جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

زيارة مفاجئة/ ديما مصطفى سكران

0 21

زيارة مفاجئة


ديما مصطفى سكران

حين أنبأتني عبر الهاتف بموعد زيارتها لي، انتابتني لحظة صمت صاعقة،

واستدرت بكليتي والسماعة على أذني نحو غرفة الجلوس، كان لصوتها الأرستقراطي صدى لا يزال يرن بضخامة هائلة في سمعي،

بينما عيناي تنتقلان بهلع بين جدران الغرفة المقشورة الطلاء، وزواياها المسكونة بأثاث مهترئ يكاد يشبه الخردة الصدئة.
_ ألو… آنسة صفاء هل تسمعينني؟
_ نعم نعم سيدة إلهام، أنا بانتظارك، اعذريني، متأسفة، بعد نصف ساعة إذن.
_ إلى اللقاء…
ثم أطبقت السماعة دون أن تنتظر تحيتي، وأجبت أنا رنين الهاتف المقطوع بهمس بطيء:
_ إلى…. اللقاء.
نصف ساعة رحت فيها أركض كالمجنونة بين أركان الغرفة، ألغي منها تحفا كنت أظنها غاية في الفخامة والروعة،

وغدت تبدو الآن رخيصة جدا وعديمة الذوق أمام احتمال زيارتها. أقلب وسائد الأرائك لأخفي وجوهها المهترئة،

أسحب الستائر المفرودة لأخبئ بين ثناياها ثقوبا قديمة،

أعدل ميل اللوحة الكرتونية الكبيرة المعلقة فوق مائدة الطعام، ثم أقرر أن أنزع اللوحة بأكملها،

يا إلهي! ما هذه البقعة الصفراء خلف اللوحة، أي طلاء رخيص استعملته يا عوني؟

أعيد اللوحة بذعر وكأني أخفي دليلا لجرم ارتكبته. في ذروة عجلتي يقع بصري على نفسي في مرآة الصالون الصدئة، يا للهول!

لكم تبدو ملابسي غير متناسقة الألوان،

لكم تبدو قديمة ومستعملة،

ولكن كلا، هذه السترة اشتريتها من السوق منذ يومين فقط لا غير، يا إلهي لم يبدو كل شيء في،

فجأة هكذا فقيرا وبائسا وغير لائق بحضور السيدة إلهام، أم أن أي جديد وجميل يكشف عن أقبح وجوهه أمام ترف مقتنياتها وذوقها الرفيع.


رن الجرس،

اصطدم قلبي بجدار صدري كأنه تلقى للتو لكمة ذعر، تسارع تنفسي، وراحت يداي تتحركان حول رأسي، تصلحان تسريحته بشكل عشوائي.

وقفت أمام الباب لأعد حتى العشرة، وأنا ألوح بكفي نحو الأسفل، واحد اثنان، يا إلهي اثنان… اثنان… اثنان….

ارتميت على درفة الباب بكل ثقلي، ثم ثنيت قبضته وسحبت نفس عميقا. هذا الوجه الأرستقراطي الثري نفسه،

المثقل بغطرسة عتيقة، أعرفها جيدا مذ كنت طفلة في العاشرة.


_ السيدة إلهام، لا تؤاخذيني، تفضلي، عفوا، تفضلي، أعتذر منك.
يا إلهي، لماذا لا أكف عن الاعتذار، وعن أي ذنب؟


ردت السيدة على اعتذاراتي بتحية باهتة، وبشبح ابتسامة تشي بالجفاء أكثر مما تشي بالمودة.
وطئت قدماها بلاط الغرفة المختلف الألوان والأنواع بفعل تكرر عمليات صيانة أنابيب المياه في المنزل، حذاؤها الأحمر يصدر طقطقة صاخبة،

يا إلهي، ألا يستوجب شكل البلاط الشنيع أن يستر بالسجاد، ولكن بالتأكيد ليس بسجادتنا الكالحة المتآكلة الأطراف. ركزي يا صفاء ركزي،

هل هذا وقت التفكير في السجادة الآن.
جلست أمامي واضعة ساقا فوق ساق، هذه المرأة الخمسينية،

لا تزال تقريبا كما كانت،

بقسوة عينيها العاتمتين الجميلتين، ورفعة أنفها الرومي الكبير، لا يمكن للسيدة إلهام إلا أن تكون سيدة جميلة،

فكل ما يحيط بها جميل، وكل ما يعلو جسدها جميل، وكل ما يتدلى من أذنيها وجيدها جميل ومترف ومبهر.


