جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

دراسة لنصوص الشاعر /محمد القليني بقلم الناقد الراحل شريف رزق

0 9

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

شِعريَّةُ الخِطابِ المَعِيشِ، والأدَاءِ الشِّفاهيِّ التَّداولي
في نصوصِ محمَّد القِلِّيني

منْ أبرزِ مَلامحِ الخِطابِ الشِّعريِّ الرَّاهنِ، الاقترابُ منْ لغةِ الخِطابِ المَعيشِ، ومنْ شِعريَّةِ الأدَاءِ الشِّفاهيِّ التَّداوليِّ البسيطِ، والتَّشديد علي الذَّاتيِّ والمَعِيشِ، والجنوح إلى بلاغَةِ الشَّخصيِّ والالتحام بالخِبرَةِ الحياتيَّةِ وبسرديَّاتِ المَعِيشِ؛ بحيثُ يتبدَّى النَّصُّ الشِّعريُّ مُجسِّدًا عالمَهُ المَعِيشَ، ونبرَاتِ صَاحبِهِ الشَّخصيَّةِ، على نحْوٍ واضِحٍ.
تبدو هذِهِ الملامحُ، بشكلٍ عامٍ، لدَى عدَدٍ منْ الشُّعراءِ الفاعلينَ في المشهَدِ الشِّعريِّ الرَّاهنِ، ومنهم شُعرَاء جُدُدٌ، منهم محمَّد القِلِّيني، في مجموعتِهِ الشِّعريَّةِ الأُولى هذِهِ؛ ويتجسَّدُ الخِطابُ الشِّعريُّ لدَى القِلِّيني، في هذِهِ المجموعَةِ منْ النُّصوصِ الشِّعريَّةِ، عَبْرَ نبرَاتِ صَوْتٍ تلتحِمُ بالأدَاءِ الشِّفاهيِّ اليوميِّ المَعِيشِ، في أدَاءٍ سَرديٍّ شفويٍّ رَهيفٍ، يحتشِدُ بالتَّشكيلاتِ التَّصويريَّةِ، ويجنحُ إلى بنيَةِ المُفارَقةِ؛ في عِلاقاتِ الذَّاتِ بالواقعِ المَعيشِ أو علاقاتِ الأشياءِ في الواقعِ المَعِيشِ، الأدَاءُ الشِّعريُّ، بهذا المِنْهاجِ، يُذكِّرُنا بالواقعِ على الدَّوامِ، وهو يُعِيدُ تشكيلَهُ في أبنيَةٍ شِعريَّةٍ رَهيفَةٍ؛ تنتهِكُ المَجَازَ بالمَجَازِ في أحْيَانٍِ كثيرَةٍ، وثمَّةَ نزوعٌ واضِحٌ إلى السُّخريَةِ والتَّهكُّمِ على آليَّاتِ الشِّعريَّةِ السَّابقةِ أو المُستقرَّةِ، وثمَّةَ نزوعٌ آخَرٌ إلى الإنسانيِّ والشَّخصَانيِّ.
القِلِّيني يُقاربُ حِرَاكَ الوَاقعِ المَعِيشِ، ولكنَّه لا يستسلم لانْدفاقِ تفاصِيلِهِ في أدَاءٍ سَرديٍّ مَشْهديٍّ، كمَا يفعلُ كثيرونَ، ولكنَّه يُعيدُ بناءَ هذا الوَاقعِ جماليًّا؛ فيتخطَّى المَجَازَ بالمَجَازِ، في أدَاءٍ طازجٍ يجمعُ بينَ الصُّورَةِ المَجَازيَّةِ والصُّورَةِ السَّرديَّةِ، في أدَاءٍ شِفاهيٍّ حيٍّ، وهو بهذا يُعمِّقُ مَسَارًا شِعريًّا كانَ قد ابتدأهُ رياض الصَّالح الحُسَين (1954- 1982) في أواخِرِ سبعينيَّاتِ القرْنِ الماضِي في شِعريَّةِ القصيدِ النَّثريِّ العربيَّةِ الجديدةِ، وكانَ هذا المَسَارُ قد همش كثيرا؛ بحيثُ هيمنَ نصُّ المَجَازِ الخَالِصِ في مَرْحَلةٍ، وأعقبَهُ نصُّ التَّحرُّرِ الخَالصِ منْ المَجَازِ، يتبدَّى هذا النّزوعُ لدَى القِلِّيني في العديدِ منْ نصوصِهِ، ومنْهَا: نصُّه: “وردةٌ خرجتْ من فوهةِ بندقيةٍ”:
“أسْتَيقِظُ في السادِسةِ كالمُعْتادِ
أمْسَحُ دُموعَ نافِذتي
التي هَجَرَتْها العصافيرُ
أتَمَضْمَضُ جَيِّدًا كي أُزيلَ
اسْمَ حَبيبَتي العالِقَ بلِساني
وأُنَظِّفَ فِراشي مِن رائحةِ الوَحْدةِ.
