جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

حبي وحزني وكبريائي أحمد عبداللطيف

0 80

حبي وحزني وكبريائي

أحمد عبداللطيف

حبي وحزني وكبريائي أحمد عبداللطيف

كانت علاقةٌ سامَّة..!

في اللّيلةِ الأولى من الفراق.. أغْلَقَتْ نوافذَ غرفتِها بإحكامٍ، ثُمَّ أوصدت الباب، وأسندت إليهِ رأسها المشحونِ بالصُّداعِ والوِحدةِ، يداها ترتجفان كعاصفةٍ ثلجيةٍ في ليالي يناير المدسوسة بالبردِ، ببطءٍ شديدٍ حرَّكت يدها وأطفأتِ المصباحَ، وكانت عيناها من أثرِ البكاءِ كشمعةٍ أوشكت على السقوطِ بعد أنِ احترقَ فتيلها الضَّعيفَ.

خرجَت للتوِّ من علاقةٍ سامةٍ، كان عليها بترُ طرفها الثَّاني منَ البدايةِ؛ لكنَّهُ التَّعلقُ الملعونُ! هي الآن مُحطَّمةٌ تمامًا، تُشبهُ الخِرقة البالية، الصمتُ يُخيِّمُ عليها، جسدُها هزيلٌ، وقلبُها هشٌّ، وحلقُها مُزدحمٌ بالكلمات الَّتِي تُشبهُ الأشواكَ في قميصٍ منَ الصُّوفِ! لا تدري ماذا تفعلُ… أينَ تذهبُ.. ولِمَنْ تبوحُ؟!

نظرت لسقفِ غرفتِها بما تحمله في روحها من عناءٍ وتعبٍ، تنهَّدت قائلةً: ياربّ، ثُمَّ قامت فتوضَّأت وصلَّت، كانت تُتمتِمُ في سجودها بدعواتٍ مُمزَّقةٍ، وكلماتٍ مُشتَّتةٍ، صوتُها مذبوحٌ من أثرِ سكِّين الألم الحاد، كُلَّما حاولت أن تهدأ.. لا تستطيعُ، كُلَّما أرادت أن تتماسك.. لا تُفلحُ؛ كان الوجعُ أيسر صدرها أكبر من أن تتحكَّمَ فيه أو تُسيطرَ عليهِ!

أنهت صلاتها، استغفرت، ثُمَّ تنهدَّدت ونظرت إلى أوراقِها الَّتِي تعهَّدت أن تبوحَ لها بأسرارِها؛ فالكتابةُ للموجوعِ راحةٌ حينَ يعزُّ عليهِ أن يجدَ من يفهمهُ، ابتسمت ابتسامةً ثقيلةً على مَهَلٍ، ثُمَّ كتبت.. أمَّا بعد، “ليتنا لم نلتقِ بعد” نعم، الآن انتهينا.. نعم، الآن أسدلنا ستار المسرحيَّة الهزليَّة، لكنَّني أعدُكَ أنَّني لن أنتهي، فإن كانت تلك نهايتُكَ معي.. فهذهِ بدايتي معي! وإن كانت أحلامي معك قد ماتت.. فأمنياتٌ جديدةٌ بداخلي قد ولدت.

نعم، انتهينا ولم أكن أريد للنهاية أن تقع.. لكنَّها وقعت، وأقدارُ اللَّهِ وإن لم تُرضنا.. ففيها الخيرُ.

لقد كان حُبُّكَ حِملًا ثقيلًا، وعبئًا كبيرًا، ومرارةً وخسرانًا.

كنتُ قريبةً أقرب ما يكونُ إليكَ؛ وكنتَ غريبًا عنِّي أبعد من البُعدِ، كنتَ وهمًا في حقيقتي، وشقاءً لسعادتي، وأذىً في كُلِّ حالٍ!

كُلُّ الطُّرُقِ كانت تؤدِّي إلى وداعِكَ مبكرًا.. لكنَّهُ فرطُ غبائي أنا! أيُّ امرأةٍ أنا كنتُ.. وقتما صبرتُ عليكَ إلى هذا الحدِّ؟! كنتُ لكَ الوطنُ في إقامتِكَ، والونسُ في غربتِكَ.. ولكنَّكَ لم تنتبه!

لقد كانَ همُّكَ الأكبرُ.. أن تأمرَني فأطيعَكَ، وتهجرَني فأتذلَّل لوصالِكَ ولا ألومُكَ، كان شغلكَ الشَّاغل.. أن تمتلكني، وأنا امرأةٌ لا تُمتَلَك! وبالرّغم من ذلكَ، أطعتُ الحُبَّ فيكَ، وكنتُ على مُرادكَ كما ينبغي؛ أنتَ من دمَّرني غيابُك، وفقدتُ الأملَ في نفسي بسببِ إهمالك، وكرهتُ أسبابَ الحياةِ من جرَّاءِ إهمالِك.

أنا لستُ نادمةً على شئٍ سوى قلبي الَّذِي صدَّقك، وعقلي الَّذِي توقَّفَ عنِ العملِ من أجلك، وروحي الَّتِي تُشبه النَُورَ فأطفأتَها، لكن… لا، أنت لا تستحقُّ أيَّ ندمٍ، وهنيئًا لي تجربَتك القاسية الَّتِي علَّمتني كيف للمرءِ أن يدَّخرَ عُمرَهُ سنواتٍ وسنواتٍ؛ ليسرَقَهُ من لا يعرفُ حلالًا ولا حرامًا، ولا يخشى ربَّ الأرضِ والسَّموات!

لن أتحدَّثَ -من اليومِ- عن خدوشي وندوبي، ولن أذكرَ ما كان من ألمٍ ووجعٍ وخذلانٍ؛ سأذكرُ فقط أنَّكَ -دومًا- لم تكن تصلح إلَّا لمن تُشبهُكَ.

أمَّا أنا.. فأنا وقلبي -بِكُلِّ ما فيه من حُبٍّ وودٍّ- لِمَن يأتي شبيهًا لي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.