوم على التنقّل عبر الحدود، بات عدد متزايد من الأشخاص يعبرونها بشكل غير قانوني ويقاسون ظروفًا أخطر بكثير من السابق. وقد بلغ هذا الأمر ذروته في أعقاب الانتفاضة السودانية في 2018-2019، حيث دفع تدهور الأوضاع الاقتصادية الكثير من السودانيين إلى محاولة دخول الأراضي المصرية بحثًا عن فرص عمل أفضل.

وفيما تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن قوات حرس الحدود المصرية المنقولة في صحف محلية فقط إلى أشخاص من جنسيات مختلفة جرى توقيفهم لأنهم عبروا الحدود بشكل غير قانوني، فقد أظهرت ارتفاع العدد بمقدار خمسة أضعاف، أي من 6 آلاف مهاجر غير شرعي موقوف في العام 2017 إلى 30 ألفًا في ديسمبر 2019.

هذا الارتفاع في الأرقام فاقم من حدّة الخلافات في الوقت الذي حاول فيه المصريون ممارسة ضغوط على السلطات السودانية للتعاون بشكل أفضل في مراقبة الحدود.76علاوةً على هذا، اتهمت الدولة المصرية السودان باستقبالها أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين المصرية، ممن حاولت اعتقالهم خلال فترة ما بعد الانقلاب في يوليو 2013 الأمر الذي دفع القاهرة إلى تشديد الإجراءات الأمنية على طول الحدود، ما عكّر بشكل أكبر صفو العلاقات المصرية- السودانية.

وبقي مثلث حلايب مصدر توتر رئيسي بين مصر والسودان، على الرغم من التحسّن النسبي الذي طرأ على العلاقات بعد العام 2011. كان هذا نتيجة المنافسة المستمرة على الثروات المعدنية في المنطقة، وقيام مصر بفتح باب تقديم عروض لاستكشاف النفط والغاز في البحر في مارس 2019. تتمثّل إحدى الدلائل على كيفية جمع الجيش المصري بين دوره الأمني ومصالحه الاقتصادية في تأسيسه في نوفمبر 2012 لشركة “شلاتين” للموارد المعدنية المملوكة جزئيًا لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وهي إحدى الإدارات التي يتولّى الجيش تشغيل أنشطتها الاقتصادية المدنية. ويتمثّل الهدف الأساسي للشركة في تنظيم أنشطة التنقيب عن الذهب تحت سلطتها في مثلّث حلايب، ما يسلّط الضوء بشكل أكبر على إحدى المصالح الاقتصادية التي تتوافر للجيش من خلال احتفاظه بالمنطقة. مع ذلك، كانت الرهانات كبيرة أيضًا بالنسبة إلى السودان منذ استقلال جنوب السودان في العام 2011، إذ حرم ذلك السودان من مصدر نفطي قيّم، ما زاد من حدّة المنافسة على حلايب من منظور الخرطوم.

في فبراير 2014، أصدر رئيس الوزراء المصري آنذاك حازم الببلاوي مرسومًا يقضي بتطوير حلايب كمدينة، في خطوة بيروقراطية تسمح للدولة بتأسيس مؤسسات حكومية في المثلث، معزّزةً بذلك سيادة مصر على هذه الأراضي. وفي يناير 2020، أعادت وزارة الدفاع المصرية التأكيد – بشكل غير مباشر – على الحدود كما هي واردة في الاتفاق الإنجليزي – المصري لعام 1899، مؤكدةً حقّ مصر في السيطرة على مثلث حلايب. عبر التلميح والإشارة إلى خريطة مصر وفقا لهذا الاتفاق، وذلك ضمنشريط فيديو بثته خلال افتتاح قاعدة برنيس، وهي أكبر قاعدة عسكرية مصرية في منطقة البحر الأحمر وتقع على بعد أقل من 100 كيلومتر شمالي المثلث. مع ذلك، لا تركّز القاعدة حصرًا على التهديدات المحتملة من السودان، لكنها تساهم أيضًا في دعم العمليات المصرية في ما يتعلق بالدول الأخرى الواقعة جنوبًا.

