جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

دراسة قدمها أ. د. محمد عويد محمد السايرفي ديوان (مكابدات الحافي) للشاعر العراقي عبدالأمير خليل

0 45

الآخر في ديوان (مكابدات الحافي)

للشاعر عبد الأمير خليل مراد

أ . د.  محمد عويد محمد الساير

 أول ما قلّبت ديوان الشاعر العراقي المعاصر عبد الأمير خليل مراد الجديد في الطبع و النشر و الإشهار والنظم الذي وسمه بـ : (مكابدات الحافي)، عنّت لي بعض عناوين مقالات للكتابة فيه، فمنها جماليات المكان، و منها جماليات الألوان، و منها التعالق النصي ولاسيما التعالق النصي التراثي الأدبي ومنها… ومنها… ومنها. و لكن وفي الطريق الواصل بين مدينتي ومدينة قريبة منها فكّرت في دراسة الآخر في هذا الديوان الشعري الذي هو – كدواوين الشاعر الأُخرى – صارخُ بلغة شعرية عالية، بموسيقى قوية وافقت هذه اللغة في التعبير عن المشاعر، وأبانت عنها نصوصه الشعرية الكثيرة . والآخر في الدرس الأدبي النقدي موضوع فلسفي اجتماعي نفسي شامل . فهو ينفتح على الأبعاد البنائية للنص الشعري، كما إنه يكوّن لوحات النص الشعري من العنوان إلى الخاتمة ولاسيما مع تجلّيات الذات الشاعر التي تظهر من خلال الآخر في أَي نَص شعري تقريباً ، وهذا الأمر كثيراً ما لوحظ مع ديوان الشاعر عبد الأَمير مراد الأخير. من أَول العنوان الرئيس أو من أول العتبة المركزية للديوان في تسمية قصائده     ( مكابدات عاشق ). ولنا أن نلقي نظرة نقدية أدبية على سمات هذا الأخر في شعر الشاعر في ديوانه هذا من أول عنوان القصيدة إلى آخر لوحة في آخر نصٍّ فيه. 

في العنوان الرئيس والعتبة المركزية الأَولى وهي أَول ما يجذب انتباه القارئ وأَول ما يفكر فيه المتلقي (مكابدات عاشق)، نرى سمات الآخر واضحة بنية من خلال الكلمتين، و من التركيب النحوي بين المضاف والمضاف إِليه والمبتدأ المحذوف والكلمة الأولى بالجمع مكايدات إذ نبصر عمق تشنج الذات في تكوين الآخر الحافي، ذلكم الرجل المتصوف الذي عُرف بورعه وتقواه وصبره على النائبات في كل مكان، هو الشاعر عبد الأمير اليوم كما يتضح من الديوان نفسه وما فيه من مشاعر وآهات و أغراض . 

المكابدات هنا هي الاغتراب النفسي و الاجتماعي و العاطفي نحو الآخر الحافي. وما تثيره هذه الشخصية من بوحٍ لهذ المشاعر النفسية والاجتماعية والعاطفية حين السماع بها لأول وهلة . 

المكابدات هنا هي رثاء الوطن وما حلّ فيه وما يعاني فيه الناس ولاسيما من المثقفين والأدباء و أَصحاب الكلمة الإبداعية، و هي ذلكم الحافي الذي كان غريباً بين أهله غريباً في موطنه غريباً في دينه عن الكثيرين من أبناء مجتمعه. عبد الأمير الحربي هنا كان الآخر في تعبيره، وكان الذات في موضوعه وفنه . 

المكابدات هنا هي التراث الأدبي الأصيل حين نبصر قصيدة عن استنطاق الرمز التراثي الأدبي طرفة بن العبد ، وهو ما يرسم معاني للمكابدات لتورط هذا الشاب المغامر الجاهلي في المحظورات التي أدت إلى قتله و تشويه صورته . 