أنا بخَيرٍ يا أصْدِقائي
لا تَقْلَقوا
ما زِلْتُ أكْتُبُ كُلَّ أُسْبوعٍ قَصيدةً أوِ اثْنَتَينِ
وأحْتَسي القَهْوةَ المُرّةَ
وأعْدو بالمِقَشّةِ وَراءِ المَوْتَى
الذينَ يتَساقَطونَ مِنْ نَشْرةِ التّاسِعةِ.
أنا بِخَيرٍ يا أصْدقائي
وسعيدٌ جدًّا
فعامِلُ النظافةِ المزَيَّفُ شَكَرَني كثيرًا
في التقْريرِ الذي قدَّمَهُ
إلى الجهةِ الأمْنِيّةِ التي يعْمَلُ بها
وشَرَحَ كَيفَ أُعَبِّئُ أحْلامي
داخِلَ كِيسٍ بِلاسْتيكيٍّ أَسْوَدَ
وكَيفَ أُسَلِّمُ له الكِيسَ كُلَّ صَباحٍ
دُونَ أنْ أَعْبِسَ في وَجْهِهِ.
أنا بِخَيرٍ يا أصْدقائي
صحيحٌ أني لا أسْتجيبُ لاتِّصالاتِكُمْ
ولا أفْتَحُ البابَ لأحَدٍ مِنْكُمْ
لكني بخَيرٍ
لا تَقْلَقوا
ما زِلْتُ أُمارِسُ طُقوسي اليَوْمِيّةَ
وأتَحَرَّكُ في شَقَّتي التي تُشْبِهُ المَشْرَحةَ
كأيِّ جُثّةٍ مُهَذَّبةٍ.”
إنَّ الأدَاءَ السَّرديَّ الشِّفاهيَّ للخِطابِ الشِّعريِّ، يتضمَّنُ انبثاقاتٍ مَجَازيَّةً طازجةً، ويتبدَّى هذا الأدَاءُ كذلكَ في نصِّه: “طُعْم”، ومنْهُ:
“في آخِرِ زِيارةٍ للطَّبيبِ
تقَيَّأَتْ ذاكِرتي العَديدَ مِن الأشْخاصِ على الوِسادةِ.
أخْبَرَني الطَّبيبُ أنني لا أمْلِكُ القُدْرةَ
علَى تقْليمِ أظافِرِ الزَّمَنِ،
حتَّى أحْلامي المُهَشَّمةُ
لَمْ أجِدْ لها قِطَعَ غِيارٍ.”
ثمَّةَ تجاورٌ دائمٌ للأدَاءِ السَّرديِّ الخَبَريِّ والأدَاءِ التَّشكيليِّ المَجَازيِّ؛ فالنصُّ يبدأُ، غالبًا شفويًّا خبريًّا، ويكونُ بدايةً لخيطٍ سَرديٍّ، سرعانَ مَا تتبجَّسُ فيْه تشكُّلاتٌ تصويريَّةٌ، ويُمكِنُ مُلاحَظةَ هذا كذلكَ في نصِّهِ: “بندقيةٌ تعِجُ بأنفاقٍ تفضي إلى الفقدِ”؛ الَّذي جاءَ على هذا النَّحوِ:
“لَمْ أكْتُبْ قَصيدةً عَنِ البَحْرِ؛
لأنّي خِفْتُ أنْ تَصْطَدِمَ كَلِماتي بالمَراكِبِ الغارِقةِ
أوْ أنْ يتَّسِخَ قَلَمي بتَقَيُّؤِ شابٍّ
أصابَهُ البَحْرُ بدَوارٍ
في أثْناءِ هُروبِهِ إلى بِلادٍ صَدْرُها أكْثَرُ رَحابةً.

وأيْضًا.. لَمْ أكْتُبْ قَصيدةً عنِ السَّماءِ؛
لأنَّ أحْلامي بلا جَناحَينِ يأخُذانِني إليها
ثُمَّ إنَّ البَنادِقَ في الخارِجِ..
لَمْ تَتْرُكْ عُصفورةً
إلّا وقَتَلَتْها.

- Advertisement -

ولَمْ أُحاوِلْ أنْ أكْتُبَ قَصيدةً عنِ الطَّريقِ؛
لأنَّ قَدَمَيَّ أكَلَتْهُما الغُرْبةُ،
فَضْلًا عنْ أنَّ اللُّصوصَ قَدْ عَبَّؤوا ضَوءَ القَمَرِ
في جُيُوبِهِمْ،
وتَرَكوا الطَّريقَ مُعْتِمًا”.
