جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

جبل التيه بقلم/ منى العساسي

0 286

جبل التيه بقلم/ منى العساسي

جلسنا جنبًا إلى جنب وهي لا زالت محكمة قبضتها القوية -بالنسبة لعمرها- فوق معصمي، بدت لي العجوز كأنها أم تريد حماية ولدها من شر محيط تستشعره بقلبها، وأنا أمشي خلفها بثقة طفل يعلم أن لا شر سيلمُّ به ما دامت أمه معه لتحميه وتبعد عنه كل خطر.

كانت الصورة الذهنية للهب المتطاير من عربة القطار ونظرات الهلع التي ملأت عيون الناس الذين يركضون مشتعلين ذهابًا وإيابا على رصيف المحطة، لا زالت أمام عيني لا تفارقها، أظن أني لن أنسى هذا المنظر ما حييت. 

بعد مدة غير بعيدة انطلقت صافرات عربات الشرطة وعربات المطافئ تملأ المكان، وعمَّت الفوضى بالشارع، همست العجوز بأذني: لن تشبع ليليث.. لن تكتفي! وأخذت تصيح: «بحق الذي منحك الحياة في عام الموت.. بحق الذي حماك من الهلاك ومن علاك بفضله فأعطاك من القوة ما لم يمنحة لأحد من الخلائق.. تعال يا ابن رحمي ونجِّ خلقه من الهلاك، وامتثل لأمره ولا تطع الجبابرة الأراذل».

شعرت حينها بأن الأرض قد خلت، والسماء قد تبدَّلت وكساها الغيم فأظلمت، فكأنما تبدَّل النهار ليلًا، ثم أصبحت، فتشققت الظلمة بخيوط مشرق حمراء، ذابت في ضوء سطع فجأة بنور هائل، وكأنما لامست عين الشمس تراب الأرض وابتلعت المكان، ورحنا نتخبط في بؤبُئها حتى استقرَّ بنا المقام أسفل شجرة صفصاف عتيقة وبيت من الطوب اللبن، سقفه من جزوع الأشجار وجريد النخل، عار من القش، ورائحة الاحتراق تملأ المكان، والقرية بدت كالخاوية على عروشها، لا تسمع فيها غير صفير الرياح وأصوات البوم والغربان تبث الرعب في كل مكان، ورائحة النتن 

الخانقة التي تملأ الهواء، والتي بدت لي كرائحة جيف وحيوانات نافقة مختلطة برائحة روث مطمور ورائحة دماء تبعث على الغثيان. 

أخذت أتلفت حولي هامسًا: يا إلهي! ما هذا؟! أين أنا؟ أين أنا يا خالة؟ هذا هو الجحيم بعينه؟

أجابت: أما وقد أتيت فقد أتيت لحكمة، وأما وقد سألت فهذه الغريق؟

فأردفت: لكن لم تبدو كمقبرة جماعية؟ أين أهلها؟ وما هذه الرائحة النتنة؟ يا إلهي! أي كابوس هذا الذي أنا داخله؟ كيف أستيقظ من هذا الجحيم؟

صرخت أمينة في جوف السماء: يا إسماعيل، أين أنت يا ولدي؟ يا ربيع!

هز صوتها المكلوم جوف السماء وعاد لها مجددًا وكأنما تصرخ في فلاة، ركضت إلى باب منزلها المفتوح على مصراعيه، والذي بدا لي مهجورًا منذ عقود، وما من شيء به ينم عن أي مظهر من مظاهر الحياة، أخذت أمينة تصرخ في أذن الريح التي تعوي حولنا ثم دخلت المنزل تبحث عنهم فلم تجد أحدًا هناك، وعلى بعد خطوات من حجرة إسماعيل سمعت فحيح حية عظيم، فهمست في نفسها: حية إسماعيل، دفعت الباب فسمعتها تهذي: يا إلهي! قد تضاعف حجمها أكثر من خمسة أضعاف حجمها الذي كانت عليه في الليلة الماضية! 