المكابدات الآخر هو الجمع بين المصير المحتوم لهذا الشاب، وبين حياة الشاعر عبد الأمير مراد في واقعه و مكانه، مشاعر كثيرة اتّشحت بالغربة والبكاء على الماضي والحاضر والخوف من المستقبل تجمع بين الشخصيات الثلاث        طرفة.    

 في تكوين الآخر المشبعة تماماً بعشق الذات الباكية المتأَلمة التي تريد أن تبوح بما فيها من خلال الآخر في هذه الشخصيات مجتمعة، وما تنطوي عليه كل شخصية من دلالات، وما ترمز إِليه من إِشارات وفّق إِليها الشاعر في التقاطها وجعلها في بوتقة إِبداعه الشعري،  في البوح عن مشاعره النفسية الآنية و المستقبلية في وقت واحد . 

إذا مضيتُ قدماً في استنطاق كمية الآخر من خلال ديوان الشاعر عبد الأمير الحربي في (مكابدات الحافي)، أقف على عتبة الإهداء في ديوان هذا الشاعر إذ نرى في نهاية الإهداء هنا قول الشاعر عبد الأمير مراد بكل جرأة وصراحة : 

إِلى …

بشر الحافي الذي قذفَ مدرعته وهام في 

الشوارع و هو يصرخ … أَنا الحافي …                                    ( ديوانه : 5 ).

الصراخ هو هذا النشيج النفسي الذي يريد البوح عنه الشاعر ، و هذه الكلمات التي تكررت فيه الشخصية (الحافي + الحافي) ، وهذه العتبات المكانية من الشوارع وبالجمع التي تدلُّ على تشتت الذات وغربتها وحيرتها وضياعها في زمنها عما أسلفتُ الحديث عنه في التعريف بالعنوان الأول وبالعتبة الرئيسة المركزية في أول المقال. هنا أدخل إلى معترك النص الشعري الإبداعي عند الشاعر عبد الأمير مراد في ديوانه هذا، أُحاور تجليات الآخر في شعره من خلال مرتكزين أساسيين هما : 

أ. الآخر و عنوان النص الشعري . 

ب. الآخر في لوحات النص الشعري . 

تلج المرتكزين بعناية نقدية وبأسلوب أدبي نفسي يكشف دلالات الآخر ويبني الفهم النقدي الأدبي لدى المتلقي الحصيف حين يطلع على ديوان الشاعر عبد الأمير ويروم قراءته و فهمه، فنقول – ومن الله التوفيق و السداد دائماً . 

إِنَّ العنوان أَول ما يصافح ذهن المتلقي و هو أول ما يدور عنه السؤال ما مقصد الأديب ؟ وما يريد من النص الشعري أو غيره ؟ وما هو غرض النص وموضوعه ودلالاته…؟؟ 

الآخر الشخصية كانت مترفة جدا في رسم دلالات الذات والتعبير عن مشاعرها وكنه أَفكارها وما تريد إيصاله إلى المتلقي من خلال الشخصية وهذا ما كان مع عناوين نصوصه الشعرية من مثل العناوين الاتية : التلميح بالشخصية و التعبير عنها بشكل غير مباشر: 

1.    تهجدات في حضرة الذبيح، ديوانه (7+ ١٣) .

2.    مرآة السندس، ديوانه  (٣٨  – ٤٨).

3.    أبوّة، ديوانه (١٠٥ – 10٩) .

ومن خلال تلكم العناوين التي وضحت فيها الشخصية مباشرة وبكل صراحة، من مثل عناوين قصائده الشعرية في ديوان الشاعر هذا: 

  1. مكابدات الحافي، ديوانه (14-21).
  2. جواد سليم يعود من موته، ديوانه (31-37).
  3. من أحوال الحافي وأماليه، ديوانه (58-104).
  4. من تجلّيات الشابي، ديوانه (110-114).
  5. طرفة يغادر دائرة الاحتمال، ديوانه (124-127).

