جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

دور سينما المنصورة في عصر الفن والثقافة

0 52

دور سينما المنصورة في عصر الفن والثقافة

بقلم / عائشة سلطان

السينما ليست مجرد صناعة أفلام للمتعة البصرية، وإن كان ذلك أحد أهم تطلعات وأمنيات صناع الأفلام، أن يحظوا أو أن يقال لهم: إن أفلامهم حازت رضا متذوقي السينما، خلاف المتعة البصرية فالسينما واحدة من أقوى الوسائل، التي نجح الغرب في توظيفها، لتعديل وتوجيه أفكار وتوجهات الشعوب للتأثير عليهم.

ونشر ما يريدون من أفكار وثقافات وحتى أكاذيب ومغالطات، السينما قوة ضاربة، لكنها ناعمة جداً، لطيفة، ومحببة للجميع، ولذلك فحين تمتلك صناعة سينما فأنت تستحوذ على عقول نصف كوكب الأرض، هذا إذا اعتبرنا أن النصف الآخر لا يشاهد السينما لظروف مختلفة كثيرة.

وقبل أن نترك هذه الخلاصة علينا الاعتراف بأن السينما تشكل سجلاً تاريخياً حقيقياً لحياة وتاريخ وسلوكات المجتمع الذي تمثله، فالفيلم الذي أُنتج عام 1945 مثلاً حين تشاهده اليوم، فأنت لا تنظر لفيلم عادي ينتظر صناعه منك تقييماً أو مديحاً ما، إنك في الحقيقة تقرأ الشاشة ولا تشاهدها فقط، كمن يقوم بدراسة حالة للمجتمع الذي كان يمثله الفيلم، مقارنة بالمجتمع نفسه في اللحظة الراهنة، أنت إذاً تقوم بدراسة حالة مقارنة وتاريخية، السينما أداة خطرة لا تحتمل العبث، كالكتاب تماماً!

بالصدفة توقفت أصابعي عن الضغط على جهاز التحكم وأنا أتنقل بين محطات التلفزيون، كان معظم ما يعرض عادياً، مكرراً ولا جديد، حتى توقفت أمام محطة تعرض فيلما مصرياً قديماً بالأبيض والأسود، توقفت لأن جمال الطفلة، التي كانت تقوم بدور البطولة في الفيلم كان لافتاً وخاطفاً بالفعل، ثم لم أتحرك حتى ظهرت على الشاشة كلمة «النهاية»، بشكلها التقليدي القديم!

حكاية الفيلم ككل حكايات أفلام زمان بسيطة، وغير معقدة، لكنها تفكيكية، فأنت أثناء متابعة الفيلم تجد كيف عالج المخرج إشكالية الفيلم بشكل، فكك فيه كل المجتمع دفعة واحدة وبسلاسة، وأحياناً بسذاجة محببة، علاقات الجيران، علاقة الزوج الموظف بالزوجة القادمة من طبقة أعلى، علاقة الناس وسلوكاتهم في الشارع، الأناقة، نظافة الشوارع، شكل المعمار، حركة المرور، دور الشرطة والأمن والإعلام، درجة الأمان في المدينة.

كان في المنصورة خمس سينمات، لكل واحدة منها رحيق مميز، وشخصية مستقلة؛ فسينما عدن كانت السينما الكلاسيكية الفخمة ذات الشاشة المهيبة الضخمة، والستائر الحمراء التي تتحول إلى مسرح في المناسبات، وكانت مملوكة للجمعية اليونانية، وسينما النصر كانت سينما للعائلات؛ فهي حديثة وأنيقة، ويعلوها “روف” اعتدنا الجلوس عليه صغارًا مع الأصدقاء لأكل ما كان في استطاعتنا آنذاك، وهو الجيلي بالموز بثلاثة قروش! وسينما أوبرا، وهي سينما رشيقة وشابة، صغيرة الحجم نسبيًا، وكانت تمتاز بمدخلها المميز، ولوچاتها الأنيقة، وسينما ركس في ميت حدر، وهي سينما شعبية، وكانت الوحيدة التي تعرض أربعة أفلام في الوصلة الواحدة بعد “قصقصة” نصفهم، وسينما التحرير بجوار مدرسة السانت فامي خلف السكة الحديد، وكانت السينما الوحيدة الصيفية المكشوفة، وكانت تعرض أفلامًا أجنبية فقط.

وكانت هناك سينما سادسة، اسمها الكواكب، بجوار المطافي على شارع البحر، ولكنها أغلقت، وكنت أنظر حزينًا إلى أطلالها بين ألواح الخشب التي سدت مدخلها. وكانت سينما التحرير أَحَب السينمات الخمس إلى قلبي؛ ففيها تشاهد روعة الأفلام الحديثة، مع الجلوس الممتع في الهواء الطلق.

ومن المناظر اللافتة الحاج متولي صاحب سينما النصر وسينما أوبرا، وهو يجلس على كرسي بجوار شباك تذاكر الترسو مرتديًا طربوشه الأحمر، والبالطو فوق الجلباب.