جلست أمينة أمامها وجهًا لوجه وكأنما منحتها صاعقة ليليث بعضًا من قواها، وعلمها فكأن عقلها 

يستطيع فك شفرة فحيح الحية فتصل لأذنها كلمات مفهومة، جلست أمامها وأمسكت بعنقها بكفيها وأخذت تنظر في عينيها المشتعلتين أمامها بلون مشع يميل للحمرة، تسألها: من أنتِ أيتها الملعونة؟

فأجابتها: أنسيتِ من أنا؟ أنا سربونة ابنة تيامات حارسة السيد، أمرني بانتظارك، وألا أبرح مكاني حتى يسترجعك، وها أنا أنتظرك هنا منذ فتحت الفجوة امتثالًا لأمره. 

عقَّبت أمينة: إذًا أنت كما ظننت حية إسماعيل.. متى كبرتِ إلى هذا الحد؟ لم تعد تسعك الغرفة! لم أغب سوى ليلة واحدة؟ 

تعالى فحيح سربونة وقالت: السيد ينتظرك.. تعالي معي!

أجابتها أمينة: وصاحبي هذا؟!

قالت: ليأتِ معك، فما من حياة على هذه الأرض منذ خرج السيد عن طاعة ليليث في عام الفزع، ولم يكمل مراسم التنصيب، فصبَّت غضبها على تلك الأرض فما من زرع ينبت فيها، ولا ماء يروي، ولا هواء، لم يعد يوجد هنا سوى الموت منذ رمتها ليليث بلعنتها، وقادنا القدر إلى  التيه حيث الناحية الشرقية…

قاطعتها أمينة: الناحية الشرقية حيث التنصيب الأول؟! حيث بيت تيه الساحرة تقصدين؟!

أجابتها سربونة: نعم هناك كان التنصيب الأول حيث منحت ليليث إسماعيل قواه العظيمة.. وهنا كان التنصيب الثاني، حيث شنت حربها عليه عندما رفض الامتثال لها.. فصبت جحيمها على القرية جميعها، ولم ينجُ منها غير قليلين، فاتخذ السيد من جبل التيه موطنًا جديدًا، واستعان بقواه العظيمة، وعلَّم تيه ليستطيع ان يستعيدك..عمل لعشرات السنوات المتواصلة لكي يستطيع أن يفتح عين الشمس مرة أخرى… تعالي معي أيتها السيدة، يجب أن أصحبك خارج هذا البيت، لكن هناك سبيل واحد فقط لتستطيعي النجاة من ليليث؛ فلن تتركك تصلين لجبل التيه من الدرب المعهود…

غمغمت أمينة في تعجب: جبل التيه أي جبل هذا!؟ ثم أردفت وكيف نذهب إذًا؟! فما من طريق سواه؟

قالت الحية: سأبتلعك أنتِ وصاحبك وسأسري بكم في نفق شق تحت الرمل بعيدًا عن أنف ليليث، حيث ذهبت أول مرة، علينا أن نسرع، عما قريب سيعلم عبيدها بقدومكم.

أخذت تدور سربونة حول أمينة وخالد، كانت أمينة ترى الخوف يملأ عيني خالد وتشعر بارتجاف جسده، وهو لا يفهم شيئا، ويكاد يسقط فاقدًا للوعي من الخوف، فشدَّت على كتفه وقالت: لا تهلع يا ولدي؛ فلن أترك شيئًا يؤذيك، ونظرت في عين الحية، فرأت أمينة كهلًا بالأربعين من عمره يطل عليهما من عينيها، وسمعت هي وخالد صوته يأتي من فم الحية الضخم يتلو سحره، حتى سقطا مغشيًّا عليهما، فابتلعتهما سربونة وسرت بهما في باطن الأرض حتى لفظتهما في باطن الجبل مغشيا عليهما ولم يستفيقا حتى أتى السيد وتلا سحره مرة أخرى عليهما،ثم

صحبنا بعدها بعض الرجال إلى حيث قاعة العرش، مجلس عظيم به كرسي منحوت ببطن الجبل، على جانبيه نحت وحشان عظيمان، بديا لي أسدان، ومن فوقه رأس حية، تبرق عيناها بياقوتتين حمراوين مشعتين، ومن جهتي العرش اصطف اثنا عشر كرسيًّا في قمة كل منها حية صغرى، ثم حل بالقاعة شاب عظيم الهيئة والهيبة، حليق الرأس، يحمل ملامح وعيني إسماعيل ولدها.

