جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

دراسة نقدية في ديوان (تجذبه في آخر الكون) للشاعر عبدالله راغب أبوحسيبة بقلم الكاتب العراقي ماجد موجد

0 36

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

في ديوان (تجذبه الى آخر الكون) للشاعر عبد الله راغب
الكتابة بالنفي اسلوب في اللاوعي الشعري
ماجد موجد * شاعر وكاتب عراقي
بداية اود الاشارة الى ان الدرس النقدي يكشف لنا تصوراً مفاده ان الحركات الشعرية في مجمل مراحلها ومدارسها لم تكن الا نتاج ما خلص اليه تفاعلُ مبدعيها من الشعراء مع محيطهم والتعبير عنه ومحاولة تصوير ذاك التفاعل أزاءه ان كان المحيط مخفورا لخصوصية اسرية واجتماعية محلية، او اتسع أمام الوجود الانساني برمته. أن النص المخلص ـ ونحن هنا نتحدث عن الشعر بصفة عامة لا عن مدرسة او شكل شعري بعينه ـ عادة ما تكون مادته هو الواقع بكليته او انه اي النص هو تلك المرآة التي تعكس رؤية ذات الشاعر ازاء ما يحيطها او ما تنفعل به وفيه، بمعنى ان كل التحولات في الخطاب الابداعي الشعري مبنى ومعنى مرهونٌ بنتيجة التحولات التي تسير وسارت عليها الحياة ويتباين ذلك على وفق سياقات المجتمع ومكامن الزمان والمكان، فحينما جاء الرمزيون او الشكلانيون لم يكن مجيؤهم بمحض المصادفة وانما كانت نصوصُهم جزءا من تداعيات ساقها خطُّ الحياة ومتغيراتُه الاجتماعية والاديولوجية، وهو ما حصل ويحصل في الحركة الشعرية العربية منذ مطلع القرن الماضي على يد شعراء توفرت لهواجسهم اشتراطات المغايرة والتفرد ما جعلت نصوصَهم تنحى بخلاف من قبلهم وهكذا حتى مجيء حركة الشعر الحر ومن ثم ما جاورها من سياق ابداعي آخر بظهور قصيدة النثر التي ظلت ملامحها تتغير منذ منتصف ذاك القرن وحتى الآن، ومن هنا فحين قرأت نصوص الشاعر عبد الله راغب التي اتخذ من شكل قصيدة النثر وتراكيبها نسقا لها في كتابه الذي نحن بصدده، اقول حين قرأت تلك النصوص شعرت الى أي مدى استطاع مبدعُها ان يكون قد عبر عن واحدة من المراحل العويصة التي مرَّ ويمرُّ فيها الانسانُ حوله وعلى وجه الخصوص الانسانُ العربيُّ وكيف انها – أي النصوص – كشفت في سياقات وثيمات ورموز عما حدث وعن مخاض ما سيحدث، وإنْ كان الشاعر قد انكبَّ على نكران الحدث في الحالين ، نصوصٌ تتنافذ فيها حالة المرتبة الأقل من وعي السرد والحالة الأعلى درجةً من لاوعي الشعر، كأن مبدعَها وعبر الحرية الشاسعة التي يمنحها اسلوبه السردي الشعري، اراد ان يستقدم انفعاله المتشظي ازاء الواقع بكل تشظيات الواقع ولا منطقيته ومساره القادم المريب. بطبيعة الحال لم يشرح لنا الشاعر وقوعات وتكهنات عما سيحدث وانما اعطتنا أغلب النصوص مفاتيح تمكننا من تصور كم أن العالم من حولنا ـ نحن الذين حياتنا تشترك في موضوعِ النص- وُضِعَ في قدر كبير فوق فوهة بركان. كما يشير الشاعر ايضا عبر نصوصه الى انه ما من خطاب يمكنه ان يكون ممتدا في سياق متراتب لكشف معنى خالص يعبر عن الواقع ، ولذلك جاء مجمل خطاب الديوان في صيغة النفي، بمعنى أن الشاعر يقول الشيء مضمرا من خلال نفيه بمجمل ادوات النفي، حتى غدت آلية النفي ملمحاً وبصمة تشي بفرادة اسلوبه. ثمة قلق في ذات الشاعر عما ينبغي قوله ازاء كل شيء مرة يستبد ومرة ينقلب ويتطور ويشاكس ويصيبه الدوار، ثمة متغيرات على كل الصعد ليس من قدرة على استيعاب خطابها والأخذ بفهم قار عما سيفضي اليه ولذلك غلبت في لا وعي الشاعر عبد الله راغب – كما يتبين من تراكيب عبارات نصوصه- حالة من النفي ليس لما يمكن حدوثه بل حتى لما حدث وانتهى، فيكون نفيه حينئذ هو محاولة اظهار الرغبة بعدم التسليم بتصديقه…فقد استخدم الشاعر عبد الله في نصوصه ادوات