وهذه العناوين للقصائد كلّها الصريحة وغير الصريحة كانت مدعاة لتوافر الذات في البنية ورسم التعبيرات في الاحساس بالاخر. وهذه المزاوجة البنائية بين الذات والاخر شكلّها العنوان (الصريح وغير الصريح) في رسم الآخر والبوح من خلاله عن مشاعر الذات في أي موقف تمرّ به، وفي أَية حادثة تتعرض لها، وفي أَي نبأ مُسرٍّ او محْزنٍ تروم الحديث عنه ونقل مشاعره إِلى المتلقي.

وفي اللوحات الشعرية كلّها التي كوّنت أيَّ نصٍّ شعري عند الشاعر عبد الأمير مراد في ديوانه هذا، نرى ولاسيما مع النصوص الشعرية الطويلة نسبياً أبعاد الاخر ودلالاته تتجلّى مع كل لوحة شعرية، وهذه التجلّي إنما بان كلما قربت الذات من الاخر وأصبحتا في حدٍّ واحد وفي تعبير شعري واحد وفي نص شعري واحد. ربما أميل إلى النقد في إظهار تجليات الاخر من خلال عنوان النص الشعري في ديوان (مكابدات الحافي) أقطفُ نصاً شعرياً يتجلّى فيه الاخر بشكل مُلَمحٍ وغير مباشر وهو نصه الشعري (تهجدات في حضرة الذبيح) وهذا النص هو نصٌ يبدو فيه التعالق الديني بامتياز، عن مأساة الحسين – عليه السلام- ، وعن المفاتن الكبرى التي خلّفها قتله بهذه الطريقة الكريهة البشعة، وما حلّ بالأمة الاسلامية من ويلات جرّت عليها الكثير من المحن جرّاء الظلم الذي حاق بالسبط وأهله وقومه. والنص الشعري هنا يجمع بين مفارقات وتضادات أكثر من ذلك. لوحته الشعرية الثالثة التي يقول فيها:

كيفَ تراني وأراكَ؟ 

كيفَ أقطّرُ رُوحي في نجواكَ؟

كيفَ سأمحو بسؤالي من عَاداكَ؟

كيفَ أُصلّي في محرابكَ مفتوناً؟

وأرى فَلَكي دوّارًا 

يتهجّى ملكوتَ السّاعةِ في ضجرٍ

ويقولُ :

ها أنذا في بابكِ أنقشُ اسمي 

وأقولُ لناياتي 

في هذا المَنْحرِ أختزل الدّنيا 

وأرى سُبحاتي تَتوضّأ 

بالنّورِ الأعظم وهو يغازلُ ظلّي 

ها أنذا سبطُ أبي القاسمِ فاحملني 

في سِككِ الجنّةِ كي ألقاك.                           (ديوانه: 9-10).

نلحظ اللوحة مغازلة حقيقية المشاعر والتعبير بين الذات – الشاعر الصريح، والاخر،    الحسين الذبيح.

وهذه المغازلة بانت من خلال الاستفهام الانكاري منذ أول لوحة وهي أول النصح تجمع بين الضديات الثنائية بين الحرب والسلام، بين الأبيض والأسود، بين الجرح والدواء في قوله في لوحته الشعرية الأولى من نصه الشعري هذا:

لمْ أسألْ عن هذا القلْبِ المَجْروحِ 

عن سبطٍ يمشي مذبوحًا 

في يَدِهِ كونٌ أبيضُ وحمامةُ 

بوحٍ وسلامْ 

تتبرّجُ في هذا العالمِ 

وهي تُضوّي راياتٍ للعشْقِ 

وأخرى تَتْويجًا لبَني الإنسانْ.                         (ديوانه:7).

في هذه اللوحة الشعرية وهي مفتتح النص الشعري برسم الشاعر عبد الأمير خليل مراد مرادمشاعر نحو الاخر المثال الأنموذج في العطاء وحب الإنسانية والتضحية في سبيل القيم والمبادئ من أجل سمو الانسان ورفعته وعلوّ شأنِه.

