جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

زاوية الرؤية بقلم / محمود حمدون

0 224

زاوية الرؤية بقلم / محمود حمدون

” لكل حادثة حديث , ولكل موقف تفسير منطقي نُلزم أو نلزم أنفسنا به , ويتبقى في النهاية أن الحدث مستقل تماما عن المتلقي أو المشاهد بتفصيلاته وعلاقاته المتشابكة , كما يستقل أيضا عن العناصر المنشئة له فكل منهم أو منها يحتفظ بجزء يسير من الحقيقة وتظل هذه الأخيرة بدورها مستقرة تحت ركام كبير من التفسيرات والاجتهادات “

لذا لا غرابة أن تدور كافة التطورات التقنية في حياة الانسان , حول ما يزيد من قدرته على الرؤية والادراك , سعيا وراء نظرة أشمل للأحداث والحوادث الجارية حوله , وهروبا من هاجس فخ عدم اليقين .

فما المعضلة والأزمة التي تأخذ بخناقنا وتُعجزنا عن الرؤية السليمة ؟ أو تدفعنا للتمسك برؤانا الذاتية ونفي الآخر ؟هل من يقين بصحة وصدق ما نرى ؟ ثم كيف نثق في هذا اليقين نفسه إن كان مفروضًا علينا وأتى بفعل تفكير إنساني وارد من خارجنا؟!!

الفرضية الرئيسية :

لنفترض جدلا أن ثمة مشاجرة نشبت وكنت أنت طرفا مشاركا فاعلا بها , مشاجرة كبيرة سرت كالنار في الهشيم , تضخمت بشدة وخرج كل طرف من أطرافها برؤية وحكاية عمّا حدث , وتعارضت الآراء والرؤى حول ما وقع , وكذّب كل طرف الآخر , وشاعت روايات كثيرة لدرجة لم نعد نعرف (وبالتحديد أنت ).. الصادق من الزيف منها …

فالحدث واحد والحادثة وقعت فعلا , وأطرافها شهود حضور , ومع هذا تباينت الرؤى وتمسّك كل طرف بما رآه وصدّقه بعقله واعتبره اليقين وما دونه الباطل “

ذات الحدث , كل منهما رآه من زاوية ومن موقعه , أماّ الأول فكان منغمسا بداخل الحدث , جزءً منه أو أحد مكوّناته وعناصره الفاعلة والمتفاعلة مع بعضها البعض , فلم ير إلاّ ما سمحت به زاوية الرؤية ومساحة الحركة المتاحة لديه ,,

أمّا الثاني فكان بعيدا وإن شئنا الدقة كان يتبوأ منصّة عالية يُطلّ منها على الحدث , فرآه بشمولية لم تُتح لغيره ورأى ما لم يره الباقيين القابعين بالأسفل أو المشتركين بالحدث ,

كل منهما كان يُقسم غير حانث وعن يقين أنه صادق وأن ما رآه هو عين اليقين ,

لكن , ربما كل منهما كان على صواب وخطأ في ذات الوقت , فالمشارك بصُنع الحدث رأى جزءً يسيرا من الحدث وتداعياته , جزءً لا يتجاوز قدرته على المشاركة والتفاعل مع أطراف الحدث الأخرى , لكن يُحسب له أنه أحد صُنّاع الحدث والقائمين عليه .

بينما الآخر , من عليائه رأى كل شيء , لكنها رؤية المتلقي للحدث غير المتفاعل معه أو مع أطرافه الصانعة له , يتلقاه كما هو ولا يملك له تغييرا إلاّ ما يسمح له عقله من إطلاق التفسيرات والتوضيحات والتفلسف الإنساني , كما تكمن وظيفته في توثيق ما رآه دون أن يملك قدرة على صنعه أو تغييره أو المشاركة فيه فعلا ..

تا الله إنها معضلة , فعشرات الآلاف من الحوادث والمواقف التي تحدث قريبا منك أو بعيدا عنّا وسواء يوميا برتابة أو مفاجئة , نراها كنتائج , بمرور الوقت يختلط علينا الأمر فنجزم أننا كّنا أحد عناصرها الفاعلة وندافع عن آرائنا حولها ونراها المنطق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه .

وهكذا نقع دائما في فخ مُحكم صنعناه بعقولنا ” وهم اليقين ” أن نؤمن باليقين المطلق فيما يحدث , متجاهلين أن كل شيء نسبي في نشأته وتطوره وقياسه , وأنه من المستحيل أن نقيس حدث على استقلال دون أن نقرنه بآخر ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.