كان يمكن للصراع حول مثلث حلايب أن يمنع فتح معبري قسطل وأرقين البريين. لكن حتى الآن، وجدت مصر والسودان وسائل لتفعيل العلاقات العابرة الحدود في منطقة المثلث، حتى لو بقيت محدودة وغير قادرة على تحسين مستوى معيشة المجتمعات المقيمة هناك. ولا يزال معبر رأس حدربة الحدودي مقفلًا أمام حركة الدخول إلى المثلث أو الخروج منه، لاعتقاد السودان أنه سيكون اعترافًا ضمنيًا بسيطرة مصر على المنطقة. وحدها التبادلات المحدودة مسموحة، لكن يمكن للتجار المصريين والسودانيين وضع بضائعهم هناك لإجراء التبادلات التجارية مع نظرائهم في الجانب الآخر من الحدود، علمًا بأن المصريين يدفعون رسوم الاستيراد في مدينة سفاجا الواقعة على البحر الأحمر .

إذا ما أردنا التحدّث بصورة أعمّ، لا بدّ من القول إن المجتمعات المحلية في المناطق الحدودية عانت الأمرّين جرّاء إقفال معبر رأس حدربة، حيث باتت الوظائف المتدنية فقط متاحة لهم، إذ بإمكانهم العمل بشكل رئيسي كحمّالين ينقلون البضائع عبر المعبر.82 علاوةً على ذلك، تركّز نهج مصر بعد عام 2013 على مكافحة أنشطة التهريب، التي تُعتبر مصدرًا مهمًا للدخل بالنسبة إلى سكان الحدود، بالإضافة إلى أشكال أخرى من العداء التي أدّت إلى توقيف للتجارة العابرة للحدود، مثل الحملات الإعلامية العدائية في كلا البلدين، التي غالبًا ما تكون متعلقة بحلايب أو في الآونة الأخيرة بسدّ النهضة الإثيوبي الكبير. ففي سبتمبر 2016 ومارس 2017، حظر السودان دخول السلع الزراعية من مصر، في خطوة ردّ فيها على انتقادات وسائل الإعلام. وفي مايو 2017، صرّح متحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، في محاولة لتهدئة التوترات، بأن “مبعث التوتر بين مصر والسودان يرجع لوسائل الإعلام في كلا البلدين”.83

كما بقي الخلاف حول حلايب حاضرًا لدى مجتمعات البلدين. على سبيل المثال، في إحدى مباريات كرة القدم في أم درمان مع فريق مصري في فبراير 2020، رفع بعض المشجعين السودانيين لافتة كُتب عليها “حلايب سوداني”، بينما ردّد آخرون هتاف “حلايب حقّنا”. مثل هذه الحوادث، على الرغم من كونها طبيعية في سياق المنافسات الرياضية، لاتؤكد سوى تمدّد النزاع الحدودي إلى المجتمع وتأثيره على الأحداث والمواقف اليومية في مصر والسودان.

كما شكّلت عسكرة الحدود المصرية – السودانية من قبل السلطات المصرية عقبة رئيسية أمام تحسّن العلاقات في المنطقة الحدودية. مثل هذه الإجراءات قد تكون مبرّرة ومنطقية إذا ما نظرنا إلى التحدّي الكبير الذي يطرحه الإرهاب على نظام السيسي، وخاصة في شبه جزيرة سيناء. لكن هذا الوضع لا يبرّر تحويل جميع المناطق الحدودية المصرية إلى مناطق عسكرية بموجب أمر تنفيذي صدر في 29 نوفمبر 2014.85

منذ عام 2013، وقبله بكثير، كان الجيش المصري منخرطًا إلى حدّ كبير في الأنشطة الاقتصادية في البلاد. وقد تكثّف هذا الانخراط مع عسكرة المنطقة الحدودية مع السودان، مما أدّى إلى فرض سيطرة أكبر على المبادرات الاقتصادية الأساسية في مثلث حلايب، بما في ذلك استخراج الذهب والمعادن الأخرى، فضلًا عن تجارة اللحوم مع السودان.87 نتيجةً لذلك، ازداد شعور عدم الرضا لدى الشعب، إذ باتت المجتمعات المحلية تشعر بأنها محرومة من المكاسب الاقتصادية المحتملة في المنطقة الحدودية.88 لفهم السبب، نذكر مثلًا أن امتلاك الأراضي والعقارات أضحى معقدًا للغاية في المناطق الحدودية المصرية منذ ثورة يوليو 1952، بل ازداد تعقيدًا وبات شبه مستحيل بعد ثورة يوليو 2013 حين قام الجيش بتوسيع أنشطته الاقتصادية. الجدير بالذكر أن المناطق الحدودية غالبًا ما تخضع إلى سيطرة مشدّدة من الحكومات العربية بسبب موقعها الاستراتيجي. لكن في مصر، تعزّز هذا الواقع بفعل حقيقة أن الجيش يتصرّف كما لو أنه يمتلك أرضًا وطنية، بموجب القانون الرقم 124 للعام 1958، الذي منحه حقّ السيطرة على صحراء مصر، التي تشكّل قسمًا كبيرًا من البلاد، وخوّله حتى الإشراف على أي ملكية خاصة في المناطق الحدودية والصحراوية. وبالتالي، تتمتّع القوات المسلحة بسلطة واسعة لتقرير ما إذا كان يمكن بيع الأراضي في تلك المناطق لأفراد أو يمكن تأجيرها لمشاريع الاستصلاح.