واللوحة الشعرية هذه زاخرةٌ بالأَلوان ومؤثرات الضياء من الأَبيض وغيرها، فضلاً عن رمز هذا الحيوان الجميل الحمائم وهذا الرمز -كما يعرف الجميع- يدلّ على الطهارة والصفاء والنقاء والأَمل بوداعته وهدوئه وجمال منظره.

العنوان هو الآخر وفي الوقت نفسه هو الذات التي تبحث عن هذا السلام وعن هذا البياض في كل زمان ومكان. والعنوان هو الآخر   الشهيد، وهو الذات الباكية ولكن بعنفوان البطولة والإباء على ذلكم الشهيد.

ومن هنا، ومن خلال عناوين القصائد الأُخرى التي تناثرت في الديوان نرى عمقاً في استنطاق الآخر من خلال العناوين غير المباشرة الملمِحة إلى الذات وإلى الآخر في آن معاً. والشاعر سخّر طاقاته الشعرية التعبيرية وما في النص الشعري من مكونات لغوية وبنائية ودلالية وموسيقية من أجل رسم هذا الآخر غير الصريح والبوح من وسطه وعبر آثاره التاريخية الدينية الاجتماعية السلوكية عن الذات الباكية الحزينة لما يحدث في قوم هذا الآخر البعيد الذي كان يتمنى أن يكون الناس سواء في الخُلق والمحبة والتعاون والعيش الهانئ ومقاتلة الظالمين الاشرار في كل وقت وفي أي مكان.

وأَمّا عن القصائد الشعرية وعناوينها ذات التعبير المباشر والصريح عن الآخر، فكانت هي الأُخرى معبّرة أحسن تعبير عن مشاعر الذات    الشاعر وما تريد. ولنقطف نصاً شعرياً آخر من بستان قصائد ديوان (مكابدات الحافي) لنعرف دلالة هذا الآخر وعمق تكوينها وكيف تشكّلت والذات بشكل صريح ومباشر بعدما عرفناها ووسائل تشكيلها في العناوين غير المباشرة غير الصريحة.

من عناوين قصائِده الشعرية التي حملت الآخر مباشرة و صراحة قصيدته الشعرية التي عنوانها (من أَحوال الحافي وأماليه).

وهي تتكون من لوحات عدة كلّها تبدأ بقول الشاعر وعباراته (أَنا بشر الحافي)، و(أَنا بشر)، ومن خلال هذه العبارة المتشابهة المتكررة في مفتتح كل لوحة يبوح الشاعر عبد الأمير خليل مراد بمشاعره الآنية التي يروم البوح بها، مشاعر اختطّها الزمن وبناه الشجن في الوجدان والحياة المعيشة والتعالق مع التراث ولاسيما التراث الديني الزاهد الواعظ الذي تعبر عنه الشخصية وما تثيره من تداعيات نفسية ووجدانية تسقطها على الذات    الشاعر، وترسم عواطفها ونصوصها الشعرية تلكم النصوص الشعرية التي تنقل إِلينا بثقة ودقة وموضوعية ما يريده الشاعر من استنطاق الآخر وأثره في المجتمع الذي عاش فيه، وما يمكن أن يثيره في المجتمع الذي نعيش فيه. يقول الشاعر عبد الأمير خليل مراد في اللوحة الأولى من نصه الشعري هذاك:

أنا بِشرُ ولحافي 

الحزنُ ضميري ولحافي

والدُّنيا كم رسمتْ 

في عينيَّ شقاءَ

حتّى أَضحى من سُحنةِ أَوصافي                                        (ديوانه:58).

اللوحة هنا ضربات موسيقية في القوافي في لقاء المهموس والكسرة والياء لتدلّ على مدى الشعور بالانكسار والحزن والضعف والشقاء. والصورة بـ(السُّحنة) الهيئة أو الشخصية للذات وهي تحاور الآخر وتكشف بصراحة ووضوح مدى خيبة الإنسان في المجتمع اليوم، ومدى بؤسه ومعاناته مما يشاهد ويسمع ويشعر، وللأسف الشديد…؟!؟!