ويتبدَّى الجنوحُ الوَاضِحُ إلى شِعريَّةِ الأدَاءِ الشِّفاهيِّ، على مَدَارِ الخِطابِ الشِّعريِّ، كمَا يتبدَّى الجنوحُ إلى رُؤى العَالمِ بمَنظورِ البَرَاءَةِ الأُولى والشِّعريَّاتِ الإنسانيَّةِ المُبكِّرَةِ، يُطاوعُهُ مِخيالٌ حُرٌّ ومُتدفِّقٌ، وقادرٌ على إنتاجِ صورٍ شِعريَّةٍ طازَجَةٍ، وتبئيرٍ الحَالةِ الشِّعريَّةِ بكمٍّ باذخٍ منْ الصِّورِ الطَازجَةِ، يتبدَّى هذا في نصِّهِ: “قصائد قاتلة” :
“لماذا يا اللهُ لَمْ تَخْلُقْني شَجَرةً؟
كان مِن المُمْكِنِ حينَها أنْ أبْسُطَ ذِراعي
فيَقِفُ عُصْفورٌ فَوْقَهُ ويُغَنّي.
أو أنْ أتَبَرَّعَ بقِطْعةٍ مِنْ جَسَدي
لِيَصْنَعَ بها عاشِقٌ جيتارًا
ولا يَكُفَّ عنِ العَزْفِ تحْتَ شُرفةِ حبيبَتِهِ
كُلَّ مَساءٍ.
أوْ أنْ أُقَهْقِهَ حينَ تُدَغْدِغُني الرّياحُ
فتَسْقُطُ مِنْ جُيوبي تُفّاحَتانِ
فيأْكُلُ رَجُلٌ فقيرٌ واحِدةً
ويحْمِلُ الأُخْرَى إلى زَوجَتِه التي
تتَضَوَّرُ جُوعًا في حُجْرةٍ ضيِّقةٍ.
لِماذا يا اللهُ لَمْ تَخْلُقْني شَجَرةً؟
ولماذا خَلَقْتَني شاعِرًا
حينَ أتَحَدَّثُ
تتَساقَطُ مِن فَمي كُلُّ حبيباتي السّابِقاتُ
وحين أضَعُ رأسي على الوِسادةِ
تَجْثُمُ فَوْقَ صَدْري كُلُّ القصائدِ
التي لَمْ أتَمَكَّنْ مِنْ كِتابَتِها.”
كما يتبدى منظور البداهات الأُوَلِ كذلكَ في نصِّه: “وقع خطواتِ الصَّمتِ”؛ الَّذي جاءَ على هذا النَّحو:
” لَمْ أُحِبَّ الطائراتِ الوَرَقيّةَ قَطُّ..
حينَ كُنْتُ صَغيرًا: كُنْتُ متأكدًا مِنْ أنَّ المَلائكةَ
تتَعَرْقَلُ في طائراتِ أصْدقائي التي تَسْبَحُ في الجَوِّ..
وكُنْتُ أُهَرْوِلُ إلى البَيتِ مَذْعورًا
كُلَّما ارْتَفَعَتْ أمْواجُ بَحْرِ مَدينَتِنا؛
لاعْتِقادي أنَّ مَلاكًا
قَدْ سَقَطَ للتَّوِّ في الماءِ.
وكُنْتُ أحْزَنُ كَثيرًا على المَهَمَّة
التي لَنْ يَسْتَطيعَ المَلاكُ أنْ يُتِمَّها
بِسَبَبِ انْشِغالِهِ المُتَوَقَّعِ بِتَجْفيفِ مَلابِسِهِ
وكَثيرًا ما دَعَوْتُ اللهَ مِنْ أجْلِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ
الذي ماتَتْ أُمُّهُ مُنْذُ أيّامٍ
والذي كانَ المَلاكُ الغَريقُ في طَريقِهِ إلَيهِ
ليَسْحَبَ دُموعَ عَينَيهِ الغَزيرةَ
ويَحْقُنَ بها وَريدَ سَحابةٍ تُعاني النَّحافةَ!
الأمْرُ الذي يَدْفَعُها إلى أنْ تُمْطِرَ فَوْقَ رُؤوسِنا بَعْدَ أيّامٍ
لِذَلِكَ
كُنْتُ أَخْتَبِئُ علَى غَيرِ عادةِ الأطْفالِ
كُلَّما بَدَأَ المَطَرُ في الهُطولِ
لأنّي لَمْ أُحِبَّ أنْ تَبْتَلَّ مَلابِسي.. بِدُموعِ صَبِىٍّ يَتيمٍ.”
