جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

سلطانة القصر بقلم/هيفاء البريجاوي

0 110

سلطانة القصر

بقلم/هيفاء البريجاوي‐”ملتقى الأدباء والمثقفين العرب”

أصبحت سطانة القصر أرملة العم صالح ،وهي تناهز الستين من العمر،تعاني من إعياء شديد ،قلقة لأحلام كانت تأتيها، وكأن العم صالح ما تزال روحه حاضرة كل ذكرياتها،وهو يزور تلك البيوت المكتظة بأوجاع ظلت غائبة عن ضمائر بُترت منها الإنسانية ،صوته الأجش يوقظها من نومها ،ودموعها على وجنتيها التي ما كانت تذرف وهو يداوي سنينها بحنان قلبه المشحون بالرأفة والأمان،قررت أن تترك بيتها بالمدينة وتعيش مع إبنهاوأسرته بالقصر الذي كان ملاذ سعادتهم وبركة حياتهم وشهر رمضان حاضر بسكينة يتقاسمان به أجمل أيامه وهم ينثرون بيادر الرحمة بين قلوب تشتاق العطف والوئام،،تأخذ على عاتقها أن تجدد عهد زوجها ومواصلة أعماله الخيرية ،وخلال إقامتها بينهم استنفرت زوجة إبنها اعتيادها العيش أوقاتها بين صديقاتها لمظاهر الترف والبذخ والتسوق ،غير مبالية لواجباتها الأسرية وتنظيم أوقاتهم وتهئية أسباب السعادة لحياتهما،لتختلق لزوجها كل يوم ألف سبب لعدم الراحة وأن أمه توبخها أمام صديقاتها،وتشحن أبناءها عليها ،وتنعتها بالخرف لأنها تضيع الأموال يوميا لجيوب فقراء متسولين يبتزونها ويسخرون من سذاجتها،،خاصة وأن القصر ملكيته تعود لها،ليوم قرر الابن اصطحابها لدار المسنين ،بحجة الخرف وإيذاء أولاده ووضعها تحت الرعاية الصحية ،بدأت تتلاشى مظاهر السكينة التي ملأت أرجاء القصر ،وهى تشارك كل زواياها بسمة روحها الطيبة تفتح براعم الأمل لإحياء ذكرى زوجها،بمد يد العون للفقراء بكل ما بحوزتها من ممتلكات خاصة من مجوهرات ونقود،كان السائق الخاص لهم الذي حافظ على مودة العم صالح اليد الخفية التي اعتمدت عليه ،خاصة أنه كان مُطّلعا على تفاصيل أعماله الخيرية ،وهاهو شهر رمضان مقبل على الأبواب ،لتودعه كل ماتملك بغيابها وأن توليه الإشراف على تلك المهام بتكتم كما كان يفعل زوجها سابقا، ألحت عليه زوجته بعدما تخلصت من وجود أمه بحياتهم أن يصطحبهم برحلة لباريس حيث يقيم أهلها هناك أسبوعين مثلما اعتادوا كل سنة،غير آبه لحال أمه سلطانة العز وابنة الكرم،من أرضعته حليب سال من ركام نبض أنانيته شوائب روحه الجشعة ،وأثناء عودتهم من رحلتهم وهم محملون بأفخم الماركات لأجود أنواع الملابس والعطور ،تم حجرهم للتأكد من عدم إصابتهم بفيروس كورونا خاصة وأن علامات الإصابة كانت ظاهرة عليهم ،والسائق ينتظرهم بالخارج ، لكن لم يأتوا معه ليستمتعوا بباقي سنين كانوا يخططون لها ، ليتبين بعد مرور وقت قصير أن سلطانة
بكامل قواها العقلية وخاصة بعدما أصبح كل من بالمكان يتبارك روحها الطاهرة وهي تتلو آيات كتاب الله بصوتها الحنون،وهدوء روحها السابحة بعالم الخلود، وتحضر لهم ألذ أنواع الأطعمة وتجمعهم على مائدة واحدة ويداها كقنديلين يشعان نورا يعكس صفاء قلبها وشدة بياض وجهها الرحماني وشال ابيض يلف كتفيها مشحون برطب أنوار كل صباح يبتهل أنوار قلبها الجميل ،ليشاء القدر أن يعود الأبناء مع جدتهم القصر، وما أضاعته روح ابنها المتعجرفة وزوجته المتمردة بين أزقة روحهما المظلمة ، تجدد العهد به مع أحفادها الذين أشرقت مسيرتهم بنبضها المتقد كله عنفوان وحب، لتقرر أن تشتري بيتا متواضعا بحديقة ملأتها ورودا ونخلا وتينا وأشجار حور يلتف المكان ، لتسكن روحها هناك مع من بقي يناصفها كل خطواتها،لتتنازل عن ملكية القصر لجهات صحية لمعالجة كل من ضاقت به السبل لأرواح تشتاق عبير الحياة وتولد أمانيهم من جديد بين زواياه التي اشتاقت روح العم صالح، ليأتيها بثوب أبيض يلبسها إياه بعد سنوات ليست ببعيدة ،،فدموعها هذه المرة أيقظتها روح من السماء لتبارك لها الخلود بسكينة لأنفاس ظلت عالقة بأعماقها ،لترحل إليه مشتاقة ضلوع كانت تحفظها وترعاها ليخلدا بأمان ،تعانقه عناق ابدي ،تروي قبريهما أمطار السماء تراب تلك الأرض المباركة ،برائحة مسك لا تزال حاضرة يشتمها كل من يمر بجوارهما ، يبارك تلك الأنفاس الطاهرة الحاضرة إرث عظيم يسترجع من كللوه بذكراهم الحية ،،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.