النفي (لم ولن ولا او ليس) بعديد صياغات كلها توحي الى عدم تصديق ما هو كائن أوما سيكون، مهددا بسوف المستقبل لفعل ما يصدّ كل من يريد الذهاب بروحه الى قلق اكثر، روحه الفائرة من غلواء الدين ومن السياسة الفاسدة ومن شراهة الخيانة بنسخها الكثيرة ما بين المرأة والصديق والذات أيضاً، حينما تحاصرها الشرور وتحاول الهرب بالمناورة. لم تكن واحدة من قصائده تخلو من حرف نفي واحيانا تتكرر في النص الواحد مجمل حالات النفي، وبناء على ان العنوان هو ثريا النص فقد بنيت أغلب عناوين نصوص الديوان على حالة النفي او عدم الافصاح عما هو حادث فعلا كما في عنوان ( لم يقصد لكنه..) او عنوان (رأس مستعار) ونص آخر عنوانه (كأنه..) و احيانا يحاول الشاعر الافصاح عن قلق وخوف ما يعتري وجوده وهو تعبير يصور قلق وخوف الانسان مما يحيطه كما في عناوين قصائده الاتية، ( خائف جدا) و(تحالف مع الدود) و( فراغ) و(جفاف) و (خطر) الخ
ثم حين نسبر غوار النصوص سنجد كم استنجد الشاعر بحالات النفي لكي يحاول فهم ما هو واقع كأنه لا يريد تصديقه كأن الواقع مخاتل ومتآمر واراد الشاعر انكاره املاً في وضعه بصورة اخرى يمكن ان تردعه ويمكن ان يثأرَ منه بنفيه، وسنقرأ هنا العبارات التي جاءت فيها حالات النفي وهي عبارات مقتبسة من جسد النصوص وليس ترتيبها كما ما هي عليه هنا، فقد جاء في صفحة 6 من نص (تجذبه الى آخر الكون)
(صارت عاريةً
رغم أنها لم تخلع قطعةً واحدةً من ملابس خشنة)
من نفس القصيدة ص10 نقرأ:
(حتى انهما لم يلحظا ذلك
عندما لعقت قطةٌ عابرةٌ سيراميكَ الغرفة)
ونقرأ من قصيدة (حلة من ماء) وهي القصيدة التي ورد فيها حرف النفي (لم) بعديد صياغات نقرأ منها في ص11:
(الولد الذي سقط في الماء
لم يعد ومعه غيابُه
لم يخبرنا انه مسافر كي نعدَّ له الفطائر
قالت بنتٌ لم يتبينِ الماءُ هيأتَها
سوف يخدعونك ياولد)
ومن نفس القصيدة نقرأ ص12:
(هو بالطبع لم يقصد الإساءةَ للشط
لم يقصد أن ينال من جنيةِ البحر
وهذا مايفسر اصرارَه على انكارِ قانونِ الطفو
الولد لم يغرق.. بعد لم يغرق
لكن لم ينتبه اليه احدٌ
لم ينتبه أحدٌ
ولم نره منذ أن أمطرت السماء
لم يتبق منه غيرُ هذا الرجلِ الذي يشربُ الشايَ في ركن مهمل من الذاكرة)
ومن قصيدة (راسبوتين مرة اخرى) نقرأ ايضا بعض حالات النفي بحرف النفي لم في ص 17:
(لأنك لم تتدرب كقرد استوائي
ذيلك لم يعد يقوى على حملك
لأنه لم يستأذن عند دخولهِ غرفةَ نومِك
ان تنسحبَ من المعركة كجنديٍّ لم تعد بندقيتُه تصيب)
ونقرأ ايضا في قصيدة (ليس مر جدا) في ص 27:
(لم يضحك ابي حين شكى الإبنُ الأكبرُ انني سرقتُ كراسةَ الرسم
لم يعتذر له القدرُ فسكبه على رأسي
ولم تستيقظ حكمتي
ولم يعد بمقدوري ان أستمر
انني فقط مرٌّ ولستُ مراً جدا)
ومن قصيدة خائف جداً في ص 32 نقرأ:
(ثم أخذ رقم هاتفه كي يشي به لشرطي لم يمت بالأمس
ساحتاج لمن يحقد علي
كي أتجنب صديقي الذي لم ينجب غيري)
ومن قصيدة ملائكة حمراء نقرأ في ص36
( لم يتذكر يوما ان نهديها كانا يملكان حلمتين)
وفي الصفحة 38 من نفس القصيدة نقرأ:
(شيخ يراقبهن من خلف سجادة من خلف الله ولم تنتبه له الصلاة)
ونقرأ في الصفحة 42 من قصيدة تحالف مع الدود:
(انه بكى كثيرا على قبره ولم تمطر السماء.. يكون هادئا ليؤكد انه لم يتحالف ألا مع الدود..)
ومن القصائد القصار نقرأ في قصيدة جفاف ص47 (تنشر زوجها كل يوم على حبل غسيلها ولم تبتلّ امرأةٌ تحت الشرفة) وفي قصيدة (كأنه) ص 51 (لم يعد معنيا بالدم فقتل طيورا لم يرها..) ومن قصيدة حدث بالفعل ص 65 نقرأ (لم يصدق عينيه.. انه نفس المشهد اذا لم يكن هناك عيب في عينيه “…….” حتى انها ظلت على الارجح في جوفه ولم تخرج منه ولم يخرج من جوفها.)