وفي النَّصِّ ذاتِهِ يقولُ:
” في حياةٍ أُخْرى كُنْتُ حَقيبةَ سفَرٍ
تَعِجُّ بالجُيوبِ السِّرّيةِ
كانتْ صاحِبتي عَجوزًا طَيِّبةً
لا تَكُفُّ عنِ الرَّحيلِ
لَمْ تَضَعْني يَومًا على أريكةٍ
ولَمْ تُدْخِلْني في دولابٍ
دائمًا كُنْتُ مُتَعَلِّقًا بِذراعِها
كَصَغيرٍ يتَعَلَّقُ بأُمِّهِ
الغَريبُ أنَّها لَمْ تَحْشُني يَومًا بِملابِسَ
أو بمساحيقِ تَجْميلٍ
فقَطْ كانتْ تَمْلأُ جُيوبي بالذِّكْرياتِ
أَذْكُرُ أني حَمَلْتُ الكَثيرَ
مِنَ الابْتِساماتِ المُهَشَّمةِ
والأَحْلامِ النيِّئةِ
والقُبُلاتِ التي اخْتَلَسَتْها يَومًا
من شِفاهِ حَبيبِها القديمِ
صاحِبتي كانتْ لدَيها أسرارٌ كثيرةٌ
تُخْفيها – حتّى- عني
مثلًا.. تلكَ الدُّمْيةُ التي
اعْتادَتْ أنْ تُخْرِجَها يوميًّا مِنْ جَيبي
وتَشْرُدَ في ملامِحِها البِلاسْتيكيةِ
لساعاتٍ طويلةٍ
كانتِ الدُّمْيةُ تعودُ إليَّ
مُبَلَّلةً بدُموعِها
شغَلتْني هذه الدُّمْيةُ طَويلًا
فكَّكْتُ جَسَدَها قِطْعةً قِطْعةً
لكِنّي لَمْ أجِدِ السِّرَّ داخِلَهُ
رُبَّما لو كُنْتُ شاعرًا حينَها
لتَوَصَّلْتُ إلى السرِّ بمُنْتَهَى البساطةِ
لكِنْ لَمْ أكُنْ أتَخَيَّلُ أني
سأصيرُ شاعرًا
جُيوبي أصْلًا كانتْ مُمْتلئةً للغايةِ
ولا يوجَدُ فيها شِبْرٌ يَصْلُحُ
لحَمْلِ دِيوانٍ
وصاحِبتي العَجوزُ لَمْ تكُنْ تُحِبُّ الشِّعْرَ
ولَمْ تُطْعِمْني يومًا قصيدةً
رغْمَ أنَّ خِطاباتِ حَبيبِها التي
تسْتقِرُّ في أحْشائي
كانتْ تتَضَمَّنُ الكَثيرَ مِنَ الأشْعارِ
أيضًا لَمْ يكُنْ لها وَرَثةٌ
حينَ ماتتْ.. ظلَلْتُ مُتَيَبِّسًا
في خِزانةِ الفُنْدُقِ
الذي ماتتْ فيهِ
كان مَسْؤلوهُ ينْتظِرونَ
أنْ يأتيَ أحَدُ أقارِبِها
ويُطالِبَ باسْتِرْدادِ الحقيبةِ
لكِنْ لَمّا فتَحوا الخِزانةَ بَعْدَ فَتْرةٍ
فُوجئوا بأنَّ الحقيبةَ قَدِ اخْتَفَتْ
وأنّي قَدْ حَلَلْتُ مَكانَها
بِشَكْلي البَشَرِيِّ الذي تَعْرِفونَهُ الآنَ
وفوجئوا بي أيضًا أرتجف
وأحْمِلُ في يَدِيْ دُمْيةً
ما زالتْ مُبْتَلّةً بالدُّموعِ.”
ويبدو الشَّاعرُ، على مَدَارِ النُّصوصِ، مَشْغولاً بالشِّعرِ؛ كحَدَثٍ منْ أحْدَاثِ الحَيَاةِ اليوميَّةِ المَعِيشَةِ، يتداخَلُ مَعَ تفاصِيلِهَا اليوميَّةِ، يتبدَّى هذا في عدَّةِ تجلِّياتٍ؛ ففي نصِّهِ: “نافذةٌ تُطِلُ على نهايةِ العالم”، يتبدَّى هذا التَّواشُج بينَ الشِّعرِ وتفاصِيل الحَيَاةِ اليوميَّةِ، على النَّحوِ الآتي:
( 1 )
اِسْمي مُحَمَّدُ القِلِّينيُّ
أكْتُبُ الشِّعْرَ
وأعْمَلُ في شَرِكةِ مَلابِسَ.
لَيسَ في الأمْرَينِ أيُّ تَعارُضٍ
فثَمّةَ مَخْزَنٌ كَبيرٌ
أُكَدِّسُ فيهِ قُمْصانًا مُسْتَورَدةً
يتَهافَتُ الناسُ علَى شَرائِها.
وثَمّةَ قلْبٌ أكْبَرُ
أُخَزِّنُ داخِلَهُ قصائدَ
لا تَجِدُ لها مُشْتَرِيًا.
( 2 )
تَقولُ زَوجَتي: إنَّ بَيتَنا قَديمٌ جِدًّا
وإنَّ حُجْرةَ الأطْفالِ
لا تتَّسِعُ لسَريرَينِ صَغيرَينِ
فَكَتَبْتُ بَيْتًا شِعْرِيًّا ذا مَجازٍ رَحْبٍ
وقُلْتُ وأنا أُشيرُ إليه:
“يُمْكِنُنا أنْ نَنامَ ها هُنا اللَيلةَ”.