وقف أمامها يتفحصها، بدت له كما هي، لم يتغير عليها شيء قط، لا زالت ملامحها مثلما هي، منذ ابتلعتها صاعقة ليليث في عام الفزع، مرت عشرات السنوات التي لا يحصى عددها منذ ذلك الحين، ولا زالت أمينة كما هي، همس: يا إلهي! كيف هذا؟!

نظرت أمينة إليه، وهي تتحسس وجهه، مارة بلسان تيمات المتدلي على جبينه: أنت أشبه ما يكون بولدي الأصغر إسماعيل، غير أني تركت ولدي البارحة ابن خمسة عشر عامًا، فكيف له الآن أن يكون كهلًا بمثل عمرك هذا؟! وهمست: هذا وشم تيه، وعيون إسماعيل!

قال: أنا هو يا أمي…

إنها مرتها الأولى التي تسمع فيها أمينة صوت إسماعيل، أصابتها رجفة سرت بكل

جسدها، وقالت: كيف هذا؟! ولدي لم يكن يتكلم!

حلَّت سربونة بالقاعة، ووقفت، حتى طالت رأسها رأس إسماعيل، والتفَّت حوله دون أذى حتى أضاء الوشم، واشتعل بالنور، وقال: ألا تذكرين يا أمي يوم جئتِ بي إلى بيت تيه، يوم وشمني الظل بعام الموت الأول، عندها منحتني قواها لئلا أكبر لا أمرض ولا أموت، وكان لا بد لي أن أصل إلى هذا العمر ليبدأ السحر فعله.  فلما حل عام الموت الثاني بعد خمس عشرة سنة، وأتى وقت التنصيب، سمعت صوتك تصرخين في الظلمات: لا تطعها يا ولدي! ثم ابتلعتك صاعقة ليليث، 

رأيتك تتخبطين في ظلمات العين وتصرخين «لا تطعها يا إسماعيل».. وعندما حان الوقت، وانتصف الليل، وتصدعت السماء، وصرخت راعدة، وتشققت الأرض وفجَّرت حممها، فردت ليليث جناحيها، حتى غطَّت صدع السماء، وأضاء الوشم، وحضرت شياطين الأراضين، وبدأت مراسم التتويج، وشرعت ليليث في تلاوة عهدها: 

«إني أنا ليليث، تتصدَّع السماء بقوتي، ويأتمر الجن بكلمتي، 

أمنحك قواي يا إسماعيل، أمنحك السطوة على الجن والإنس، 

وأمنحك سحر بابل العظيم، وسحر الملكين هاروت وماروت، 

وأمنحك ما تسيطر به على الزمن، ومن العلم ما توقد به عين الشمس وتعيد مسار النجوم، 

أمنحك سطوتي على نفوس البشر، تذل منها من تشاء وترفع من تشاء، 

وأجلسك على عرشي إلى أبد الآبدين، 

على أن تمنحني العهد بأن تخرج من كنف الرب إلى كنفي، 

وأن تسجد لي وتطيعني إلى الأبد، 

وسأمنحك اليوم صوتك الذي سلبتك إياه في يوم اصطفيتك، 

فاتلُ العهد خلفي …»

أضاء الوشم وبرقت العيون ومددت يدي ليكتمل التعميد، فما إن لمست يدي يداها وأخذت تنتقل لي قواها، حتى سمعت صوتك ينادي في عقلي «لا تطعها يا ولدي، أنت السيد وهم العبيد»، أيقظني صوتك يا أمي، وانطلق لساني مرددا:

«إني أنا إسماعيل ابن آدم، سيد الأرض، وما لك من سلطان عليَّ

بسم الله، بسم من منح سليمان القوة ليستعبد بني جنسك، أعاهدك على 

أن لا يكون لك عليَّ سلطان إلى يوم الدين …»

فانقطع الوصل، وصرخت ليليث في الأرض والسماء: 

«لأجعلن أرضك بورًا وخرابًا، فلا يحيا فيها بعد اليوم حي». 

وملأت الأرض بالجثث، وانتشرت رائحة النتن في كل مكان، لم ينجُ سوى قلة قليلة من أهل الغريق حملهم القدر مثلي إلى الجبل ، فقد سعرت الأرض نارًا، فمات الزرع وجف الماء، وتلوث الهواء، ونفق كل حي.

