جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

“سماحة الرسول مع أبو سفيان بن حرب” إعداد / محمد الزيدي

0 13

“سماحة الرسول مع أبو سفيان بن حرب”
إعداد / محمد الزيدي

لم يكن أبو سفيان بن حرب رجلاً عاديًّا من رجال قريش، لكنه كان من الرجال المعدودين الذين يُشار إليهم بالحكمة وحسن القيادة، ولم يكن رجلاً محايدًا عندما ظهرت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كان مهاجمًا لها، محاولاً بكل الطرق أن يُوقِفَ مَدَّها، وأن يُجهِض نموها

أبو سفيان وحربه على المسلمين
لقد كان أبو سفيان من الذين اجتهدوا طيلة فترة الدعوة في مكة أن يقتلوا الإسلام في مهده، وقد ذكره الطبري فيمن اجتمعوا في دار الندوة يخططون لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل هجرته إلى المدينة المنورة.

وفي فترة المدينة المنورة كان أبو سفيان بن حرب على رأس المشركين في أول مواجهة بين سرية مسلمة بقيادة عبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وتَجَمُّعٍ للمشركين عند منطقة ثنية المُرَّة ، وكان أبو سفيان على رأس القافلة التي نجتْ، وأعقبها مباشرة الصدام الكبير مع المشركين في بدر.

وفي غزوة بدر قُتل سبعون من صناديد وقادة قريش، ومن ثَمَّ اجتمعت قريش على رئاسة أبي سفيان لها بكل بطونها وفروعها، وهو حدث فريد في تاريخ مكة، ومن هذه اللحظة وأبو سفيان هو المحرِّك الأول لجموع قريش والقبائل العربية الأخرى لحرب المسلمين.

وكان ابنه «حنظلة» قد قُتِلَ في بدر، وابنه الآخر «عمرو» قد أُسِر ، فزاد ذلك في أضغانه وأحقاده، واستطاع أبو سفيان -بنفسه- أن يأسِر صحابيًّا جليلاً وهو سعد بن النعمان بن أكال، فبادله بابنه عمرو بن أبي سفيان.

ثم أقسم أبو سفيان ألا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ من جنابة حتى يغزو محمدًا r، وبالفعل جمع مائتي فارس وغزا المدينة في الظلام، وقتل رجلين من الأنصار ، فيما عُرِف في التاريخ بـ غزوة السويق .

ثم كانت غزوة أحد وخرج أبو سفيان يقود ثلاثة آلاف مشرك لحرب المسلمين، وكانت من أكبر الأزمات التي مرت بالمسلمين؛ فبعد الانتصار في أول المعركة تحوَّل النصر إلى مصيبة، وصارت الدولة للمشركين، واستشهد من المسلمين سبعون، وقَتَل أبو سفيان يومها سلمة بن ثابت رضي الله عنه، وقيل: إنه هو الذي قَتَل حنظلة غَسِيل الملائكة وقال: حنظلة بحنظلة، أي أن هذا الصحابي بابنه الذي قُتِلَ في بدر .

لكن أشدَّ ذلك ما ظهر منه في شعورٍ بالشماتة، وما بدا منه من مخالفةٍ لأعراف الحرب، وآداب القتال عند العرب.. وذلك في الحوار الذي دار بينه وبين المسلمين بعد غزوة أحد مباشرة..

يروي البخاري وغيره أن أبا سفيان نادى بعد انتهاء المعركة يوم أحد: «أفي القوم محمد؟! ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟! ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟! ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت -والله- يا عدو الله! إن الذين عددت أحياء كلَّهم، وقد بَقِيَ لك ما يسوءُك.

قال: يومٌ بيومِ بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مُثلة لم آمر بها، ولم تسُؤْنِي، ثم أخذ يرتجز: أعل هبل..!! أعل هبل..!!

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تُجِيبُونَهُ؟!» قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ».

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تُجِيبُونَهُ؟!» قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قُولُوا: اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ» .

ففي هذا الحوار يُظهِر أبو سفيان الرضا بما حدث في الشهداء من تشويهٍ للأجساد، وتقطيعٍ للآذان، وبقرٍ للبطون! وهو ما لم تألفه العرب أصلاً في جاهلية ولا في إسلام، وإنما يدل كل ذلك على شهوة إبادة حقيقية، وعلى رغبةٍ أكيدةٍ في الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين.

وظهرت هذه الشهوة -أيضًا- عندما حضر أبو سفيان وشهد حادثة قتل زيد بن الدثنة رضي الله عنه، في إقرارٍ واضحٍ لمبدأ الغدر في التعامل مع المسلمين .

وقد ظهرت هذه الشهوة بصورة أكبر في حصار الأحزاب في العام الخامس من الهجرة، وفي هذا الحصار حرص أبو سفيان -الذي كان على قيادة عشرة آلاف مشرك- والمشركون معه على التخلِّص من كلِّ المسلمين بالمدينة المنورة..

لقد كانت جريمة كبرى عندما جمعوا الجموع؛ ليحاصروا المدينة الآمنة، ولِيُرَوِّعُوا الرجال والنساء والأطفال!!

