جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

رسالة إلى عبد الناصر سعيد بوالشنب

0 35

رسالة إلى عبد الناصر

سعيد بوالشنب

رسالة إلى عبد الناصر
الإهداء : إلى شقيقنا “عبد الناصر”في غربته البعيدة بمناسبة عيد ميلاده السابع و الأربعين….نشهد أنا و توفيق
و أنيس و بقيّة الصعاليك أننا نحبّ كل عيوبك….إلا غيابك. كل عام وأنت بألف خير و لكن….
نسير اليوم بسرعة جنونيّة تعادل سرعة قذفة”روبارتو كارلوس”في مرمى المنتخب الفرنسيّ، نحو مأزق الخمسين، تعال…نتحاسب قدّام الصحراء العربية … ماذا فعلنا؟ ماذا نملك من حطام الدنيا غير شهادة تلقيح ضد الحُصبة

و السّعال الديكيّ و الحمّى التيفيوديّة و شهادة علميّة لا تساوي الحبر الذي كُتبت به و إنما نأكل بها رغيفا من الخبز المغمّس بالحنين و الذكريات؟
أخيرا بعد لَأْيٍ و نضال و مُراجعات و تراجُعات صار لدينا بيت و حديقة و فسقيّة و باقة زهور تبتسم في وجوهنا وسيّدة تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، فهل ما زلنا شجعانا لنخوض حروب الكلام ؟

هل ما زلنا قادرين أن نقضي ساعتين لنشرح لهم أن النظريّة سليمة تماما وأنّ الأفكار التي حلمنا بها لم يتسرّب إليها الخطأ كما تسرّب الماء من تحت الشّقوق؟ هل مازلنا قادرين أن نعلنَ أمام قريش و تميم أن خارطة فلسطين من النّهر إلى البحر و أنّه لا معنى لحكايات الغرام مع أبناء عمومتنا الذين سطوا على أحلامنا في غفلة من آبائنا ؟ هل تستطيع أن تهمس”تسقط أمريكا”دون أن تصطكّ ركبتاك و دون أن ترتعش لك قصبة؟ هل تستطيع أن تحلم بسقوط أمريكا دون أن تُخضع الحلم لحسابات الواقع السّمجة… حسابات الحقل و البيدر، ودون أن تبسمل و تحوقل و تلتفت يمنة و يسرة و أماما و خلفا؟ يا صديقي جرى ماء كثير تحت الجسر لكنني مازلت أحبّك أكثر و أذكرك في كل وجبة “كافيار” يجود بها هذا الزمن اللعين … و مازلت كلما رأيتك في مكتبي أحيّيك تحية الجنود المتمردين وأقول لك”صباح الكافيار” يا حبيبي.
نقترب من الخمسين لا بسرعة البرق فما أتعس هذا التشبيه! و إنما بسرعة قذفة”كومن” في مرمى “عثمان جنيح”
و اعذرني عن الخلط فما زلت لا أفهم كثيرا كرة القدم…. لكن ما زالت خمسون أخرى مترعة بالفرح و النبيذ الوطنيّ الأصفر و النبيذ المحليّ الأبيض و سنرتكب فيها حماقات حُرمنا منها في الخمسين السابقة، هل تصدّق أن تلك الفتاة الخجولة “سناء” أصبحت أستاذة جامعية في لغة “شكسبير” وأن زميلتها “فاطمة” ستناقش عمّا قريب رسالة دكتوراة في حضارة الأعراب؟ آه يا عبد الناصر لقد أتعبني هذا النصّ كما أتعبني هواك ….. ذهب الذين نحبّهم… ذهب الرجل الوحيد الذي يفهم بلاغة صمتك وصمتي .. ذاك الذي دَمِيتْ كفّاه لنأكل خبزا حافيا طاهرا و حفيت قدماه لننتعل حذاء بلاستيكيّا يطبع حذاء جديدا على القدمين إذا ما خلعناه، ذهبت المرأة التي تَعلّمنا على أصابعها العدّ من واحد إلى عشرة و تعلّمنا نطق الحروف على شفتيها وزَمَمْنا شفاهنا ثم باعدنا ما بينهما لننطق بابا و ماما. ذهب الكثير لكن بقي الكثير … بقي توفيق و أنيس و بلقاسم و مطيع و عبد القادر و بسام و العروسي و الجليدي و محمد و محرز و ذلك المجنون محمّد علي و آخرون لا يحصيهم القلب.
قد تسأل عن أخباري… بعضها تجود به ألسن العابرين
و بعضها تجود به صفحات الفايسبوك، أما الجديد الذي لا يعرفه أحد فقد اشتريت محرّكا كهربائيا دفعت ثمنه على قسطين لمضاعفة اندفاع الماء و ليخفّف الأعباء عن سيّدة القلب و البيت و يمكّنني من أن أستحم على “راحتي”
و أغسل نومي… مثل البورجوازيين الجدد الذين اتّهمتَهم باطلا أنني منهم.
بعد أربعة و ستين عاما من الاستقلال صرت فرحا بقوة اندفاع الماء!!!.. بعد إثنين و عشرين عاما من العمل المضني صار لي هاتف غبيّ مستعمل لا يعرف كيف يتعامل معي رغم أنني أشفق عليه إشفاق فؤاد أم موسى…. هاتف غبي”نترادح “عليه أنا و سيدة البيت و إبني…. بعد خمسين شتاء من رحيل معلّمنا و قائدنا و مُلهِمِنا في مثل هذا الخريف صار الناطق باسم عصاباتهم الذي أتقزز من ذكر إسمه يطلّ علينا من شاشة إحدى المحطات و يتحدّث في شؤوننا و في المرّة الأخيرة مد يده من شاشة التلفاز ليقاسمنا طعام العشاء بل إفتكّ قطعة اللحم من فم ابني… بحقّ السماء.. أي عبث هذا يا عبد الناصر؟؟؟؟
ها قد سقط القناع عن القناع عن القناع فلتسقط كل الأقنعة ولتسقط معها كل الكمّامات … يريدوننا أن نتنفّس بالكمّامات و نتغازل بالكمّامات و نتكاثر بالكمّامات… يريدوننا أحمرة تشتري كماماتهم من خبز أطفالنا.. فلتسقط كل الكمّامات
و ليسقط كل الساقطين…

