جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

حكاية يوسف (الجزء الثاني) القاص العراقي محمد جبر حسن

0 26

حكاية يوسف
الجزء الثاني

ركض يوسف صوب النهر بإتجاه القنطرة ملبياً كلام اخيه وهو سعيد جدًا، شعر لحظتها ان له حضوراً بين اخوته وليس فقط طفلاً مدللاً عند ابيه، وعندما وصل الى هناك مرَّ رجل يقود حمار عليه(خِرج) في احدى طرفيه صفيحة عسل وفي الأُخرى جوز وفستق، هذا الرجل يأتي مرة واحدة في كل شهر ويجول في قرى اليوسفية وما جاورها عارضًا حاجاته للبيع، وعندما رأى يوسف لوحده اقترب منه واعطاه قليلاً من الفستق وعرض عليه ان يصعد على ظهر حماره.. في البداية امتنع يوسف وقال انه سيرجع لإخوته..وأشار له الى حيث هم موجودون، لكن الرجل اغراه ببعض الحلوى وأقنعه بأن يركب معه الحمار ويذهب به الى اخوته وعندما يرونه سيضحكون كثيرًا.
ولأن براءة الاطفال لا تصمد امام لؤم الخبثاء وأساليبهم الملتوية اقتنع الطفل يوسف بكلام الرجل الذي حمله على ظهر الدابة واجتاز بها الى الجهة الثانية من النهر حاثاً الخطى ومتخذا طريقه الى خارج اليوسفية قبل ان ينتبه الأولاد الى ان اخاهم الصغير مختفٍ وغير موجود قرب القنطرة، عند ذاك تركوا ما في اياديهم وجاؤوا راكضين وهم ينادون بأعلى اصواتهم عليه دون جدوى، ورغم برودة الجو في ذلك اليوم رمى اثنان منهم انفسهم في النهر بحثاً عنه خوفاً ان تكون زلت قدمه وسقط فيه، فيما ركض الأربعة الباقون باتجاهات مختلفة في بساتين القرية.
وبما إن الأخبار السيئة تنتقل بسرعة، وصل خبر فقدان يوسف الى بيت والده الشيخ حمد السلمان الذي وقع عليهم كالصاعقة، هبّت العائلة كلها برجالها ونسائها الى الشوراع والمزارع وشاركهم بذلك جميع أهل القرية الذين خرجوا على بكرة ابيهم بحثاً عن يوسف ولم يتبق منهم احد في بيته إلّا(حسون العطية) صاحب المقهى الذي كان يستمع الى راديو اذاعة بغداد وهي تكرر بث النشيد الحماسي(لبيك يا علم العروبة كلنا نفدي الحمى) و نشيد(لاحت رؤوس الحراب) اللذان لا يتم إذاعتهما إلّا والدماء تسفك بعدهما.
وفعلاً هذا ما حدث فقد بدأت الإذاعة بعدها ببث بيان إنقلاب قوات تابعة للجيش على حكم الزعيم عبدالكريم قاسم..
عندها اخذ حسون العطية يلطم بيديه على رأسه وهو ينظر باكياً الى صورة الزعيم الذي يعشقه والمعلقة على احد جدران المقهى.
في ظهيرة هذا اليوم الموافق الثامن من شباط احتدم الوضع في عموم القرية التي فوجئ ناسها بخبرين مؤلمين في آن واحد( باعتبار ان المصائب لا تأتي فرادى) صار قسمٌ منهم قلقاً وخائفاً جدًا على مصير اولادهم الذين يعملون في معسكرات الرشيد وابي غريب وكذلك في وزارة الدفاع، بعد ان علموا ان هناك مواجهات دموية حدثت مابين القوات الانقلابية المهاجمة والقوات الحكومية المدافعة عن اماكنها..
عصرًا عاد اغلبية الناس الى بيوتهم بعد ان عجزوا عن ان يجدوا اثرًا ليوسف واحتسبوه مع الأطفال الذين يغيبون بين فترة وأُخرى ولا يعرف مصيرهم احد، بينما بقي الشيخ سلمان الحمد وأخوته وأولاده يجوبون في مناطق اليوسفية وضواحيها على أمل ان يجدوا يوسف او يعرفوا شيئاً عنه..
أما(بتّه) أُم يوسف فلا أحد يستطيع وصف حالها المؤلم، فقد ركضت مهرولة الى النهر ورمت نفسها فيه تبحث عن ولدها واخرجوها منه، وبقيت تلطم وتشدّ بشعرها ولم تتوقف عن البكاء والنواح حتى فقدت صوتها وأغمي عليها.
لم يتوانَ الرجل الذي خطف يوسف لحظة، فقد اسرع بالخروج من اليوسفية حتى وصل الى الشارع الرئيسي في المحمودية، هناك باع حماره والباقي من بضاعته برخص التراب وحمل يوسف الذي نام على كتفه من شدة الارهاق واستقل احدى الباصات المتوجهة الى(كراج العلاوي) في بغداد.
كانت الشوارع شبه خالية من السيارات الا ان هناك وجود لافت للنظر لتجمعات على شكل تظاهرات صغيرة يحمل بعض افرادها لافتات مؤيدة للزعيم وصورًا له.
ملامح الكارثة حلّت على بغداد فالطائرات الحربية تجوب سمائها وسماع اصوات الأسلحة الخفيفة والثقيلة تسمع هنا وهناك وخصوصاً قرب وزارة الدفاع حيث تحصن فيها الزعيم مع مجموعة من القادة العسكريين والضباط والمراتب وحوصروا فيها من قبل القوات الانقلابية التي قصفتها بالمدفعية وصواريخ الطائرات وصار القتال يدور في ممرات ابنيتها ومن غرفة الى غرفة ولم يعرف مصير الزعيم ..
لذلك لم يستطع الرجل الذي خطف يوسف ان يبتعد كثيرًا فأخذ بالبحث عن فندق صغير في منطقة(محلة الذهب) القريبة من كراج العلاوي، وفعلاً استطاع ان يجد فندقاً صغيرًا أستأجر فيه غرفة بائسة جدًا تحتوي على سرير حديد واحد أنام فيه يوسف، ثم قال للشخص الذي أستأجر منه الغرفة إنه من أهل كربلاء وقد جاء لمعالجة ولده المريض عند دكاترة العاصمة لكنه فوجئ بما يجري فيها من احداث.

يتبع .. الجزء الثالث

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.