لعنت ليليث أرضنا فما عادت تصلح للحياة، وسقطت عندها من أعلى شجرة الصفصاف يوم تركت ليليث يدي، وأسرتني في بئر عميق فوهته أسفل الصفصافة، قضيت به ثلاث ليالٍ حتى استطاعت سربونة الوصول إليَّ، اجتهدت ليليث في نزع قواها من جسدي لكنها لم تنجح، فما نُقِل إليَّ قد نُقِل… وحكم على أرض الغريق بأن تكون أرض الشياطين وعبيد ليليث. 

نظرت أمينة حولها تتفحص المكان وتتساءل: أين أخوك يا ولدي؟ أين ربيع؟ أين أبوك؟ لم لا أراهما حولك؟ 

نظر إسماعيل إلى وجه أمه المرتعب متأوِّهًا، حين لمعت في بياض عينيه دمعة: أما أبي فقد مات في عام الفزع مع من ماتوا يا أمي… وأما ربيع فقد أخذته ليليث، حاولت مرارًا وتكرارًا استرجاعه، لكن لم أفلح في تخليصه من سطوتها عليه، فليليث شر عظيم وعالمها مظلم جدًّا، وما أملك من علم وقوى لن يفلحا وحدهما.

صاحت أمينة: أريد أن أرى ولدي يا إسماعيل؟ يجب أن أرى أخاك؟ لن أتركه لتلك الخبيثة تستعبده.

أمسك إسماعيل بكتفي والدته وضمها له وهمس: اهدئي يا أمي، لن أكف حتى أستعيده، استعيني بالصبر، لعل الله يعيده إليك عما قريب.

بكت أمينة في صدر إسماعيل وقالت: وإني أثق بقدرة الله يا ولدي؟

ثم تعالى فحيح سربونة تطمئن أمينة: سوف أذهب لآتي لكِ عنه بخبر.. اطمئني أيتها السيدة الأم؟

انحت أمام إسماعيل تطلب الإذن فأعطاها إذنه، على ألا تذهب قبل أن ينفرد بها في المختبر، حيث طلب أن تتوخى الحذر، فلو أمسك بها تيامات أو شمت رائحتها ليليث فهي قاتلتها لا محالة، فأرخت سربونة رأسها مطيعة. 

جلس خالد على أحد الكراسي المصفوفة بإتقان على جانبي كرسي العرش في قاعة الملك يحاول استيعاب الأمر، والذي شعر معه كأنه يعيش في أحد أفلام هاري بوتر، حين التفت إسماعيل له، وهمس في أذن أمه: من هذا؟ كيف تبعك إلى هنا؟

سمع خالد سؤال إسماعيل فنظر له وقال: أنا قادم من العام ألفين وتسعة عشر.. ولكني لا أدري بأي عام أنا!

رد إسماعيل: أنت بعام التيه يا فتى، فمنذ عام الفزع ونحن بجبل التيه بلا تقويم.

أجابه خالد: ما الذي قد يعنيه هذا؟

قال: منذ ساقنا القدر بعام الفزع الى هذا الجبل الذي نمى فجأة من اللاشئ  ونحن لا ندرك التقويم الزمني، فاخترعت تقويمًا خاصًّا بنا، ونحن في العام الثمانين بعد عام الفزع، كما أننا فقدنا الجهات، مهما حاولنا الخروج خارج جبل التيه لا نصل لشيء سواه، ندور بدائرة مغلقة حول أنفسنا، الجهة الوحيدة التي نصل بها إلى شيء خارج جبل التيه هي الغريق التي ألقتكم فيها عين الشمس، والتي تقطعت بها الطرق منذ عام الفزع عن أي قرية أو مركز مجاور، وكأنما خسف بها الأرض، فلا درب أو صلة بينها وبين أي قطعة من الأرض قريبة أو بعيدة عنها سوى جبل التيه. منذ عشرات السنوات وأنا أعمل على إيجاد طريق أو درب إلى أي بلد مجاور، لكن في كل مرة أجدني أدور حول نفسي في محيط دائري وأعود من 

حيث بدأت. 

نظر خالد إلى إسماعيل بنظرة متهكمة وقال: ما الذي تقوله؟ وأخرج هاتفه محاولًا إيجاد طريق للخروج عبر GPS، غير أن الهاتف تحول فجأة إلى قطعة معدنية ذات شاشة كبيرة خالية من البيانات، حاول الاستفادة منها بأي شي غير الضوء المنبعث من الشاشة، إلا أن الهاتف لم يحمل شيئًا غير الضوء… ثم انطفئ نهائيا.