و لولا خوفي من وصول هذا النصّ إلى أبي رحمه الله لاكْتلْتُ لهم صاعا من حروف الصفير. كبرنا “يا عبد الناصر”… و صرنا نستسيغ “القرع” على وجبة الطعام وغدا سنستسيغ “اللفت”…. و إنّ غدا لناظره قريب … كبرنا يا صديقي و صرنا نخجل من الرقص على أنغام “الغزولي” حتى لا نُتّهم بالتصابي و الجنون ولا نجرؤ حتى على الجلوس على الأريكة و إسبال أجفاننا و وضع سيقاننا على سيقاننا مستمعين إلى “سيرة الحب” كي لا نُتّهم بعشق جديد رغم أنهما لا تصدقان أنهما المحطّتان الأخيرتان البهيّتان العذبتان.
آه يا حبيبي….. لا أستطيع أن أهبك نصرا آخر و لا مجدا آخر سوى أنني أقررت العزم على ترقيتك إلى رتبة “ماريشال” في جيش العاشقين بعد أن انتصرتَ في كل الحروب التي خضناها ضد الأعداء أو ضد الإخوة الأعداء أو ضد أنفسنا
و هي أصعب الحروب.

آه يا عبد الناصر…..لقد أتعبني هذا النص كما أتعبني غيابك… لكن إنس كل ما ذكرتُ و أُفشي إليك سرّا يبقى بيننا “سيقف معك كثيرون إذا كنت مظلوما لكنني الوحيد الذي يقف معك إذا كنت ظالما…. وحتى إن اختلفنا سأقف معك ضدّي”… كل عام و أنت صديقي… كل عام وأنت شقيقي… كل عام وأنت توأم روحي…. المجد لنا…. المجد لفيروز… المجد لأمّ كلثوم… المجد للرفيق تشي غيفارا، و الشيخ إمام… المجد لبهجة الروح نجاة الصغيرة… المجد.. المجد…المجد لكل الرائعين



  • الهوامش:
    -1نترادَح:كلمة عاميّة بمعنى نتناوبُ
    -2 الكافيار ليس الطعام المعروف بل شطائر رخيصة من بيض و فلفل أطلقنا عليها هذا الاسم تَجوّزا.
    -3 كومن :مدافع هولنديّ معروف بتسجيل المخالفات.
    -4 عثمان جنيّح:رئيس جمعيّة كرة قدم في تونس.
    -5روبارتو كارلوس:لاعب برازيليّ معروف بقوّة تسديداته.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.