جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

سهرة الثلاثاء التي وقعت فيها في الحب

0 17

سهرة الثلاثاء التي وقعت فيها في الحب

ديما مصطفى سكران

لم أفهم تماما مغزى تلك النظرة التي ألقتها إلي من خلف كتفها الأيمن وهي ترفع شعرها بملقط بلاستيكي كبير، كنت أعرف أنها تكره الزيارات المفاجئة، وأنها تحتاج ثلاثة أيام من التخطيط قبل استقبال أحد أو زيارة أحد، لكنني لم أستطع التملص من إعطائهم موعدا الليلة بعد تلميحاتهم اللحوحة.
– أعرف أن هذا قد يضايقك، لكنهم يريدون أن يباركوا لنا بالبيانو الجديد.


– وكأن هذه مناسبة تستحق التهنئة!

قالت وحزام كيمونها الصباحي الحريري يتبعها زحفا على البلاط نحو المطبخ بعد أن انهار الملقط البلاستيكي مجددا أمام كثافة شعرها المرفوع.
– ألم تخبرهم أن أحدا منا لا يجيد العزف؟
– هم يعرفون أنني ابتعته لأتعلم.

كنت واثقا من أن جملتي الأخيرة أو نصفها على الأقل لم تصل مسامعها بسبب هدير ماء الصنبور الذي فتحته على آخره ليملأ دلة القهوة. وقفت ساندا كتفي إلى إطار باب المطبخ متأملا إياها بهيئتها الصباحية المسترخية الشعثاء، فتجاهلتني تماما وهي تحاول مصارعة قطرميز البن الضيق بملعقة لتستخرج من قعره ما يكفي لصنع فنجان.

– آه…
قالت فجأة بعصبية ثم أمالت القطرميز وصبت كل محتوياته إلى الدلة دفعة واحدة.
– نسيت أن أبتاع القهوة البارحة.
التفتت إلي وكأنها اكتشفت وجودي للتو، ثم رمقتني بنظرة باردة وهي تشد حزام الكيمون نحو الأعلى ثم تربطه بحركة ماهرة إلى خصرها الأيمن.
– كلهم قادمون؟

سحبت شفتي للداخل وأغمضت جفني بقوة موافقا بالإيجاب. دفعت كتفي بكفها بخليط من الرقة والحزم ثم عبرت من جانبي وهي تتمتم بما لم أفهم. لا تزال كلما مرت بجانبي تغلفني بهالة من عطرها الخلاب الذي لم تغيره مذ تعرفت عليها. عطرها الذي يعيدني في كل مرة، كل كل مرة، إلى مساء ذاك الثلاثاء الجميل حين تسرب فجأة إلى صدري فوجدت نفسي أتلفت حولي بحثا عن صاحبته فلا أرى إلا وجوها خشنة ونساءا ثرثارات.

لم أكن أعرف أن عطرها كان قد سبقها إلى القاعة وأنها كانت لا تزال على بعد سبع خطوات من المدخل. أصغيت إلى طرقات حذاء نسائي ناعم. واحد اثنان ثلاثة….. سبعة،

فوجدتها تطل من خلف الباب الموارب تجتاز ضباب السجائر وأجساد الناس المتجمعين في حلقات عديدة منشغلين بحوارات ساخنة وأخرى مملة.

أنا أيضا كنت في قلب واحد من هذه الحوارات أدافع عن شعر التفعيلة وكأنه قضية حياتي دون أن أستطيع أن أفهم الآن سبب انفعالي آنذاك. انفعالي… الذي انطفأ من فوره لحظة وقعت عيناي عليها، هل انطفأ انفعال الآخرين أيضا؟

لأن القاعة بدت فجأة هادئة وكأن كل الحوارات انتهت دفعة واحدة بدخولها. مرت عدة ثوان قبل أن أدرك أنها متجهة إلى حيث أنا تماما.

من المؤكد أنني كنت أبتسم لها بدون وعي مني، لأنها حالما رأتني ابتسمت هي الأخرى ابتسامتها الساحرة تلك ليكشف فمها الواسع وشفتاها الغليظتان عن أسنان لؤلؤية عريضة.

لطالما كنت أفضل فم المرأة الصغير وشفاهها الممتلئة امتلاءا متوسطا، لكن هذه الابتسامة الواسعة كانت قادرة على الفتك بكل معايير الجمال المسبقة.

– وهذه شاعرتنا المبدعة وعد فخض معركتك معها إن استطعت.
ووجدت يدها السمراء الناعمة فجأة في يدي فصافحتها مطولا أو خيل إلي ذلك.
– لست أهلا للمعارك، ففي أي ميدان تتعاركون؟
كانت تلك إجابتها التي أعادتني إلى صوابي لأفلت يدها وألملم بعض الكلمات كيفما اتفق:
– يدعي الأستاذ رفعت أن شعر التفعيلة ليس بشعر وأنا…
– المجد للقوافي والأوزان.


قالت ذلك منهية النقاش بصوتها الرقيق وابتسامتها الجانبية الواثقة.

ووجدت الجميع يهمهمون ويهزون رؤوسهم وهم يتبسمون وكنت أفعل مثلهم تماما دون أن أشعر.