وأمّا في اللوحة الشعرية الثانية من النص الشعري فهي صور في صور، صور لمظاهر الطبيعة، وصور للدنيا يُشمُّ فيها رائحة التعالق النصي الأدبي مع المتنبي صوراً لطبيعة مذبوحة، صوراً قاسية الرسم، عنيفة الشعور، دقيقة التعبير عن الواقع من خلال الآخر في مفتتح اللوحة. يقول الشاعر عبد الأمير مراد:

أنا بِشر الحافي 

اضمتني الدُّنيا وسقتني

صرراً من شُوبٍ مُرٍ 

ورمتني في دوحةِ أطيافْ 

أتشظَّى عصفوراً مذبوحاً

بينَ هديرِ القسطلِ أو زفزاتِ

الأسيافْ                                                                (ديوانه:59).

 قَسْ على ذلكم، من البراعة في التصوير وفي التعبير ورسم المشاعر وتكاتف الأصوات والموسيقى مع باقي اللوحات الشعرية في هذا النص الشعري، وكذلك في النصوص الشعرية الأُخرى التي استنطق فيها الشاعر عبد الأمير خليل مراد الآخر بشكل الصريح، وباسمه الكامل مع كل لوحة، ومع ما فيها من ألفاظ وتراكيب وصور أوضحت مشاعر الذات ووثّقت تجربتها القراءة، ومزاوجة هذا التخيّل مع الذات    الشاعر وكيف يعاني ويعاني في مجتمعه… ثقافياً وأدبياً وروحياً ومعاشاً.

أَما عن القسم الآخر من العنوان ودراستنا في هذا المقال مع الشاعر عبد الأمير خليل مراد في ديوانه (مكابدات الحافي) فيكمن في سلطة الآخر ودلالاته وتشكيلاته الاجتماعية والنفسية والأَدبية والفكرية والدينية في بنية النص الشعري وفي ثنايا لوحاته الكثيرة، ولاسيما وأَن بعضاً من القصائد طويلةٌ جداً موازنة مع الشعر العراقي المعاصر في حقب الشاعر وفي الحركة الأَدبية التي يعيشها العراق والعالم العربي اليوم، ولا أدلَّ على ذلك قصيدته التي حملت عنوان الديوان (مكابدات الحافي) وجسّدت معاناة الشاعر مع الآخر ومعاناته مع النص حتى أنتج نصاً شعرياً طويلاً بهذا الحجم، وهو ما يُحسب له في طول النفس الشعري، وفي ترابط لوحتي النص الموضوعية والعضوية في كتابه هذه النصوص التي غالباً ما يغفل عنه كثيرٌ من الشعراء اليوم.

في الدراسة النقدية جسّد الشاعر عبد الأمير خليل مراد في نصه الشعري استنطاق الآخر ودلالاته في هيكلية هذا الجسد وبنائه ومدلولاته، ولن أُعيد الحديث أو أُكرّره في كلامنا عن الآخر وعتبة العنوان، والمقصود من ذلك أني لن أتناول بالتحليل والدراسة عناوين نصوص الشاعر الشعرية في أثر الحافي وشخصيته هنا بعدما أَوضحتها وتطرقت إليها في القسم الأول من دراستي هذه حين تحدّثت عن عتبة العنوان الأخر وما كانت من الأهمية والتشكيل والتعبير.. كما أبانت الدراسة في الصفحات السابقة.