( 3 )
دائمًا أحْمِلُ إبْرةً وخَيطًا
لأُرَقِّعَ قَلْبي كُلَّما خَرَجَتْ مِنْهُ قَصيدةً
كِرْشي الصَّغيرُ لا يَمْنَعُني
مِن الاخْتِلاطِ بالنّاسِ
وَحْدَهُمُ الشُّعَراءُ يُعايِرونَنِي بِهِ كَثيرًا
رَغْمَ أنَّهُ قَدْ نَشَأَ
بِسَبَبِ الْتِهامي لقَصائدِهِمُ السَّمينةِ.”
غيْرَ أنَّ الشَّاعرَ مَشْغولٌ على الدَّوامِ بشكلٍ مُحدَّدٍ منْ الشِّعرِ، وعلى عادَةِ مَا بعدَ الحَدَاثيِّينَ، يسخرُ منْ الشِّعرِ المُهيمِنِ بجماليَّاتٍ أُخْرى، ويتهكَّمُ عليْهِ، يتبدَّى هذَا في نصِّهِ: “أكرَهُ الشُّعرَاءَ”؛ الَّذي منْهُ:
“أنا أَكْرَهُ الشُّعَراءَ كثيرًا
خصوصًا حينَ يَقْضَمونَ أظافِرَ اللَّيْلِ مِثْلَ فَتاةٍ خائبةٍ
حينَ يُعَبِّئونَ أحْلامَهُمُ المُجْهَضةَ في دَواوينَ
لا يَقْرَؤُها أحَدٌ.
الشُّعَراءَ الذينَ يَقْذِفُونَ الأعْداءَ بالمَجازِ
بَدَلًا مِنَ القَنابِلِ
وكَثيرًا ما يَرْسُمونَ غَيْمةً مُكْتَنِزةً
ثُمَّ يَطُوفُونَ عَلَى النَّدواتِ يَهْجُونَ اللهَ
الذي لمْ يَهَبْهُمُ المالَ اللازِمَ
لِشِراءِ مِظَلّةٍ.”
ويُهَيمِنُ حضورُ الشِّعرِ على رُؤيَةِ الشَّاعر عالمَهُ المَعِيشِ، يتبدَّى هذَا في نصِّه:”موسيقى ميتةٌ فوقَ جيتارٍ مهشمٍ “:
“أنا شاعِرٌ فَقيرٌ جدا
حينَ يَجُوعُ أطْفالي..
أدُسُّ في حُلُوقِهِمْ قَصائدَ طازَجةً
وحينَ تَخافُ زَوْجتي مِنَ المُسْتَقْبَلِ..
أُخَبِّئُها في هامِشِ أحَدِ النُّصوصِ الرَّديئةِ؛
لأنَّي أعْلَمُ أنَّ أعينَ الشَّياطينِ مَلُولةٌ بطَبْعِها
ولا تَمُرُّ إلا عَلَى المُتونِ.

بَدَلًا مِن الجُبْنِ والخُبْزِ، وحَليبِ الأطْفالِ المُعَقَّمِ..
اشْتَرَيْتُ دِيوانَ شِعْرٍ، ورُزْمةَ أوْراقٍ
«أنتَ أبٌ سَيِّءٌ جِدًّا!»
هَكَذا صَرَخَتْ زَوْجَتي، وهْيَ تأْكُلُ الدّيوانَ بِغَيْظٍ،
لَكِنَّها تَرَكَتْني ألْعَقُ الجُمَلَ التي عَلِقَتْ بِشَفَتَيْها
حتّى آخِرِ حَرْفٍ في كَلِمةِ «أُحِبُّك»!”
ويظلُّ هاجسُ الشِّعرِ مُلازمًا لهُ، في شتَّى جوانبِ حياتِهِ، ثمَّ يتعدَّى أفقَ الحَيَاةِ إلى التَّفكيْرِ في مصيرِهِ منْ بعدِهِ، يقولُ في نصِّهِ: “أمشطُ شعرَ أحلامي في مرآةٍ جديدةٍ”:
“حينَ أموتُ
لا تَحْمِلوني إلى القَبْرِ مُباشَرةً
أُريدُ أوَّلًا..
أنْ أُشاهِدَ زَوجَتي وهيَ تُلْقيْ كُتُبِي
في أوَّلِ عَرَبةِ (رُوْبابيكْيا) تَمُرُّ أسْفَلَ نافِذَتِها.
أنْ أحْضُرَ إبْرامَها لِصَفْقةٍ مُخْزِيةٍ
مَعَ صاحِبِ المَطْعَمِ الذي يَحْتَلُّ ناصيةَ شارِعِنا
حتى تستبدِلَ بأوراقي
بَعْض أقْراصِ الطَّعْميةِ
أُريدُ أنْ أَكُونَ قَريبًا مِن قَصائدي في هذِهِ اللَّحْظاتِ المؤْلِمةِ..
قَصائدي التي سَتَمْتَلِئُ مَعِدَتُها الرَّقيقةُ بالزَّيتِ
ولنْ تَكُفَّ عَنِ السُّعالِ.