نظر إسماعيل إلى هاتف خالد وسأله: ما هذا الشيء الذي تحمله؟

قال خالد: هاتف!

علق إسماعيل: هاتف! ما الذي يعنيه هاتف؟! هل يعمل في بلدك؟

أجابه خالد بتهكم: نعم، المفترض أنه يعمل في أي مكان على سطح الكرة الأرضية الآن!

ابتسم له إسماعيل وأردف قائلًا: إذًا عليك أن تفترض أنك لست على السطح…

ارتبك خالد وقال: ما الذي قد يعنيه هذا؟ المفترض أن الأرض دائرية، أو بيضاوية، أيًّا كان شكلها، فكل مكان موجود على هذا الكوكب البائس هو سطح!

قال إسماعيل: هل حقًّا هذا ما تظنه؟

أجابه: أنا لا أظن، هذا ما يقوله العلم، وهذه هي الحقيقة التي توصلوا إليها! 

– حسنًا يا خالد.. خلال بحثي عن السطح المتصل الذي يصلني بأي مكان خارج هذ الجبل وجدت أني أدور حول نفسي، الطريق الوحيد الذي وجدته للخروج هو العين، هل يعني هذا لك شيئًا؟

– عين؟! أي عين تقصد؟!

قال إسماعيل: العين التي أتيت أنت وأمي منها -الفجوة- لكن المكان الوحيد الذي تفتح فيه بوابة العين هي بطن صفصافة الغريق، بالرغم من كوني لا أعرف هل أستطيع فتحها مرة أخرى أو لا، إلا أني حتى لو استطعت، فليليث لن تترك أحدًا منا يصلها حيًّا، فمنذ عام الفزع وجميعنا يحمل رائحة العصيان، وهي رائحة تجيد ليليث شمها بسهولة جدًّا من على بعد مئات الأمتار، وعبيدها في كل مكان بالغريق، وما إن تشمها حتى ترمي بصواعقها فلا تترك فينا حيًّا، لذا عليك أن تعتبر أننا سجناء هذا الجبل منذ قدومنا إليه! 

– إذا كيف نجونا نحن؟

– افترض أننا وحدنا من نملك تلك الرائحة منذ العصيان ليلة التنصيب، سربونة وحدها تستطيع النجاة من أنف عبيد ليليث، كما أن تيامات رغم تبعيته لليليث يحميها من وقت لآخر، فهي لا تزال ابنته.

غمغمت أم إسماعيل: لم تبعتك سربونة؟ ألم يكن من الأجدر بها أن تتبع تيامات؟ ألم تكن موجودة بأمره منذ عام الموت الأول؟!

أجابها إسماعيل: منذ وشمني الظل واصطفتني ليليث، ارتبط وجود سربونة في الحياة بوجودي

إلى يوم الفناء، إن متُّ ماتت؛ لذلك هي حارستي الأمينة وصديقتي منذ سجنتي ليليث في وحدتي وصمتي وأخذت صوتي، لم أكن أستطيع التواصل مع أحد سوى سربونة، أصبحنا كتوأم ملتصق، تستطيع ليليث بث سمها في نفس كل حي بجبل التيه، إلا سربونة، فأنا أستطيع قراءة أفكارها بأي مكان تكون، لذلك هي تابعتي وحدي، حتى تيامات لا يستطيع تخليصها، فلم يكن بعقل ليليث أدنى احتمال لعصياني، فقد أبعدتني عن البشر طيلة خمسة عشر عامًا لا أستمع إلا لصوتها في نفسي، ولا أتحدث إلا مع سربونة التي أخبرتني عن علم السحر حتى أتى يوم التنصيب. 

أردفت أمينة: إذًا ما أمر ربيع يا ولدي؟

أجابها إسماعيل بتثاقل: ربيع من العبيد يا أمي… موشوم بوشمهم.. مسيَّر لا مخيَّر، كل عبيد ليليث مسيَّرون، ما إن يُعمل عقله ليفكِّر بشيء حتى يشتعل الوشم في ظهره بالنار، تأكل جلده 

وأحشائه… 

– آه يا ربيع! ماذا فعلت بك يا ولدي؟! لعنة الله عليكِ يا تيه؟ كيف أتيت بهذا الشر كله للناس؟! لعنة الله عليك يا ابنة الشيطان!