من تلكم القصائد التي دارت حول الآخر وأثبتت محاوراتها مع الذات قصيدته التي جاءت تحت عنوان :(جواد سليم يعود من موته)، مبدعٌ تشكيليٌّ آخر يستنطقه الشاعر عبد الأمير في ديوانه الشعري هذا، هو هذه الشخصية، هو هذا المبدع العراقي ذو الفن الأصيل ذو الفن الإبداعي المتميز  الذي ظلّ يترددُّ على مرّ العصور من ولادة إبداعه إلى يومنا هذا . ولعلّ المكان (ساحة التحرير) هو الذي أوحى للشاعر عبد الأمير خليل مراد هذا التعالق الذاتي مع الآخر، المكان هنا هو ليست الساحة وليس ذلك النصب الشاخص الخالد وإنما هو الوطن هو أَولئك الشباب الذين يتجمعون فيه وتحت نصبه من أجل الثورة على الظلم وعلى الظالمين… الثورة على الفاسدين فجواد سليم عند الذات هو ذلك المحرّر ولو من بعيد وهو ذلك الأمل الذي يعرف باسم (التحرير) من هؤلاء وما يفعلون وما سيفعلون؟؟؟!!!

هنا نقف على النص كاملاً جسداً بنائياً وشعورياً وعاطفياً من خلال الآخر   المبدع، والذات التي تحاوره باسم الحرية وباسم المكان الذي أَبدع فيه وعاش فيه ولن يموت فيه مادام هناك الأَمل، وما بقيت الحرية في عيون هؤلاء المتظاهرين وفي أَفعالهم واعتصاماتهم. يقول في مفتتح نصه الشعري (جواد سليم يعود من موته):

ليهنكَ إنّني في ساحةِ 

التحريرِ 

أُمرّغُ وجهي المقدودَ بالحنّاء 

والرَّجوى

وأقرأ في بقايا عمرِنا 

المأسور:

(موطني…موطني

الجلالُ والجمالُ 

والسناءُ والبهاءُ

في رُباك.. في رُباك)

فيأتي صوتُكَ الأُبهى بطيئاً

مثلَ آهاتِ تلاشت في نُجوم النُّصبِ 

أو في بهجة التصوير 

أنا جواد بن سليم                                                          (ديوانه:32).

هنا تتجلّى قمة الصراع والحوار مع الآخرين من خلال النصب وما يوحي إليه وما يشعر به، ومن خلال المتظاهرين وما يقومون به وما يريدون القيام به، ولذا نرى  التعالق النصي الأَدبي مع النشيد الوطني العراقي جسّد أروع تجسيد هذه القمة في الصراع والحوار ولاسيما في مفتتح النص الشعري الذي تداعت بعد كثيرٌ من اللوحات الشعرية التي تؤكد هذا الآخر وتوحي إليه وتُشعر به.

وتتكون اللوحات الشعرية الأُخرى لهذا النص من مزيد من الجراح ليبكي معها الآخر    جواد، وتبكي معها الذات الشاعر في بوتقة واحده من الأَلم والحسرة والضياع بعد التحرير والتفاؤل والنجاح. في مثل قوله الشاعر في مقطع شعري آخر من نصه الشعري هذا:

هنا أَبكي وناياتي أبعثرٌها

دِثاراً في دَجى البلوى

وعندَ المرتقى سأعودُ من موتي 

وأُعلنُ تلكَ أسمائي   

على الجدران يحفرُها الدّمُ

المهدورْ

هنا سأحطُّ فرشاتي 

وأَنثرُ جُثّتي في المرسمِ المهجورْ                                          (ديوانه:32).

هنا أيضاً تطابقت المشاعر والآهات بين الآخر والذات في نص الشاعر عبد الأمير خليل مراد الشعري، الشاعر هنا تحوّل إلى ذلك الرمز الإبداعي المتألق وما زال يتألق. الآخر هو الشاعر نفسه من خلال ألفاظه المكانية التي شاعت في المقطع الشعري السابق وفي أغلب مقاطع النص الشعري هو:(المرتقى، الجدران، الفرشاة، المرسم المهجور). كلّها تكاد تكون ألفاظاً مناوئه لترسم صورة المكان المعادي الجديد بعدما كان أليفاً محبباً يسعى كل عراقي وعربي الوصول إليه والتنعم بجماله وبدفء المكان فيه لأنه المكان الإبداعي المميز الذي يعبر عن التوق والحرية والخلاص . 