زَوْجَتي أيضًا سَتَسْعُلُ بِشِدّةٍ
وهي تَقْذِفُ الأقْراصَ الساخِنةَ في فَمِ أبْنائي
وتَصْرُخُ كقائدٍ مَجْنونٍ مُنْتَصِرٍ:
«كُلوا يا أطْفالُ..
أخِيرًا.. أصْبَحَ لِـهُراءِ والِدِكُمْ جَدْوَى»!
ويُحدِّثُنا عنْ اسْترتيجيَّاتِ إنتاجِ نصِّهِ، وبرنامجِهِ الشِّعريِّ، في نصِّهِ: “لَكْمة مِنْ قَبْضةٍ قَديمةٍ”؛ فيقولُ:
“أنا شاعِرٌ لا يُجيدُ الإمْساكَ بتَلابيبِ فِكْرَتِهِ
ولا يَعْرِفُ كَيْفَ يُوَظِّفُ أدَواتِهِ لِكِتابةِ نَصٍّ جَيِّدٍ
مَثَلًا.. حينَ حاوَلْتُ أنْ أكْتُبَ عَنْ حُقولٍ خَضْراءَ
وفَرَسٍ أبْيَضَ يَعْدو كَسَهْمٍ
وصَبِيٍّ يَقْطِفُ حَبّاتِ البُرْتُقالِ
ويَضْحَكُ لِفَراشةٍ مُلَوَّنةٍ تَرْقُصُ فَوْقَ رَأْسِهِ..
عِنْدَها أطَلَّتْ عَيْنا حَبيبَتي القَديمةِ مِنْ أعْلَى الوَرَقةِ
وكَغَيْمةٍ لمْ تَعُدْ تحْتَمِلُ ثِقَلَ مَثانَتِها..
أفْرَغَتْ حَبيْبَتي كُلَّ دُموعِها عَلَى المَشْهَدِ
غَرِقَ الحَقْلُ، وهَرَبَ الفَرَسُ، وبَكَى الصَّبِيُّ حائرًا
بَينَما تَلَطَّخَتِ القَصيدةُ بدِماءِ فَراشةٍ بريئةٍ!”
وللمِخْيالِ دورٌ رئيسٌ في إنتاجِ شِعريَّةِ القليني، وهو في عَملِهِ التَّصويريِّ يشقُّ المَجَازَ بعصَا المَجَازِ، وينتهِكُ المَجَازَ بالمَجَازِ، يقولُ في قصيدتِهِ: “يا بائعَ الأقفالِ”:
“يا بائعَ الأقْفالِ.. دُلَّني علَى قُفْلٍ قَويٍّ
أُغْلِقُ بِهِ ذلِكَ البابَ في ذاكِرَتي،
البابَ الذي تَجْتازُهُ حَبيبتي القَديمةُ كُلَّ مَساءٍ
لِمُجَرَّدِ أنْ تَقُومَ بِطِلاءِ حَنْجَرَتي
بالأُغْنِياتِ الحَزينةِ!
يا بائعَ الأقْفالِ.. لا تَدَعْني أتَعَثَّرْ كُلَّ صَباحٍ في ضَحِكةٍ
تَتْرُكُها حَبيبتي عَمْدًا على السِّجّادةِ
ولا تَدَعْني أشْتَرِ كُلَّ يَومٍ فِنْجانًا جَديدًا
لأنّي لا أسْتَطيعُ أنْ أغْسِلَ أحْمَرَ شِفاهِها
الذي تلَطَّخَ بِهِ فِنْجانُ قَهْوَتي
وهيَ تَرْشُفُ آخِرَ قَطْرةٍ فيهِ
يا بائعَ الأقْفالِ!
يا بائعَ الأقْفالِ!
يا بائعَ الأقْفالِ!”
ويمتلِكُ القِلِّيني قدرةً وَاضِحةً على تفجيْرِ شِعريَّةٍ طازَجَةٍ، وعفويةٍ معًا،عَبْرَ تشكيلاتِهِ المَجَازيَّةِ السَّرديَّةِ، ومنْهَا قولُهُ في نصِّ: “قصيدة عنْ البَحْرِ”:
“كَتَبْتُ بالأمْسِ قَصيدةً عنِ البَحْرِ
رُبَّما يُفَسِّرُ هذا سِرَّ تِلْكَ السَّفينةِ
التي وَجَدَها أحَدُهم عالِقةً فَوْقَ ياقةِ قميصي.
حتّى زَوجتي.. حينَ أرَدْتُ أنْ أُقَبِّلَها هذا الصباحَ..
فُوجِئْتُ بِها تتَراجَعُ مَذْعُورةً
مؤكِّدةً أنَّها شاهَدَتْ قُرْصانًا بعَينٍ واحِدةٍ
يُطِلُّ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ أنْفي،
ويُشْهِرُ في وَجْهِها بُنْدُقيّةً سَريعةَ الطَّلْقاتِ!