أهلا بك سيدة إلهام. نجحت أخيرا في تكوين جملة خالية من عبارة اعتذار. هزت رأسها هزة شحيحة، ثم ألقت ببصرها إلى إحدى الزوايا، كنت ألاحق نظراتها ثم أتأمل ما تراه بعينين مختلفتين تشبهان عينيها، ويزداد كل شيء في نظري قبحا واهتراءا،

وتستحيل كل قطعة في الغرفة اخترتها ذات يوم بفخر، إلى مجرد خردة رخيصة تفتقر إلى أي ذوق وأية قيمة. “

وهل بيتنا بيت، وبيتها بيت!؟”

لم تكن أمي تفتأ تكرر هذه الجملة كلما مررنا من أمام منزلها الفاخر، واسترقنا النظر عبر النوافذ المفتوحة إلى ما يحويه من تحف وأثاث ثمين،

وكنت أريد التوقف لأتأمل مطولاً بانبهار كل هذا البهرج الذي بدا وكأنه قادم من أحلامي،

لكن أمي كانت تشدني من ذراعي بقوة، وتقول لي: عيب يا صفاء، ستصرخ بنا لو رأتنا. كلا

، لم تكن تصرخ، كانت فقط تلقي علينا تلك النظرة الباردة، الباهتة، الثقيلة جدا،

والتي تتهدل من ثقلها أكتافنا، وتطأطئ رؤوسنا، وتنحني ظهورنا كعجائز طاعنات في الفقر والمذلة. وأنا…

كتلك الطفلة ذات السنوات العشر، لا أزال إلى الآن أشعر بثقل نظراتها على كتفي،

ثقل يسقط عني ثيابي، وثقتي بنفسي، وفصاحة لساني، ويعريني أمامها تماما إلا من رداء الفقر القبيح،

القبيح جدا أمام كل ما ترتديه الآن، حتى أمام حذائها الأحمر اللامع هذا الذي ما فتئت أرمقه بنظري،

وكأنني أكلمه لا أكلمها. آنسة صفاء، جئتك اليوم لأمر بسيط، لكنني…


وأصغيت بانتباه منقلة بصري بتردد بين حذائها الأحمر وعينيها العاتمتين، بينما ارتجاف فنجان القهوة في يدي يحدث فيها دوائر لا نهائية.
_ لكنني أريده أن يبق سرا بيننا.


ما الأمر سيدتي؟ نطقت العبارة الأخيرة برصانة، وكأن فضولي هو من تكلم وليس لساني. ارتعشت رموشها المغموسة بالماسكارا الفاحمة،

وأشاحت وجهها عني ثم قالت بصوت بدا راجفا قليلا، أو هيئ لي أنه بدا راجفا: لدي هذه الخطبة…


نبشت حقيبتها الجلدية بارتباك، ثم أخرجت منها ورقة مطوية بعناية بالغة، نفضتها بحركة واحدة، ومدتها إلي ببطء.
_ يتوجب على زوجي إلقاؤه في حفل لمجموعة من التجار، لقد كتبه بخط يده، لربما … لست أدري، ربما فيه بعض الأخطاء اللغوية….


اتسعت عيناي على آخرهما.


_ أنت خريجة أدب عربي، أليس كذلك؟ لو تكرمتي ودققتي لي هذا الخطاب، عذرا، لكن هل هذا ممكن؟
عذرا!!!…. خطاب!!!…. أخطاء لغوية!!!…. يا إلهي أنا خريجة أدب عربي فعلا!!!…

رفعت نظري إلى شهادتي الجامعية المؤطرة بإطار خشبي رخيص، كانت فوق رأس السيدة إلهام تماما!


_ أجرك محفوظ طبعا آنسة صفاء.
قالتها بقوة وقد استعادت ملامحها فجأة ذلك البهاء الأرستقراطي العتيق.
طاف حول شفتي شبح ابتسامة، تناولت من يدها الخطاب، وبقلم موضوع على الطاولة،

ودون أن أعي ما كتب في الخطاب، شطبت عدة كلمات على الورقة، واستبدلتها أخرى،

أعدت صياغة بعض الجمل ثم قمت بإضافة حركات الإعراب جميعها. مددت يدي بالخطاب إليها.


_ هل هذا كل ما في الأمر؟
هززت رأسي بابتسامة واثقة.
نبشت حقيبتها مرة أخرى بحثا عن نقود هذه المرة.
_ صدقيني لا داعي لذلك سيدة إلهام، نحن أبناء حي واحد.


قلتها بكتفين مرفوعتين، وظهر مشدود.


ابتلعت السيدة إلهام ريقها، أخفت الخطاب في الحقيبة بعجالة وكأنها تخفي أثرا لجريمة ارتكبتها،

ثم لملمت معطفها المتهدل على كتفها، وقالت بصوت خفيض:


شكرا…. أستأذنك. مع السلامة.
أطبقت الباب خلفها،

عدت إلى غرفة الجلوس أتأمل المكان من حولي وعلى وجهي ابتسامة عملاقة. كل ما في الغرفة جميل،كل ما فيها رائع،

وهذا الإطار الرخيص هو أكثر الأشياء جمالاً وترفاً وكمالاً في هذه الغرفة، وقد كان عالياً عالياً جداً، عاليا فوق رأس السيدة إلهام!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.