وقسّ على ذلك باقي مقاطِع النص الشعري عند شاعر عبد الأمير خليل مراد الحربي في نصّه الشعري هذا(جواد سليم يعودُ من موته) هو تمازج مع الآخر تمازج مع ارهاصات الواقع المشين تضادات بين الماضي والحاضر جهلٌ بالمستقبل. هو جواد سليم في ساحة التحرير، وعبد الأمير مراد في ساحة التحرير، هو الحرية القادمة هو هذا الشعور الحزين المشبع بأَلفاظ الحزن والكآبة والأَلم والحسرة يثيرها الآخر ويتبناها النص الشعري عند الشاعر أروعَ تبن من خلال هذا النص الشعري الإبداع الذي يحتوي مقومات النسج والأحكام والإتقان في الأَلفاظ والعبارات والتراكيب والصور والأَصوات والأَماكن والدلالات و يا له من نصٍّ يخامر القلوب والمشاعر والأَفكار.  

في النص الشعري الآخر الذي أُحاوره نقدياً وتفاعلياً بين الذات والآخر في شعر الشاعر عبد الأمير خليل مراد في ديوانه الشعري الجديد (مكابدات الحافي ) الذي حمل عنواناً هو:(من تجلّيات الشّابي الأخيرة). هنا ومن خلال العنوان أيضاً وضحت شخصية الآخر شخصية الثورة شخصية البطولة شخصية الإِباء والشموخ عند الإنسان العربي ولاسيما الشاعر والمبدع الثائر أَبو القاسم الشابي وهو في الثورة التونسية العربية، والعالمية الإنسانية على الظلم والفساد والطغيان. الآخر هو الذات في تطابق شعوري معرفي ثقافي ديني فلسفي تكشفُ عنه الذات وتبوح به من خلال الآخر. والنص الشعري برمته تعالق نصي أدبي في الألفاظ والروح. الشاعر الحرفي يميل الى التعالقات النصية الأَدبية في استنطاق الأَبيات الشعرية المأخوذة من ديوان الشاعر الشابي ولاسيما قصيدته الشهيرة التي اقتبس منها شاعرنا عبد الأمير الحربي بيتاً شهيراً جداً في مقطع شعري يقول فيه:

هذا أَبي يُنيخُ كلكَلَ العقيق 

في وضينهِ

ويوسمُ الألفةَ بالبهاءِ كنجمةٍ تنشُرُ اليقين من بلاغةِ 

الخنساءِ

ويدفعُ السطوةَ باليدين والحُجُولِ

والتعاسة

لكنني أَعثرُ بالعلامةِ

تصيحُ يا شقي 

(ومن يتهيَّب صعودَ الجبالِ

             يَعشْ أَبدَ الدهرِ بينَ الحفرْ)                              (ديوانه:112).

هنا المقطع الشعري مليئً بالحيوية والنشاط في الأَلفاظ والشاعر في هذه النفس الأبّية التي يركبها ليحلّق في دنيا الأمل وفي دنيا العمل نحو القمم بعدما استثاره بيت الشابي وشخصية الشابي فهو ليس أقل منه ولا أصغر منه وإنما هو الذات الجديدة المستنيرة بالآخر الجريء في العمل وفي التطلع نحو المجد والرفعة والسمو . الآخر هنا هو ذلك المثير لمشاعر الذات، والآخر هنا البوح عن الآمال التي ترافق الإنسان العربي بل وترافق الشعوب العربية للبحث عن العيش الرغيد العيش الكريم في البلد الكريم في الوطن الكريم.