لذلك، تواجه المجتمعات الحدودية اليوم مشاكل عدّة: فقد تمّ وضع قيود مشدّدة على الأراضي، وباتت عاجزةً عن جني إيرادات من قطاع السياحة كما كانت تفعل قبل العام 2011. لقد حدّت مثل هذه السياسات الحدودية من القدرة على عبور الحدود بحرية، وحُرمت هذه المجتمعات من المنافع الاقتصادية التي كانت توفّرها عادةً المعابر البرية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها كل من مصر والسودان لتحسين العلاقات، إلا أن علاقتهما لا تزال مشحونة بسبب انعدام الثقة بين الطرفين وعدم قدرتهما على تجاوز هذا الوضع على نحو مستدام، نتيجة لعقود مديدة من السياسات الهدّامة.

خاتمة
تحسّنت العلاقات الحدودية بين مصر والسودان إلى حد ما في فترة ما بعد العام 2011، على الرغم من أن الشكوك المتبادلة الدائمة أكّدت على الحاجة إلى اعتماد نهج بديل اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحسين الوضع الراهن. أما الهدف الرئيسي فيتمثّل في بناء الثقة وزيادة المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تحصدها مجتمعات الطرفين عبر فتح الحدود. ويمكن القيام بذلك مثلًا من خلال سعي مصر والسودان معًا إلى الحدّ من العقبات التي تُعرقل حركة المواطنين عبر الحدود وتنفيذ اتفاقية الحريات الأربع للعام 2004 بالكامل، حتى لو جرى ذلك بشكل تدريجي.

في الوقت نفسه، من شأن السماح للمجتمعات المحلية في المناطق الحدودية بالتفاعل مع بعضها البعض أن يساعد أيضًا على بناء الثقة من الجانبين. مع ذلك، سيبقى احتمال نشوب صراع أكثر خطورة مطروحًا، ما دام الخلاف حول مثلث حلايب معلّقًامن دون حل. ولا تُعتبر الفوائد المحتملة من المنطقة كبيرة بسبب وجود موارد طبيعية وإمكانية وجود نفط وغاز قبالة السواحل وحسب، بل بات مثلث حلايب أيضًا مرتبطًا بالصورة التي يسعى قادة كل من البلدين إلى إبرازها وخاصة مصر. فقد دفع ذلك النظام المصري إلى عسكرة الحدود، مولّدًا بذلك احتمال نشوب اشتباكات في المستقبل إذا ما تمّ القفز فوق قنوات أخرى من التفاعل الحدودي ذات فائدة متبادلة أكبر.

كما سيواصل انعدام الثقة المتبادل تقييد المشاريع التي تهدف إلى تحسين العلاقات الثنائية والتكامل، مثل ربط خطوط السكك الحديدية وفتح معبر بري ثالث. لكن المفارقة هنا هو أن مثل هذا الوضع قد يتيح فرصًا جديدة، إذ أن مصر والسودان على السواء يواجهان تحديات اقتصادية خطيرة – بسبب تراجع السياحة في مصر، وعلى صعيد آخر بسبب الاضطرابات السياسية المستمرة عقب عزل البشير من منصبه عام 2019 في السودان – ولا يمكن أن ينجم عن ذلك سوى تدهور إضافي في علاقاتهما الحدودية. يقال إن المعاناة المشتركة تخلق الأملإلا أن الوقت وحده كفيل بجعلنا نعرف ما إذا كان القادة المصريون والسودانيون يوافقون على ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.