جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

جلال الدين الرومي..الدرويش الشاعر..

0 148

إعداد / أ. محمد توفيق

 

جلال الدين الرومي شخصية ولدت لتحيا..فمازال عشاقه ومريديه في أنحاء الأرض يرقصون”المولويه” التي رقصها مولاهم” جلال الدين ” وهو ينشد شعره….
ورغم مرور أكثر من ثمانية قرون على ميلاد صاحب هذه الطريقة..فما زلنا نتذكرها والعالم مع الترنيمات العذبة لكلمات معبرة عن العشق الإلهي..تلك التي نجد فيها تصفيه الروح عزفا بالكلمات وحركة الأجساد في دورانها المتسق مع دوران الأجرام السماوية كلها ورفع الأيدي وكأنها تتلمس البركة من رب السماوات العلى….

ولايشعر أي متابع ” للمولوية” في أي محفل الا لدوران رأسه متحدا مع الراقصين…مندمجا منسجما مع كلمات تقطر بشهد المعاني لشعراء الصوفية…… من هنا نبدأ…. تبدأ رحلتنا مع الصوفي الشاعر الدرويش حيث ولد” محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين”في ٣٠ ديسمبر ١٢٠٧.م بمدينة بلخ احدي مدن أفغانستان اليوم….ويكبر ” محمد” وتبدأ رحلات الهجرة…حيث هاجرت الأسرة كلها من بلخ هربا من بطش المغول الغزاة هناك…ليتجهوا الى” نيا سابور” حيث يلتقي فيها” محمد بن بهاء الدين” بالشاعر الكبير” فريد الدين العطار” الذي وجد في شخصية الشاب نهم للعلم وحبا للدرس. كما ووجد فيه آذاننا صاغية ذاكرة حافظة فينعم الشيخ على
” محمد بن بهاء الدين ” بأن يعطيه ديوانه الشعري”أسرار نامة” ويوصيه به..ويناديه بإسم جديد على المسامع هو “جلال الدين” ومن بعدها عاش محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين” مستجيبا لأسمه الذي منحه له الشيخ “العطار” لترحل الأسرة من جديد إلى سوريا..ومنها الى مكة طلبا للحج ثم يحطون الرحال في بلاد الأناضول..
ويستقر” جلال الدين” وأسرته في” قونية”..ويدخل جلال الدين معترك الحياة فيعمل معلما…ثم واعظا بعد أن تشرب العلم والدين علي يدي والده ويدي الشيخ ” برهان الدين محقق” بعد وفاة والده ولمدة تسع سنوات…..
ومع بدايات سنة ١٢٤٤م يصل إلى مدينة قونية الشاعر الفارسي الكبير ” شمس الدين التبريزي”.. وبعد عدة لقاءات يعلن شمس الدين انه أتى إلى قومية بحثا عن شخص يجد فيه خير الصحبة حيث قال ..ها أنا قد وجدته…ويشير في وسط جمع كبير إلى شخص” جلال الدين ” ويزيد عليه بلقب ” الرومي”…

ولم يفترق الصاحبان منذ لقائهما لدرجة أن تقربهما كان دافعا لحسد الكثيرين لجلال الدين لأستئثاره بمحبة القطب الصوفي “التبريزي”….
ويقتل شمس الدين ويختفي وجثته مع رواية أن طارقا قد مر به وطرق الباب ففتح شمس الدين الباب وخرج مع الطارق ولم يعد الى بيته منذ ليلة خروجه في سنة ١٢٤٨م !!

السنوات الأربعة التي عاشها “جلال الدين” مع استاذه “شمس الدين” أشعلت في قلبه شعلة المعرفة والعشق الألهي..وألهمته لنظم رائعته الشعرية المكتوبة باللغة الفارسية ” المثنوي” في سبعة وعشرين ألف بيت من الشعر وستة مجلدات….!!!!!

وتمر الأيام ويقرر ” جلال الدين” أن يحي ذكرى أستاذه” شمس الدين” فينظم ديوان شعر سماه باسمه “ديوان شمس الدين تبريزي” الذي اهداها إلى صاحب الخلوة الصوفية وصديق رحلته في عالم المعرفة الحق….ووفاءا للأستاذ جعل مجمل أبيات الديوان اربعين ألف بيت من الشعر..خشية أن يقول أحدا أنه قد ” تخطى استاذه”..!!

المثنوي… ومن باب الإعلام لم يختار “جلال الدين” أسما لعمله الأدبي.. انما اختار اسم الشكل الشعري الذي وضع فيه…والذي يتكرر فيه آخر حروف الشطر الأول والثاني….ويتغير من بيت إلى بيت بشكل يتناسب مع طول الكتاب..!!
كما وأنه لمن الملاحظ أن اغلب المنظومات الطويلة في الأدب الفارسي مثل ” الشاهنامة للفردوسي” و ” حديقة الحقيقة ” للسنائي و” منظو مات العطار ” وغيرها قد وضعت في نفس القوالب..حيث وضعت الأبيات في قالب موسيقي سهل وقابل للغناء.مقبول للحفظ…ويصلح كمشعر تعليمي…وفى نفس الوقت يتناسب تماما مع احوال المريدين من المتصوفة في الوجود والحال…..

ومع طول” المثنوي” يذكرنا مولانا “جلال الدين” بإسم الكتاب واحيانا ما كان يسميه ” المعنوي” وكأنه ينبه القارئ لنبحث عن المعنوي في ثنايا المثنوي… ومع” المثنوي” تنهال السطور الشعرية لتشكل مفارق طرق تنفتح علي أكثر من تفسير وتفضي إلى أكثر من اتجاه حيث يقول جلال الدين:
عندما تخطو خطوة واحدة دون إحتياط…
فأن لبنك ينقلب إلى دم من تخبط….
لقد خطا آدم خطوة واحدة في هوى النفس فصار فراق الجنة طوقا في عنقه !!!

ويقول في موضع آخر:
إنما تنبغي الخلوة عن الأغيار لا عن الحبيب…
فالفراء من أجل الشتاء لا من أجل الربيع…..!!

كما يقول:
“العقل مع عقل آخر يتضاعف..ومن ثم يزداد النور ويتضح الطريق….
والنفس مع النفس تصير ضاحكة..فتدلهم الظلمة ويختفي الطريق……

كما وينصح بالحرص في الكلام حيث يقول:
“يا أيها الفم..انك في حد ذاته فوهة للجحيم…ويا أيها العالم انك على مثال البرزخ…..فلنغلق هذا الفم” الجسدي” لتبصر العيون….واجعل الفم والخلق كمامتان أمام ذلك العالم…..

رحم الله الدرويش الشاعر وإلى الملتقى مع”جلال الدين الدرويش..الصوفي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.