والملاحظ في العبارات التي قرأتها كيف أن الشاعر استطاع ان يكوّن لنا تصوراً تمثل بؤرة الديوان بمجمله وهي حالة النفي بوصفه اسلوبا جاء من لا وعي الشاعر الذي لا يريد تصديق ما يحدث وم يراه امامه وما يتأمل انه كائن، بالرغم من عديد السياقات المختلفة التي جاءت بها النصوص والعبارات لكن اغلبها يشي ان الشاعر داخل في محاولة الفهم عبر انشاء صورة له يريد تصديقها ولذلك يلجأ الى المحو او النفي كما في هذه العبارات مثلا، (مقتنعا باشياء لم يفكر فيها بعد)… (اغلقت فمي تماما كي استمتع بما لم يقله ولم اصدق..(
اقرأ هنا ايضا استخدام حالات النفي بحرف النفي لن او لا او ليس كما جاء في عبارات عدد من القصائد على سبيل المثال لا الحصر..
(لن انسى ان اسد كل فتحات الشبابيك والابواب / لن تفلح التعاويذ الليلية من ازالته/ لن نكسر خلفك زجاجات النبيذ ليس المشي حافيا فوق السجاد/ هذا ليس مكرا / لن تهرب كثيرا من الملائكة/ هذا الشارع ضيق جدا لا يكفي كي يمرر صرخة/ لن اعطيه لهذا التمثال الحجري/ لن اجعل حارس العقارات القديمة ينتبه لخطوتي/ لن اكون رحيما بجرذانها التي تاكل وجهي /وأطمأنوا انها لا تراقب مؤخرة نسائهم/ لن تفعل هذا دون ان تستشيرهم/ لن ينسى ان يلعنه لانه مات..لا اعرف لماذا لا يحب فمَه ولا يرتاح كيثرا للون حذائي رغم انه لا يشير اليه..لن احاول ان ابدو كقديس او فاجر.. لن انسى ان اوقد المنقذ الشتائي.. على جسده جنابةٌ لن يفلح عرقُ امرأته في ازالتها.. )
هذه هي إحدى مميزات نصوص الشاعر عبد الله راغب لكن ثمة الكثير من المزايا المهمة الأخرى التي توفرت في ديوانه والتي تشير بشكل واضح تفرده نسقا ولغة وانتباهة احتراف لعمله الشعري ومن تلك المزايا التي سأقف عندها لاحقا بشكل واف ان اغلب النصوص تشكِّل في الخيط الذي يربط مضمونها حالة من حالات السرد وكما ذكرت آنفا هي المرتبة الاقل من وعي السرد الممتد بجوارها او الذي يقوم بكشفها هو لا وعي الشعر في أعلى مراتبه، فما من نص الا وكان مبنيا على حكاية ما وربما الملاحظ ان استخداف حرف العطف في تتابع المقاطع اشارة الى فعالية سردية لكن يضمرها الشكل الشعري وحواسه وآلياته وهو ما كان واضحا بشكل جلي في اول نص والمعنون (تجذبه الى آخر مكان) ولم يكن اختياره عنوان هذا النص لديوانه كله الا لأنه ذو دلالة على ما يكمن في النص من عقدة شائكة مدمرة تعيشها المرأة في مجتمعاتنا تلك هي عقدة الحرمان الجنسي التي كانت ثيمة حكاية النص آنف الذكر وقد البسها الشاعر لبوساً شعرياً يجلي معالم صراعها ويفرد مغزاها باسلوب فاتن ومكثف وتبدو ايضا واضحة آلية استخدام النفي التي اشرنا اليها بأكثر من حالة ونقرأ هنا من النص ماجاء في الصفحة 6 :
(لكنها في كل مرة
تبحث عن لوح خشبي شارد
تعلق عليه رغبتَها حتى تبرد
وتنفرد وحيدة بدم رائق
يسقي طيوراً لا تغادر سقف غرفتها
صارت عارية تماماً
رغم انها لم تخلع قطعة واحدة من ملابس خشنة
اعتادت ان تدخل فيها رخامَها
امرأة تملك عرى الكون
ورجل يدخل في فحولة ثم يجلس فوقها
يراقب غرناطة وهي تمشي حافية فوق جلدها الأبيض)
ديوان عبد الله راغب متفرد في الاسلوب والشكل والآليات عن الكثير من المجاميع الشعرية المصرية لمجايليه تلك التي سنحت لي فرصة الاطلاع عليها وقراءتها وقد أكد راغب تفردَ تجربتهِ في النصوص الأخرى التي لحقت ديوانه هذا ولا سيما نصه الخلاق عن (حياة لوركا) يذكر ان الشاعر قد اصدر ديوانين من قبل لم احظ بقراءتهما لكنه ذكرهما في متن ديوانه هذا. وكما ذكرت سوف أتوقف عند تجربة راغب في قراءة معمقة تليق به شاعرا مهما في الحاضن الشعري المصري والعربي الحديث

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.