كانت السينمات منتزهًا لأسر المنصورة، وكان سكان المنصورة يعرفون ما تعرضه كل سينما، وما الفيلم القادم، فقد كنا نستمتع بمشاهدة بعض صور الفيلم القادم الشائقة، وكانت أفيشات الأفلام تملأ شوارع المنصورة، وكانت تلك الأفيشات مرسومة آنذاك باليد. كانت زفة الفيلم الجديد تمر على شارع البحر مع الطبل والمزامير، بعربة بحصان تحمل أفيش الفيلم، وكانت متعة أن ترى أحد العمال على “سقالة” ومعه دلو “اللزق” ليعلق الأفيش الضخم للفيلم الجديد على واجهة السينما.

أسعار السينمات كانت في متناول الجميع؛ فالترسو للطبقات الشعبية والفقيرة بقرش صاغ واحد، أو ١٥ مليمًا، والصالة للطبقة المتوسطة والمتعلمة بثلاثة قروش ونصف القرش، والبلكون للعائلات الراقية بخمسة قروش، واللوج بتسعة قروش. كان التعس من يدخل الترسو، فعادة ما يهبط عليهم فتوة السينما بالخيزرانة والطرق على الدكك ليجمع تعريفة إضافية، وقد يتكرر ذلك عدة مرات في أثناء الفيلم، وحينما تزدحم السينما كانوا يجلسون تحت الشاشة مباشرة، ويعلو صخبهم. وكانت نداءات بائعي السينما مميزة جدًا،

ونحفظها جميعًا؛ فبائع النوجة “عسلية نوجة”، وبائع الكازوزة -عم عنبة- ينادي “ساقعة كولا”، وكان عادة ما يعطي صوتًا بفمه كأنه فتح الزجاجة، فيجب عندئذ أن تشتريها! وبائع السميط “معايا سميط ودقة وقُورَص”، وبائع السوداني “حِمش”، وكان هناك بائع ينادي على شيء لم أفهمه قط، فيقول “المقرمش”.. كنت تشعر بيئسهم من شراء مشاهدي الفيلم، فالكل من الشباب والصغار لا يملك عادة سوى ثمن التذكرة! أما العائلات فكانت تشتري الكازوزة المبالغ في ثمنها بزيادة قرشين!! شاهدنا في سينمات المنصورة أروع الأفلام الأجنبية، ومنها:

الحرب والسلام، ود. زيفاجو لتيليستوى، وفيلم Z، وزوربا، وسبارتاكوس، والطيب والشرس والقبيح، والحياة للحياة، وقصة حب، وأفلام الكابوي لكلينت إيستوود، وأفلام لوي دي فينيس الكوميدية. وشاهدنا روائع السينما العربية، مثل: صلاح الدين الأيوبي، والخطايا، والوسادة الخالية، ونادية، وشيء من الخوف، وفي بيتنا رجل، ولا تطفئ الشمس، والشموع السوداء، ومعبودة الجماهير، وأفلام حسن يوسف الخفيفة، وأفلام إسماعيل ياسين، وفؤاد المهندس الكوميدية، وأفلام سعاد حسني الرشيقة، وكان نجم الترسو بلا منازع فريد شوقي بأفلامه بطل للنهاية، وجعلوني مجرمًا، ورصيف نمرة ٥.

كانت الأفلام تباع بأسماء كتابها قبل أبطالها؛ فقصص إحسان عبدالقدوس، ونجيب محفوظ كانت تتصدر القائمة، تليها قصص يوسف إدريس، ويوسف السباعي. كان المنتج المشترك للأفلام هو الهيئة المصرية العامة للسينما، وهي شركة قطاع عام، والرقيبة على الأفلام السيدة اعتدال ممتاز، وكنت أعتقد وأنا صغير أن اعتدال ممتاز تعني أن الفيلم بجودة عالية قبل أن أعرف أنه اسم شخص!

كانت السينما تعرض الجريدة المصورة قبل الفيلم وهي تغطي الأحداث السياسية الأسبوعية، يليها كرتون لتوم وجيري، أو ميكي ماوس، وكنا نحبه جدًا. كانت سينمات المنصورة مصدرًا مهمًا للثقافة العامة، ومنتزهًا للترويح عن النفوس، وفسحة عائلية، فترى العائلات، خاصة في حفل ٦-٩ مساءً.

كما كانت الحفلات الصباحية ملاذًا آمنًا للطلبة “المزوغين” من مدارسهم، ومكانًا للقاء المحبين من الشباب! كانت السينمات الخمس في الأعياد في كامل أناقتها، وكل منها لها ميكروفونها العالي، وأنوارها المبهرة، وكانت سينما عدن مشهورة بإذاعة أغاني أم كلثوم الحديثة، التي تشع بهجة في النفوس، فقد كان الراديو الوسيلة الوحيدة لسماع هذه الأغاني، ولا تعرف متى يمن عليك بها. كانت السينمات الخمس تعطي زهوًا جميلًا للمنصورة لا يمكن نسيانه، فكل منا له ذكرياته مع السينما قبل أن ينتشر الفيديو والقنوات الخاصة التي تعرض الأفلام. رحم الله الزمن الجميل بسينماته، ووداعًا للسينمات الخمس التي اختفت، ومرحبًا بعصر السبكي، وثقافة العشوائيات، وأغاني المهرجانات.. مَن منكم يتذكر عصرنا الجميل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.