جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

حكمة ضمن قصة قصيرة بقلم جهاد مقلد

0 59

حكمة ضمن قصة قصيرة بقلم جهاد مقلد

الذكاء فطرة
لاشك أن مثل هذه القصص التي جاءتنا من خلال موروثنا القديم… كانت وما زالت تعبق بطيب ريحهم، والمراد منها نقل تجاربهم في معترك الحياة لخلفهم بما تحمل من صلاح وخير للأحفاد المتلاحقة.

………….الذكاء فطرة………………
يحكى أن أحد الولاة أمر سكان مدينته بألّاتوقد الشموع في المدينة إطلاقاً تلك الليلة.
وفي الليل ذهب الوالي مع وزيره لتفقد تنفيذ أوامره، وإذ به يجد بصيصاً من النور يتسرب من أحد أقبية السوق!.
طلب من نائبه أن ينتظره في الأعلى، ونزل بنفسه إلى المكان الذي يتسرب منه النور، فوجد رجلاً عجوزاً يعمل على نول، فسأله:
_ لماذا لم تتقيد بأوامر والي المدينة؟ فاعتذر الرجل وقال:
_ أعمل ليلاً ونهاراً على هذا النول لأحصل على خمسة دراهم
_ وهل تستحق خمسة دراهم منك كل هذا السهر والجهد؟
_ نعم هم بركة من الله… والحمد له، أصرفهم على الحلال كما جاؤا
_ على ماذا؟ وكيف؟؟
_ درهم أسدد به ديني القديم، والثاني أرميه في السوق، والثالث أرميه إلى السماء، والرابع أطحنه، والخامس أرميه في البحر، فقال الوالي مستغرباً:
_ أتسخر مني أيها العجوز؟ ألا تعلم أنك تتكلم مع الوالي؟
_ عفوك يا مولاي ولكنني جاد فيما أقول
_ ما هذه الأحاجي؟! فسرها لي
_ كلا يا مولاي حاش أن أسخر من أحد فكيف منك يا مولاي… ولكن لن أفسرها لك سوى بثمن… إما بمثلها وذلك كي تعلم أني لا أسخر في قولي… وإما بمال تعطيني تدفعه لي…
_ حسن… بمثلها خذ هذه، ولا أضنك ستعرف الجواب… (إلى أين يدير الله وجهه)؟
قام الحائك من مكانه ووضع شمعة في زاوية مظلمة، ثم أشعلها وسأل الوالي:
_ إلى حيث يتجه نور هذه الشمعة يا مولاي؟
_ نعم أحسنت والحق معك إلى جميع الاتجاهات… هكذا يتجه وجه الله… لن أقدر عليك أيها العجوز تكفيك خمسمئة درهم وتفسرها لي، وبشرط ألّا تخبر أحداً بما دار بيننا

_ أمر مولاي… الدرهم الذي أسدد به ديني هو ما أصرفه على من ربياني وسهرا علي… أبي وأمي، والذي أرميه في السوق، هو لشراء الخيوط التي أعمل بها… أما الذي أرميه إلى السماء، فهو الذي أتصدق به طالباً المغفرة والجزاء… وأما الدرهم الذي أطحنه، فهو الذي اشتري به لقمة عيالي… وأما الدرهم الذي أرميه في البحر، هو الذي أصرفه على كسوة ابنتي وجهازها… فائدته في النهاية تعود إلى غيري… كما يقال: ( اعمل الخير وارمِ في البحر)
_ هاك النقود ولكن إياك أن تخبر أحد عمّا دار بيننا… ذهب الوالي وهو يتعجب من ذكاء هذا الرجل…
فقرر أن يختبر ذكاء وزيره، لذلك طلب منه أن يكتم ما دار بينهما…
وبعد تفكير طال… عجزالوزير عن الحل…
لكنه توقع أن يكون الحائك نفسه هو من القاها بالأمس على الوالي!
عاد الوزير إلى الحائك صبيحة اليوم التالي، سأله إن كان يعرف حلاً لذلك اللغز وقال له سأعطيك ألف درهم إن أخبرتني بما تعنيه في لغزك:
رفض الحائك في البداية، ولكن أغراء المال كان شديداً… أجاب طلبه، ثم ناوله الحائك المبلغ إلّا أنه أخذ من النقود مئة درهم وأعاد الباقي له…
عجل الوزير إلى الوالي وأخبره أنه عرف الحل:
فقال الوالي:
أصدقني القول، فأخبره أن الرجل تقاضى منه مئة درهم مقابل ذلك… جن جنون الحاكم! وأرسل يستدعيه، وحين حضر الحائك نهره قائلاً:
كيف لم تحفظ الوعد؟ ولماذا أخبرت الوزير وقد أمرتك ألّا تخبرأحداً؟! وكيف طلبت مني خمسمئة درهم ورضيت من وزيري بمئة؟
_ يا مولاي العهد بيننا أن لا أخبر أحدا بما دار بيننا، وليس حل الأحجية… أما لماذا رضيت من وزيرك بمئة درهم… فكل منكما أعطاني من قيمته وقدرِه… عرض علي الألف درهم… ولا يعقل يا مولاي أن أسمح لوزيرك أن يكون أكرم منك…
لقد جاءني ملهوفاً يريد الحل، بإمكاني أن آخذ منه آلاف الدراهم… لكنني رضيت منه بمبلغ أقل مما وهبتني أنت، لأنني لا أريد أن يكون وزيرك أفضل منك ولا مثلك بالكرم والعطاء.
_ أيها الحائك حقاً الذكاء فطرة… لايصلح سواك للوزارة… استلم مكانه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.