جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

ذكريات البيت الحيّ بقلم/ تهاني بوغانمي

0 7

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

ذكريات البيت الحيّ بقلم/ تهاني بوغانمي

ظلَّ المنزل يقظاً، ضوء النيون الباهت يؤرقه، كان خالياً من سكانه، ملأته عائلة كبيرة ذات يوم، أو بالأحرى لم تكن عائلة كبيرة حين أتوا إليه لأول مرة، كانوا اثنان وطفلًا رضيع، الآن أصبح يتذكر هذه التفاصيل بدقة مُتناهية، ذاكرته تكررها منذ أيام، لا يفتأ يبعدها حتى يعاود التذكر .. بأسى لم يعهده على نفسه من قبل!

العائلة كبرت.. شيئًا فشيئًا

شاخ هو.. مع الوالدان، كبروا، وكبر الأطفال أمام أعينهم -أعين الوالدان والبيت!-

لكن قبل أيام حدث شيءٌ غريب، لطالما شاهده يحدث في البيوت المجاورة له، لم يكن يبالي، ولكن حين أتوا .. أولئك الأشخاص الذين لم يعرف أسماؤهم يوماً، ولا استطاع حفظ وجوههم، كان الزي الأخضر لهم مألوفاً حين أتوا وقرعوا بابه بقوة، كانوا يحملون بنادق على أكتافهم، نعم كانوا يسمونها بنادق .. يحملها الرجال، يعلم ذلك هو، يحفظ ذلك جيدًا، كان يرى الإبن الاكبر يحملها دائمًا، يخفيها في قعر خزانة ملابسه الخشبية، كان يراه حين يخرج حاملاً بندقيته مع عدة أُخرى ويراه حين يعود!

ولكن ماذا عن الآن؟

لم يعد يراه، خرج في أحد الأيام ولم يعد ليطرق بابه ليلاً، متخفياً، شعر به وهو يخرج ولم يشعر به وهو يعود!

مرت سنواتٍ طوال، والبيت ينتظر طرقة الباب المألوفة في منتصف الليل، أو حتى مطلع الفجر، ولم يطرق بابه منذ ذاك اليوم

انتظره فقط ليرى بهجة الأمِ من جديد، فقط لتكف عن نواحها ليلًا، كان سيساندها لو أنها تخبره أو تحكي له، أو تستند على خشبه العتيق حتى، أراده أن يأتي لتكف عن نواحها، لم تكف ولم يعد!

تذكره بغتةً حين رآهم يحملون مثل بندقيته، ولعل خاصتهم كانت أفضل، لم يبالِ إلا حين رآهم يجترون ساكنيه خارجاً، خارجه!

لم يكن الوالد هنا، تعاملوا مع الأم والأطفال، جروهم قسراً، كانوا يصرخون والأم تدعي وتشتم، سمع نفسه لوهلة يصرخ معهم .. ما كان ينقصه سوى أن يبكي!

جروا المرأة وهي تمسك بمقبض بابه، ظن أنه يساعدهم لكن حين انزلقت يدها وتركت القضيب الحديدي أدركَ أنه عاجز.. عاجزٌ تماماً، تعلم هذه الكلمة من الوالد، كان يقول دائماً أنه عاجز، عاجز عن الدفع، عاجز عن تلبية احتياجاتهم، عن إطعامهم و تدريسهم، عاجزٌ عن الدفاع عن حقهم

الدفاع عن من؟ حقهم من؟ هو؟ أكان هو حقهم؟

لم يستوعب تلك الفكرة إلا حين أتى الوالد وصرخ “هذا حقنا !”

كان يرى الجيران، يحومون حولهم، إحداهن كانت تبكي، كانوا يأخذون منزل جيرانهم وهي كانت تبكي، لم يكن ذاك غريباً عليهم!

صرخ الرجال كثيراً وتدافعوا، حوقلوا ودعوا عليهم، أحدهم دفع الجندي، كان البيتُ يرى قبعته الخضراء من مكانه، لا يخرج منها سوى بضع شعرات شقراء، كان هزيلاً جداً نسبةً إلى جندي

ظلت الأم تهذي طويلاً، بالكثير من الأشياء، تدعي عليهم وتحلف ” والله لا تأخذوه منا” وتشتم وتبصق وتلهث، في محاولة مُخفقة للصمود بدت مثيرة للشفقة!

أُمِروا بحزم، بالابتعاد والخروج

” على جثتي” قالت الأم، جاحظة العينين

بعد جملتها تلك تردت، طريحة على الأرض، لحظات معدودة وكانت بركة الدماء تسيل من تحتها، كان قلبها خافقاً، وصدرها يرتفع، ولازالت تهذي، إلا أنها صمتت، وظلت .. جاحظة العينين، فكر البيت لو أنه أصبح إنساناً للحظات لكان أول ما فعله هو أن يغلق عينيها .. بأنامله، تلك الأشياء التي لا يمتلكها

بعد ذلك ستظل عينيها الجاحظة تلاحقه، طويلاً، ولا ينساها، فلا ينام بسببها لهنيهة!