قال إسماعيل: تيه لم تكن سوى أحد العبيد، مسيرة أيضًا كربيع تمامًا.. غير أني سجنتها يوم أتينا جبل التيه، وعلمت منها الكثير عن علم السحر وعن ليليث وعالمها، وظني أن لها دورًا عظيمًا؛ فليليث تبحث عنها.

– لكن لا زلت لا أفهم يا ولدي! كيف تقول إنه قد مر ثمانون عامًا منذ عام الفزع، وأنا لم يمر عليَّ سوى يوم واحد فقط بأرض خالد؟! 

– أفترض أننا خارج الزمن يا أمي!

غمغم خالد: أو ربما هو سفر عبر الزمن، فحسب النظرية النسبية لأينشتين فإن الزمن يتباطأ كلما زادت السرعة؛ هذا يعني ببساطة أن السرعة التي حملت بها عين الشمس أمك إلى أرضي

كانت سرعة مهولة جدًّا، فتخطت سرعة الضوء بمراحل عظيمة.

نظر له إسماعيل متسائلًا بدهشة: هل تعني أن العين هي بوابة زمنية؟

– لا أستطع قول ذلك بدقة، فهذا شيء آخر تخطى فكرة الفزياء النسبية بكثير، بواسطة الفيزياء النسبية اخترع العلماء صواريخ ذات سرعة كبيرة جدًّا، فوجدوا أن الزمن يتباطأ كلما زادت السرعة، وهذا هو التفسير العلمي الوحيد لذلك، لكن ليس بهذه السرعة المهولة، إذا كانت الفيزياء النظرية تفترض أن عامًا واحدًا لشخص سافر في رحلة كونية بسرعة الضوء هو خمس وعشرون 

سنة أرضية، وهذا مستحيل بالطبع، فكم تبلغ السرعة التي تم السفر بها عبر العين ليكون يوم واحد فقط مساويًا لثمانين سنة بتوقيت جبل التيه؟! كما أن وجودي هنا غير علمي أيضًا.

ثم أردف خالد ساخرًا: أو أن تكون السيدة قد علقت زمنًا في فجوة زمنية قبل وصولها إلى المحطة مثلًا كما نرى بالأفلام!

تمتم إسماعيل: ما الذي يعنيه؟

– يعني أننا خارج الزمن وخارج قوانين الطبيعة والفيزياء الكونية، لكن ما جدوى التحدث بالعلم الآن؟ يبدو أني سقطت في فيلم أسطوري أو في عالم ما وراء الطبيعة، لذا فكل قوانين العلم والطبيعة غير فعالة هنا!

أجابه إسماعيل: لا، بل ربما تكون مفيدة بشكل كبير، سيكون لنا حديث طويل حول ذلك.. اذهبا الآن لتستريحا، وسوف نلتقي لاحقًا، علي أن أقوم ببعض الأعمال هنا. 

عَلَم

نادى إسماعيل شابًّا قوي البنية حسن المظهر، ربما يكون في التاسعة عشر على أعلى تقدير، اسمه عَلَم، شاب وسيم ذا عينين سودوين عميقتين جدًّا وشعر أسود طويل وشفتين منتفختين، لفت مظهره الأنيق نظر خالد بقوة، أخذهما عَلَم خلال ممر جديد بالجهة المعاكسة للجهة التي دخلا منها قاعة العرش، ممر طويل وفاره منحوت على مدخله أسدان عظيمان، يبدوان لك من دقة النحت حقيقيين جدًّا فيصيبانك بالرهبة.

بدت السيدة الأم ثابتة واثقة الخطا، لا تهاب شيئًا، وكأنها تمشي في ممر ببيتها، أما خالد فكان يبدو على ملامحه الخوف والهلع الشديد ، وصل الباب الأول على بعد عشرة أمتار تقريبًا، كان بابًا منقوشًا عليه شجرة صفصاف مجوفة البطن بداخلها فوهة بئر.

قال عَلَم: هذه غرفتك أيتها السيدة الأم. 