لكنَّ الذي جَعَلني لا أتَرَدَّدُ في تَمْزيقِ القَصيدةِ..
هو ذَلِكَ العَجوزُ الذي تَحَرَّشَ بِطالِبةٍ أمامي
وبَدلًا مِن أنْ أتَفَوَّهَ بِكَلِماتٍ أنْهَرُهُ بِها..
وجَدْتُ مَوجةً عاتيةً تَخْرُجُ مِنْ فَمي،
جارِفةً العَجُوزَ أمامَها حتَّى آخِرِ الشّارِعِ!”
ولا يبتعِدُ المِخيالُ عنْ الواقِعِ في خِطابِ القِلِّيني؛ فيتجاوَرُ اللغويُّ واليومِيُّ، دونَ التَّغاضِي عنْ جماليَّاتِ القُبْحِ في المَعِيشِ اليومِيِّ، يتبدَّى هذا في نصِّهِ: “حبيبتي تنفخُ مللها في رئةِ القصيدةِ”؛ الَّذي يقولُ فيْهِ:
“بدلاً من الحبرِ..
سَأَمْلأُ مَعِدةَ قَلَمي بِبُصاقِ عَجُوزٍ
تَبْحَثُ في أكْوامِ القُمامةِ عنْ شَيءٍ يؤْكَلُ.
وبَدَلًا مِنَ العِطْرِ..
سَأَنْثُرُ علَى قَصيدَتي الجديدةِ أنْفاسَ عامِلِ نَظافةٍ
لَمْ يَغْسِلْ أسْنانَهُ مُنْذُ شُهورٍ
لِمُجَرَّدِ أنَّهُ لَمْ يُوَفِّرْ ثَمَنَ مَعْجونِ الأسْنانِ.
وبَدَلًا مِن المَجازِ الفاقِعِ
سَأُزَيِّنُ وَجْنَتَيِ القَصيدةِ بسُخامٍ أسْوَدَ
يتَصاعَدُ مِن فُرْنِ امْرأةٍ تُعِدُّ العَشاءَ لابْنِها
الذي ماتَ في الحرْبِ مُنْذُ سَنواتٍ
ولَمْ تَتَسَلَّمْ جُثَّتَهُ بَعْدُ.
أعْرِفُ أنَّ أغْلَبَ الجَميلاتِ اللَّواتي يَقْرأْنَ أشْعاري..
سَيَبْتَعِدْنَ عَنّي مُنْذُ هَذِهِ اللَّحْظةِ؛
فأُنُوفُهُنَّ الرَّقيقةُ لَنْ تَحْتَمِلَ
رائحةَ الأحْلامِ المُمْتَزِجةَ بالعَرَقِ،
وشِفاهُهُنَّ التي تشَقَّقَتْ مِن النَّميمةِ
لنْ تَسْتَسيغَ مَذاقَ الشِّياطِ
الذي سَيَتَصاعَدُ مِنَ الوَرَقِ
لَكِنّي لَنْ أهْتَمَّ كَثيرًا بأمْرِهِنَّ.
حتى حَبيبَتي لَوِ اشْمَأزَّتْ مِنْ رائحةِ قَصيدتي الجديدةِ
سَأُخْبِرُها أنَّ رائحةَ القَصيدةِ أفْضَلُ بِكَثيرٍ
مِن رائحةِ عِطْرِها الثَّمينِ!
وكَنَوْعٍ مِن التأْكيدِ على كلامي..
سألْتَهِمُ القَصيدةَ أمامَها بِكُلِّ اسْتِمْتاعٍ!
ولِأَزيدَ في إغاظَتِها..
سألْعَقُ شَفَتَيَّ بِبُطْءٍ وتَلَذُّذٍ،
بالضَّبْطِ.. كَما كُنْتُ أفْعَلُ بَعْدَ كُلِّ قُبْلةٍ لِشَفَتَيِها!”
ويُعلِنُ، في نصِّهِ: “حَقيقة عَارِيَة”، أنَّه:
“يَحْلُمُ بأنْ يَخْلَعَ المَجازَ في أحْيانٍ كَثيرةٍ؛
لِيَنامَ عارِيًا علَى فَخْذِ النَّصِّ
يَنامُ بِلا قِطْعةِ مَجازٍ واحِدةٍ
ورَغْمَ ذَلِكَ يَبْدُو جَسَدُهُ فاتِنًا لِكُلِّ المَارّةِ!”
وفي أحْيانٍ كثيرَةٍ، يسخَرُ القِلِّيني منْ المِخيالِ التَّقليديِّ ، في نصِّهِ: “حِكْمة”؛ فيقولُ:
“على عَكْسِ كُلِّ الشُّعَراءِ:
أنا لا أُحِبُّ القَمَرَ.
في صِبايَ شاهَدْتُهُ يكْشِفُ
صَدْرَ جارَتِنا العَفيفةِ لِمُغْتَصِبيها.