- Advertisement -

” على جثتي” قال صارخة، حولوها لجثة وأخذوه

قلت لك أنَّه كان قد رأى هذا المشهد كثيراً في الآونة الأخيرة، ولكن هل تخيل يوماً أن يتكرر عنده -ذاك المشهد الذي مهما تكرر لن يصبح اعتياديًا لهذه البلدة- سيظل مشهدًا مريعًا ولن تعتاده الأعين التي انفجرت دموعًا وهي تشاهده، ولا الأجساد التي ضربت في محاولة لإبعادهم

الجديد في هذه المرة، أن الأم هوت قتيلة عند عتبة بابه!

والدماء تسيل كالشلال على الأدراج القليلة، لا، لا يستطيع أن يشبهها بالشلال، الشلال عذب .. نعم صافٍ وعذب، يعرف كيف تكون الشلالات، كان هناك ذات مرة شلال يقبع في الجهة الخلفية له، حين كان لا يزال جديداً .. مطلياً بالأصفر، كان يسمع هدير الشلال، كان يؤنسه

لكن ذلك الشلال كان .. كان لزجاً شعر به على عتبة بابه، كان مُقززاً، وبطريقة ما دافئاً، بات يؤرقه، وهو الذي إعتاد على الأُنس مع الشلالات ليلاً!

كان يقبع خلفه شلال، حين كان لا يزال صغيراً، كان عذباً وهديره جميل، إلا أنه هدم في أحد الأيام .. كان يتذكر بهدوء إلا أنه إنفجر صارخاً “وهذا الشلال الذي إنحدر من عتبة بابي لن يهدمه أحدٌ من ذاكرتي يوماً”

كان يليق به أن يبكي في تلك اللحظة لكنه لا يجيد ذلك

كان صراخ الأولاد يطمُّ أُذنيه، أحدهم ظل يتأسف طويلاً .. بينما يبكي!

وهو.. وهو كان محور الموضوع لكنه كان يشاهد فحسب!

في البداية وبعد مرور أيام على رحيلهم، كان حزينًا، لكن حين طال الأمر، أصبح يشعر بالحنين، ثُم استمر ذلك حتى لأنه أصبح حنيناً خالصاً، لا يشوبه أي شعور آخر

لم تفتح أبوابه أو تغلق منذ أيام، لا أحد يدوس أدراج المنزل، ليصعد أو ينزل، لا يسمع صريراً ولا قرقعة، لا أواني تسقط في مطبخه، ولا خرق تنظف خشبه!

في الليل يفتقد الكثير من الهمهمات، من كان ليتوقع أن يشعر بهذا يوماً؟

” والله لا أتركه أبداً” كانت الأم تقول

كانت متشبثة به حد الموت، وقد ماتت فعلاً، كان الأب يتوسل ويقول أنه كل شيء بالنسبة لهم

هل جربت هذا الشعور يوماً؟ أن تكون أنت كل شيءٍ لأحدٍ ما؟ أن تشكل شيئاً واحداً في هذا العالم، بينما تعني كل شيء؟

” والله لا نتركه لهم أبداً !”

“لكني تُركت حتى بعد كل تلك الوعود الكاذبة!

رُبما كانوا عاجزين، نعم عاجزين، كما كان الأب ذات يوم، وكما شعرت أنا بهذا قبل أيام

عجزوا وتركوني لهم، وهم من هم؟

لم أُترك طويلاً، جاء ليسكنني مستوطنون، وجدتني أكرههم، هكذا فجأة”

ظل يخطط ليالي لمجيئهم، حانقاً يُفكر، قال أنه سيقوم بعصيان، عصيان المنزل على ساكنيه!

قال إنه سيفجر صنابير المياه إذا ما حاولت الأم فتحها، وقال إنه سيضرم النار بالأب إذا حاول إشعال المدفئة، وسيصنع شقوقاً في الأرضية التي سيركض عليها أطفالهم!

لم يفعل، كان يغلي كما يغلي الماء في القدر، وحين اقتربوا، واقفين على عتبة بابه، التي كانت شلالاً أحمراً ذات مرة .. وقعوا أوراقاً عديدة، أبدوا إعجابهم به، لم يتحمل أكثر، ولم يفعل أياً مما خطط له، انتظر فحسب طويلاً .. أن يأتوا ليصرخوا “هذا حقنا!” ويستعيدوه!

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.