وظلَّ أبو سفيان زعيمًا لمكة حتى السنة الثامنة من الهجرة، وكان صلح الحديبية قد تمَّ منذ سنتين، وانضمت فيه قبيلة بني بكر لحلف المشركين، بينما انضمت قبيلة خزاعة لحلف المسلمين، ثم حدثت الخيانة المعروفة من بني بكر، وقتلت عددًا من قبيلة خزاعة، وساعدتها قريش على ذلك ، فنُقِضَ بذلك صلح الحديبية.. ومن ثَمَّ قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة بجيش قوامه عشرة آلاف مؤمن.

إنها قصة طويلة، وتفصيلاتها كثيرة، وما يهمنا فيها أن أبا سفيان كان يتولَّى كِبْر الأمر في حرب المسلمين، وكان على رأس المهدِّدين لأمن الدولة الإسلامية.

ضعْ كل هذه الخلفيات المعقَّدة في ذهنك، وأنت تحلِّل الطريقة التي تعامل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان عندما قابله في الطريق من المدينة إلى مكَّة أثناء التوجه لفتح مكة المكرمة.

إننا ذكرنا هذا التاريخ الطويل من العداء لنفقه قيمة الخلق النبوي، وعظمة الرؤية الإسلامية للأمور..

بر الرسول مع أبي سفيان
سنقف أمام بر الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبرز زعماء مكة الذين ناصَبُوه ُصلى الله عليه وسلم عداءً مريرًا طويلاً، وذلك من خلال ما يلي:

لقد دارت الأيام، وأصبح أبو سفيان في موقف ضعيف جدًّا، ووجد نفسه عاجزًا عن الحركة، بل عن التفكير، وذلك عندما بُوغِتَ بالجيوش الإسلامية على بعد عدة كيلو مترات من مكة، وعلم أبو سفيان -يقينًا- أنه على رأس قائمة المطلوبين!!

فقد كان حريصًا في أكثر من مرة على استهداف المسلمين، ورسولهم صلى الله عليه وسلم، وأصابت أبا سفيان حالة من الرعب والهلع، ووجد أمامه أحد أصدقائه القدامى الذين آمنوا وانضموا إلى الصف المسلم وهو العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستغاثه واستنجد به قائلاً: ما الحيلة؟ فداك أبي وأمي!

ونترك عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- يروي لنا ذلك الموقف حكاية عن أبيه، وما حدث بعد ذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان زعيم مكة:

قال العباس رضي الله عنه يخاطب أبا سفيان: والله لئن ظَفِرَ بك لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ..!!

وهذا هو التصرف الطبيعي في تصور العباس رضي الله عنه وفي تصور أي مُطَّلِعٍ أو محللٍ يراجع تاريخ أبي سفيان مع المسلمين.

ولكن العباس رضي الله عنه لصداقته القديمة مع أبي سفيان أو لرغبته الأكيدة في حفظ دماء قريش، قرَّر أن يشفع لأبي سفيان عند رسول الله r، فقال رضي الله عنه لأبي سفيان: «اركب معي هذه البغلة؛ حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمنه لك». فركب أبو سفيان مع العباس رضي الله عنه..

يقول العباس: فخرجت به، فكلما مررتُ بنار من نيران المسلمين فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عمه قالوا: هذه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عمه، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدوُّ الله!! الحمد الله الذي أمكن منك. فخرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل، وركضت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: هذا عدو الله أبو سفيان، قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد؛ فدعني أضرب عنقه!!

يقول العباس: فخرجت به، فكلما مررتُ بنار من نيران المسلمين فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عمه قالوا: هذه بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها عمه، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدوُّ الله!! الحمد الله الذي أمكن منك. فخرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل، وركضت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: هذا عدو الله أبو سفيان، قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد؛ فدعني أضرب عنقه!!

فقلتُ (أي العباس): قد أجرته يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جلستُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني. فلما أكثر عمر قلتُ: مهلاً يا عمر! فوالله لو كان رجلاً من بني عديٍّ ما قلتَ هذا، ولكنه من بني عبد مناف.

فقال: مهلاً يا عباس، لا تقل هذا؛ فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب أبي لو أسلم؛ وذلك أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إلَى رَحْلِك، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ».

فذهبت به إلى الرحل فبات عندي، فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللهُ؟!».

قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك!! لقد كاد أن يقع في نفسي أن لو كان إله غيره لقد أغنى شيئًا بعدُ.

فقال: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟!».

قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك! أما هذا -والله- فكان في النفس منها حتى الآن شيء.

قال العباس: فقلت: ويحك! أسلمْ واشهدْ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تُضرب عنقك.

قال: فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

قال العباس: فقلتُ: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا.

فقال: «نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ».

فلما انصرف إلى مكة ليُخْبِرَهُمْ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْلِ ؛ حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللهِ».