ولا أُحِبُّ السُّحُبَ
فقدْ تَقَيَّأَتْ إحْداها فَوقَ رأْسَ جَدّيْ العَجوزِ
وهوَ يُهَرْوِلُ لِشِراءِ دَواءٍ
لأُمّي المُسْجاةِ على طاوِلةِ المَوتِ.
لكِنّي أُحِبُّ اللهَ
وأَعْلَمُ أنَّ له حِكْمةً
مِنْ أنْ تُمْطِرَ سَحابةٌ
في المكانِ الخَطَأِ
ومِنْ أنْ يُضيءَ القَمَرُ
طَريقَ أشْخاصٍ سَيِّئينَ.”
وتُشدِّدُ شِعريَّةُ القِلِّيني على بنيَةِ المُفارقَةِ في إنْتاجِ شِعريَّةِ الخِطابِ، ومنْهَا قولُهُ في نصِّهِ: ” البندقيةُ لا تطبعُ قبلةً على خدِ عصفورةٍ “:
“خَطَرَ عَلى بالي ذاتَ مرّةٍ
أنَّ النُّجومَ قَدْ تَصْلُحُ لِحِياكةِ سُتْرةٍ مُضيئةٍ
سُتْرةٍ أحْضُرُ بها أُمْسِياتِ الشِّعْرِ
وأتْرُكُ ضَوْءَها يَبْهَرُ عُيونَ أصْدقائي الشُّعَراءِ،
أوْ أنَّني قَدْ أسْتَخْدِمُها كَزِينةٍ
لسَهْرةٍ رُومانْسِيّةٍ
أُمْضيْها مَعَ حَبيبَتي علَى حافّةِ العالَمِ،
أو حتَّى قَدْ أسْتَعْمِلُها كَمَخْبَـإٍ سِرّيٍّ
حينَ أُفَكِّرُ في الهَرَبِ
مِنْ أحْلامي المُسْتَحيلةِ،
أوْ أنَّها قَدْ تَكونُ مُلْهِمةً
لِكتابةِ قَصيدةٍ
تُؤَسِّسُ لِمَرْحَلةٍ جَديدةٍ في شِعْرِ ما بَعْدَ الحداثةِ
آااااااااااااااااهٍ!
الشُّعَراءُ هَؤُلاءِ سُذَّجٌ للغايةِ!
ورُومانْسيّونَ لِدَرَجةٍ مُضْحِكةٍ؛
فالنُّجومُ – يا صديقي- لَمْ تُخْلَقْ إلا للنَّومِ
فَوقَ أكْتافِ الضُّـبّاطِ!”
وعَبْرَ بنيَةِ المُفارقَةِ يكشِفُ القِلِّيني مَرَارَةَ الواقِعِ ومأساويَّتِهِ، وهو مَا يُمْكِنُ ملاحظتُهُ كذلكَ في نصِّهِ: “أَرْكُضُ طاويًا العالَمَ تحْتَ إبِطي”:
“الشُّعَراءُ أيضًا يذْهَبونَ إلى الحَرْبِ
يَدُسُّ أحَدُهُمْ في يَدِ الشاعِرِ بُنْدُقِيّةً
بَدَلًا مِن القَلَمِ
والمُشْكِلةُ: أنَّ البُنْدُقِيّةَ لا تَعْرِفُ كَيفَ تَكْتُبُ
فقطْ.. كُلُّ الذي يَرْبِطُها بالقَصيدةِ
أنَّ كِلْتَيهما تُوَجَّهُ إلى القَلْبِ.

وعندما يَشْتَدُّ الوَطيسُ
يَنْسَى الشّاعِرُ أنه شاعرٌ
فلا يَلْتَفِتُ إلى أنَّ ابْتِسامةَ جُنْدِيٍّ جَريحٍ
لَمَحَ زَوْجَتَهُ تُلَوِّحُ لَهُ قَبْلَ أنْ يَموتَ
قدْ تَصْلُحُ مَدْخَلًا مُدْهِشًا لِقَصيدةٍ جَديدةٍ
وأنَّ عَينَيِ الفَرَسِ الذي يَمْتَطيهِ عَدُوُّهُ
تُشْبِهانِ كَثيرًا تِلْكَ القَصائدَ التي خَبَّأَها
في حَنْجَرةِ حَبيبتِهِ القديمةِ
وأنَّ الأرْضَ التي يقِفونَ فَوقَها
مُجَرَّدُ وَرَقةٍ بَيضاءَ في الأصْلِ
كُلُّ الذي حَدَثَ أنَّ شاعرًا سيِّئًا
قد سَكَبَ عليها قِنّينةُ حِبْرٍ أحْمَرَ.
إنَّ صوتَ القِلِّيني يحمِلُ الكثيْرَ، ويعِدُ بالكثيْرِ؛ شَأنَ الحقيقيِّينَ الَّذينَ يُولدُونَ مُكتمِلِي النِّمو، مُنذُ أعمالِهِمْ الأُولى..

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.