وأما في نصه الشعري الآخر المعنون بـ:(طرفة يغادر دائرة الاحتمال)، فالشاعر عبد الأمير خليل مراد ينفرُ من ذلك الشاب على رغم إجادته للشعر والبراعة فيه، فهو يريد أن يكون الفتى الجديد ويريد العودة إلى الحياة بشموخ وعزّ وعنفوان، ولكن لا بأس من الإفادة الحقيقية من تجارب الآخرين ومواقفهم وما تعرّضوا له في الحياة بين المجتمع والقبيلة والقوم كما حدث للشاعر الجاهلي الذي قُتل شاباً طرفة بن العبد.

الآخر هنا دراما نفسية أدبية تشعرُ بها الذات وتتحدث عن تجربتها ولكن بأسلوب واقعي معاصر في التجربة الشعرية والشعورية معاً. كما يقول شاعرنا في اللوحة الشعرية الأولى من هذا النص:

ضيعتني الجزيرةُ والماءُ حولي 

زلال

كُلُّ ما أبتغيه انطوى في صهيل 

القرونِ

وهذا رَمادي في ساحة الاحتفال 

يُلوّنُ كعبَ الزمانِ ولا يرتجي سوى الشعرِ

أَرجوحةً

أَيا أيُّهَا القرويُّ تعالَ إلى مهرتي.. يا تعال                              (ديوانه:124).

النص الشعري هنا في الأَغلب تعتليه اللغة الشعرية الجزلة العالية والألفاظ القوية وحتى الصور ربما كانت عنيفة في بعض لوحات النص الشعرية لتوافق واقع الشاب الجاهلي في ألفاظه وتراكيبه وصوره وأمكنته. التجربة الشعرية عند الذات ومحاولتها مجاراة الشاعر القديم قبل الإسلام هي التي اعطت المساحة الأدبية لدخول مثل هذه الألفاظ والتراكيب والأصوات إلى النص الشعري العراقي المعاصر عند شاعرنا في ديوانه هذا وفي نصه الشعري هذا.

ولا ضير أَن تقفَ على الخاتمة لهذا النص الشعري وفيها يبدو التعالق النصي الأدبي واضحاً بيّناً بين النص الشعري العربي المعاصر والشعر العربي القديم في قول الشاعر العراقي المعاصر:

لخولةَ أطلالُها الباقياتِ 

على حجرِ الزمنِ الطُحلُبيّ 

ولي طللٌ من دُخانِ المواجعِ… يا صاحبي 

يستفزَ معي حاطِبُ الذكرياتِ

يوزعني في دفوفِ الحداثةِ… آهِ الحداثةِ

والثرثرات 

((تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليد))                                     (ديوانه:127).

هنا تبدو الخاتمة من خلال الآخر الشاعر الجاهلي وشعره خاتمة طيبة مطيعة للغرض الشعري ولما تريده الذات من تجلّيات أظهرها الآخر من العنوان إِلى آخر التعالق النصي الأدبي.

وهذا ما كان مع هذه الذات من الاستذكار للماضي ولتجربة هذا الشاعر الجاهلي و لحياته التي عاش فيها وقُتل من أجل ملذاتها ومفاتنها. الذات هنا مثقفة ببراعة حوّلت الماضي إلى الحاضر، وتركت بصمةً أدبيةً عاليةَ الجودة والفكر والمعاناة من خلال استنطاق واستذكار ذلكم الآخر وشعره الرصين الجزل المعبّر عما يريد وهو شاعر المعلّقة الشهيرة، ليكون شعر عبد الأمير خليل مراد الحربي بمثل ذلك الشعر في الجزالة والرصانة اللغوية والتعبيرية والموسيقية.

وهنا أختم مقالي ودراستي المتواضعة هذه بالدعاء بالتوفيق والنجاح والتألق لشاعرنا الحربي، وأتمنى أن يحظى شعره بمزيد من الدراسات والأبحاث التي تتناوله من خلال إجراءات النقد الأدبي ومناهجه المعاصرة فهو في ظنّي ومعتقدي ويقيني يستحق ويستحق، شاعر ينيرُ حركتنا الأدبية المعاصرة بجواهر شعرية سيُكتبُ لها الخلود والبقاء ما دامتِ الأرض والسماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.