فحبسه العباس حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت القبائل على ركابها، فكلما مرت قبيلة، قال: من هذه؟ فأقول: بنو سليم، فيقول: ما لي ولبني سليم؟! ثم تمرُّ أخرى، فيقول: ما هؤلاء؟ فأقول: مُزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟!

فلم يزل يقول ذلك حتى مرَّت كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق ، قال: من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قِبَل !! والله لقد أصبح مُلك ابن أخيك اليوم عظيمًا!!

فقلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال: فنَعَمْ إذًا. فقلت: النَّجَاء إلى قومك!

فخرج حتى أتاهم بمكة، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد أتاكم بما لا قِبَل لكم به! فقامت امرأته هند بنت عتبة، وأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس ؛ فبئس طليعة قوم!

فقال أبو سفيان: ويحكم!! لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه من أنفسكم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

فقالوا: ويحك! ما تغني عنا دارك؟

قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد» .

لقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف مثلاً من أروع أمثلة المروءة والشهامة، وكذلك من أروع أمثلة التجرُّد لله والحرص على الدعوة.

لقد وقف صلى الله عليه وسلم يتحاور مع أبي سفيان بن حرب بطريقة إقناعية فيها البحث عن الحجة والدليل، مع أن السيف كان الحلَّ الأمثل عند عامة القواد والزعماء.

وقد أجاب أبو سفيان بن حرب إجابة غير شافية لا تدل عن قناعة كاملة بتوحيد الله، ولكنه على كل حال لم يرفض، لكن عندما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيمانه بنبوُّته صرَّح أبو سفيان أنه ما زال يشك في هذا الأمر!!

وهنا هدَّده العباس رضي الله عنه بأن قتله أصبح وشيكًا، ولا يحفظ دمه إلا الإسلام، فأسلم عندئذ أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه.

إن الذي فعله العباس رضي الله عنه ليس إكراهًا في الدين، بل هو رحمة بأبي سفيان، ورحمة بكل قريش، إن قتل أبي سفيان في هذا الموقف لا يستنكره أحد، ولا ترفضه أعراف الدول لا في القديم ولا في الحديث؛ فهو يُصَنَّفُ في القانون الدولي الحديث على أنه مجرم حرب؛ لأنه دبَّر منذ سنتين محاولة «قتل جماعي» لأهل المدينة المنورة، ونَقَضَ منذ أيامٍ قليلةٍ عهدًا بينه وبين المسلمين راحَ ضحيَّة نقْضِهِ عددٌ من الرجال والنساء قتلى.

بل إن الذي يمكن أن يتوقعه أي متابع للأحداث أن يرفض رسول الله r إسلام أبي سفيان في هذا الموقف، ويظنَّ -ظنًّا أشبه باليقين- أنه ما فعل ذلك إلا تَقِيَّةً، وخوفًا من القتل.

لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُظهِر شكًّا في إيمان أبي سفيان، بل قَبِل منه ببساطة، ولم يناقشه أو يستوثق منه، بل عفا عنه في لحظة واحدة!!

لقد تناسى رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحظة واحدة كل الذكريات المؤلمة، والجراح العميقة؛ فقلبه صلى الله عليه وسلم لا تغزوه الأحقاد، ولا سبيل للشيطان عليه.

ولو انتهت القصة عند هذا الحدِّ لكانت آية من آيات العفو والتسامح، لكن الذي حدث بعد ذلك يتسامى ويرتفع فوق درجة الأخلاق التي نعرفها، فلا يمكن أن يُفَسَّرَ إلا بأنه صلى الله عليه وسلم نبيٌّ كريم..

لقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان في هذا الموقف ما يكفل له الفخر أبد الدهر!! إنه صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بإعطاء الأمان لأبي سفيان، بل أعطى الأمان لكل من يدخل دار أبي سفيان!

«مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»!

أيُّ عظمة..!! وأيُّ فضل..!!

إننا لا يمكن أن نتصور مدى النُّبل الذي في هذا الموقف إلا أن نضع أنفسنا في الموقف ذاته، ولنكن صادقين مع أنفسنا، وليكن العالم صادقًا مع نفسه.. هل يفعل ذلك أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

أما زال هناك من يدَّعِي أن المسلمين لا يعترفون بغيرهم، ولا يحسنون التعامل معهم؟!!

أما زال الإسلام دين إرهاب وعنف في رأي البعض؟!

إننا نفتقر فقط إلى العلم.. إننا لا نعرف من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قشورًا سطحية، ولو تعمَّقنا في دراسة سيرته، ونقلناها لعموم أهل الأرض، لزالت الغشاوة عن أبصار قوم لا يعلمون.

وما حدث مع أبي سفيان رضي الله عنه ليس موقفًا فرديًّا في السيرة، بل رأيناه مع كثيرٍ من محرِّكي الجموع، ومهيِّجي الشعوب..

وموقفه صلى الله عليه وسلم مع عكرمة بن أبي جهل موقفٌ لا يُنْسَى أيضًا.

المراجع
1- الطبري: تاريخ الأمم والملوك .
2 – ابن هشام: السيرة النبوية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.