دفعت السيدة الباب بثقة فإذا بالباب ثابت في مكانه، فاستأذنها عَلَم في أن يفتح لها الباب، فضغط على حجر سداسي الشكل بجانب الباب ففتح، انحنى لها انحنائة خفيفة، وقال: تفضلي يا سيدتي. فتح الباب فإذا بغرفة فارهة بها سرير حجري يتوسط قلب الغرفة، فوقه فراش من الريش، وأغطية من الصوف، هناك حوض ماء في أحد أركان الغرفة، نُحت في الصخر، على الجانب الآخر هناك طاولة حجرية يعلوها طبق فخار فيه نوع من الفاكهة لم أستطع تمييزه، على الجدران هناك شموع شحمية تضئ الغرفة

دخلت أم إسماعيل الغرفة وقالت: وصاحبي هذا أين يبيت؟

ابتسم عَلَم وقال: أمر له السيد بغرفة خاصة يا سيدتي. وأحنى رأسه وانطلق وأكمل طريقه داخل الممر ومعه خالد، على بعد عشرة أمتار أخرى وجد غرفة منقوشًا على بابها عين الشمس، توقف عَلَم أمامها ونظر إلى خالد وقال: هذه غرفتك.

دفع خالد الباب فلم يفتح، أخذ ينظر لشيء ما مميز حول الباب يشبه ذلك الحجر السداسي حول باب غرفة السيدة الأم، فلم يجد، وضع عَلَم يده على نقش بومة صغير موضوع أعلى الباب,  ضغط عليه بكلتا يديه ففتح الباب، دخل خالد إلى الغرفة وخلفه عَلَم، وجدها من الداخل تشبه غرفة السيدة الأم، سرير يتوسط الغرفة وعلى أحد الجوانب طاولة فوقها طبق من الفاكهة نفسها التي رآها بالغرفة السابقة، وبإحدى الزوايا حوض ماء  أيضا..

نظر له عَلَم وقال: هل أنت حقا قادم من المستقبل؟ 

أرخى خالد جسده فوق السرير وقال: والله لم أعد أعلم شيئًا يا عَلَم، لم يعد هناك برأسي حقيقة، لا أعلم هل أنا خارج الزمن أم أنا خارج المجرة أصلًا! وربما أكون أهذي وقد احترقت مع من احترقوا بحادث القطار هناك، وها أنا في ساعتي الأخيرة أتوهم الجحيم والنعيم! حقا أنا أفقد كل طريق يؤدي بي المنطق إليه فما أعيشه هنا الآن خارج أي شيء يتصوره عقل، صدقني…

أرخى عَلَم جسده على مقربة منه ونظر إلى وجه خالد وقال: لم لا تحدثني عن أرضك أو عن زمنك؟

نظر له خالد وهو يشم عبق بخور مختلط برائحة مسك، وقال: يبدو أن وجودي سيطول هنا.. سأستريح الآن وغدًا أخبرك ما تشاء عن زمني أيها الوسيم. 

أخرج عَلَم من جيب سترته الكتاني نايًا وجلس على مقربة من سرير خالد يعزف لحنًا حزينًا جدًّا، عندما انتهى وجد خالد قد غرق في نوم عميق فأخذ نايه وخرج.

أخذ خالد قسطًا كبيرًا من النوم، لم يعلم كم ساعة نام، التقط هاتفه لينظر للساعة، إلا أنه وجده لا يعمل، استجمع أفكاره وتذكر كل ما دار قبل نومه، فظن أنه كان يحلم، نظر حوله في المكان، فإذا به فعلًا موجود بغرفة قد رآها فيما سبق، فردد: يا إلهي! إنها حقيقة، أنا في جبل التيه فعلًا، لكن كم الساعة الآن؟ كم من الوقت استغرقت في النوم؟ أشعر بجوع وعطش شديدين كمن لم يأكل طيلة أسبوع. 

ركض تجاه الحوض فشرب حتى ارتوى ثم نظر للطبق الفخاري الموضوع فوق الطاولة الحجرية، فوجد نوعًا غريبًا من الفاكهة، نظر إليها فلم يتعرف عليها، لكنه أكل منها فاستساغ طعمها.

بعد قليل فتح عَلَم باب الغرفة، ونظر إليه باسمًا، ثم قال: استيقظت أخيرًا…

أجابه خالد: نعم، كم الساعة الآن؟

أجاب عَلَم: نحن ظهر اليوم الثالث، بعد مجيئك بيوم…

– ما الذي قد يعنيه هذا يا عَلَم؟ بأي يوم نحن؟

– باليوم الثالث بعد ليلة المجيء.. نحن هنا منذ عام التنصيب نفقد الوقت كل عام.