أي امرأة تلك التي تكتب الشعر وتدير الحوارات بالسهولة التي تدير فيها رؤوس الرجال حيث مرت وأنى استقرت. ووجدت نفسي فجأة واقفا في طابور طويل من المتأنقين المتكلفين الذين يحاولون استرضاءها بقصيدة بحوار سياسي بنكتة أو بموقف رجولي مبتذل، حتى جاء اليوم الذي وضعت فيه في بنصرها خاتم الزواج لتصبح هذه الفاتنة زوجتي أنا…

هذه الفاتنة التي كانت تضع ساقا على ساق تصغي إلى هذا وذاك حتى إذا أرادت الكلام بدأت بالهمس فسكت الجميع يخشون أن يعلو صوت أنفاسهم فيضيع منهم شيئ مما قالت… ها هي أمامي الآن جالسة إلى الشرفة تحتسي قهوتها وتفرك بين الفينة والفينة صدغيها بيديها متأففة عاقدة الجبين.

– الصداع أليس كذلك؟
– هلا ناولتني حبتي الباراسيتامول؟
هذا الحوار المتكرر يعيد نفسه كل يوم، وكل صباح وكل مساء. قلت ذلك في نفسي وأنا أرفع كأس الماء لأراقبه عن كثب في الضوء الساطع في حركة لا شعورية قبل أن أناولها إياه مع الحبتين.
– ستكونين بخير عند المساء أليس…؟

قاطعتني حركة يدها التي تشير إلي بالرحيل وهي تسند رأسها إلى حافة الشرفة. لا يوجد متسع للحديث معها طالما أنها دوما فريسة صداع لم يفهم له الأطباء سببا،

حتى إذا أعتقها حبست نفسها في غرفة المكتب تحاول أن تخط قصيدة جديدة لديوانها القادم أو أمسيتها الجديدة. قصائد ليس لديها الوقت لتلقيها لي بصوتها الآسر

فتترك لي مسوداتها على طاولة الطعام أو تتركها لي تومض على شاشة الحاسوب المفتوح. متى يخرج عطر هذه المرأة من صدري يا الله؟ هل يعقل أن تكون هذه

رائحتها هي وليست رائحة العطر، فهي لم تفصح أبدا من أين تبتاعه. آه هذه المرأة قطعة من ثلج لا تذيبه حتى شجاراتنا المفتعلة!

كنت أصف الأطباق على طاولة غرفة الضيوف وأنا أناديها:


– إنها السابعة إلا ثلاث دقائق، هل أنت جاهزة؟
– لا تنس مسح الغبار عن غطاء البيانو.

جاءني صوتها من غرفة النوم، لا بد أنها الآن جالسة إلى المرآة تحاول التفاوض مع شعرها الكثيف ليستقر في تسريحة عالية.

بعد خمس دقائق كانوا جميعهم هنا مع نسائهم، وامتلأت الصالة بالسلامات الحارة والضحكات والمجاملات المتبادلة.

– أين السيدة وعد إذا؟
سألتني رانيا زوجة صديقي.
– أنت تعرفين كيف تسرق المرآة وقت المرأة.
– أولم تخلق المرايا للنساء؟

جاءني صوتها من الخلف وملأ عطرها المكان فجأة فحبست أنفاسي وحبس الجميع أنفاسهم،

كانت غاية في الجمال بشعرها المرفوع من خلف أذنيها وثوبها الرمادي الموشى بالأسود وابتسامتها العريضة الواسعة. دخلت بخطواتها الواثقة توزع تحياتها وابتساماتها على الجميع، فوقفوا جميعا ووقفت مثلهم. أوليست هذه هي المرأة ذاتها التي وقعت في غرامها في ليلة الثلاثاء الساحرة تلك؟!

أقسم ويقسم الجميع على ذلك، الجميع رجالا ونساءا الذين استدارات أجسادهم بشكل او بآخر إلى مكان جلوسها لتبدو هي مركز المكان كله.

أنا أيضا كنت ملتفتا إليها بكليتي، أراقبها كيف تفتتح الأحاديث فتهمس تارة وتلقي الشعر تارة وتصمت تارة وتشرد تارة فيشرد معها الجميع منتظرين من شفتيها أن تنطقا بأي شيء،

فهي ستُصدَّق في كل ما ستقول،

وستُهَز لها الرؤوس في كل ما ستقول. هذه هي المرأة التي وقعت في حبها، تقف إلى جانب البيانو وتنقره بأصابعها الرشيقة وحولها يتحلق الجميع مبحلقين إلى حيث تشير. هل جاؤوا حقا من أجل تهنئتي بالبيانو الجديد؟ آه كم اشتقت إلى هذه المرأة التي أحببت!

ولكن ها هم الآن يرتدون المعاطف ويلفون الأوشحة على الأعناق تاركين خلفهم كؤوس العصير الفارغة وفتات الكعك على الأطباق وفناجين القهوة الباردة.

وها هم يرحلون نلوح لهم من باب المنزل بوجوه باشة، وها هي… واقفة بالقرب مني،

يدي على خصرها، يعتصرني العشق الأول لها كما في البدايات تماما، كما في سهرة الثلاثاء تلك حين وجدت يدها في يدي وقلبي في يدها.

أطبق الآن على فستانها الرمادي بأصابعي بشدة كي لا تفلت مني، رغم أني أعرف أن المرأة التي تهمس بالشعر وتخطف الأنفاس وتبتسم في العيون،

المرأة التي أحببت ذات ثلاثاء والتي أحبُّ الآن بكل جوارحي سترحل معهم حالما ينطبق هذا الباب،

ستتلاشى من يدي مجددا كأن لم تكن يوما، ستتبخر كالدخان، ليعود الصداع، ويعود البرود،

وتعود النظرات الفاترة والأبواب المغلقة والحورات المبتورة والقصائد المتروكة على المناضد..

سيعود كل شيء كما كان حتى سهرة ثلاثاء جديدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.