– ما الذي تعنيه؟! أنا لا أفهم شيئًا!

– تعال معي أيها المسافر.. سأريك تاريخ جبل التيه. 

ذهب معه خالد إلى حيث مختبر السيد، وفتح دفترًا كبيرًا من الكتان مكتوب عليه بلون أسود يبدو أنه مصنوع من الفحم: «تاريخ جبل التيه»، فتح خالد الدفتر فإذا بورقة مرسوم عليها مخططات زمنية للفصول، تعلوها بوصلة تحدد اتجاه الشمال في هذه السنة، وخريطة النجوم، وكتابات عن محاصيل العام، وكم شهر كان كل فصل، أخذ خالد يقرأ الدفتر مندهشًا مما يراه! 

السنة الأولى بعد عام الفزع كان يوم المجيء الأول، يوافق الأول من يناير حسب التقويم الميلادي القديم، خريطة النجم القطبي تبدو فيه كما هو معلوم، ويشير اتجاه الشمال ناحية قرية الغريق، وهذا كان منافيا لما هو معلوم؛ حيث أن جبل التيه كان يقبع بالناحية الشرقية، وهذا يعني أن الغريق في الجهة الغربية للجبل.

استمر فصل الشتاء فيها لأكثر من ستة أشهر؛ أي ما يقرب من نصف العام، الطقس كان باردًا جدًّا، والمحاصيل التي حاولوا استنباتها في الجبل كانت الحنطة والشعير، النصف الثاني من العام كان الطقس فيه جافًّا جدًّا، لم يسمح بالزراعة، فكان الطعام كسرات خبز الحنطة والجبن المملح، وقوت الماشية كان الشعير المخزَّن. 

الورقة الثانية، السنة الثانية من جبل التيه 

اتجاه الشمال بالبوصلة يشير إلى الناحية الشرقية من جبل التيه، وهذا يعني الاتجاه المعاكس لقرية الغريق، وخريطة النجم القطبي معكوسة أيضًا. 

وصل فصل الشتاء فيها لثمانية شهور، وشهور الجفاف إلى أربعة، أكل الجراد فيها الأرض، ثم جاء السيل فلم تجف الأرض لثلاثة شهور متتالية، ثم تركت الأرض شهرًا آخر لتجف.

العام الثالث بتوقيت جبل التيه 

عودة النجم القطبي لسيرته الأولى، وعودة اتجاه الشمال للغريق، إلا أن العام كله جفاف، وما من قطرة مطر واحدة، وما من نبتة سوى الزهرة الزرقاء الغريبة بالمحيط، كان خالد يقرأ وينظر لعلم مندهشًا متسائلًا..

هز عَلَم رأسه معلنًا عن تفسير قادم، وقال: نعم.. النبتة الزرقاء كانت تبدو للناظر عن بعد كبحر هائج على كثرتها وسعة انتشارها بالجبل، وقلة الطعام جعلت السيد يختبرها، وفيما بعد تبين لنا أنها صالحة للطعام، وأن لها خصائص علاجية قيمة جدًّا؛ كانت تشفي من لدغات الثعابين والعقارب والهذيان والهلاوس الذي أصاب الجميع بهذا العام، ويمكن طهي أوراقها وصنع حساء ذي طعم جيد يغذي الجسم ويمده بالطاقة. 

أكمل خالد تمرير عينيه فوق صفحات الدفتر: 

العام الرابع من تاريخ جبل التيه 

تشير خريطة النجم القطبي إلى تغير فلكي جديد، ويشير فيه اتجاه الشمال إلى ناحية منحدر الموت خلف جبل التيه، والذي يعتبر في الجهة الجنوبية لقرية الغريق؛ أي إنه الآن غرب في الاتجاهات الأصلية المعروفة لدى خالد. 

كتب: ليس معلومًا لنا في أي فصل نحن؛ فقد أصاب الهذيان القرية لمدة طويلة، ولم تنبت الزهرة الزرقاء إلا بعد فترة طويلة على ما أظن. 

نظر عَلَم إلى خالد وهمس في حزن: إنه عام المس، قد فقد السيد التقويم والأيام، وجُنَّت سربونة ولدغت السيد وكادت تموت، ولما استفاق السيد من هذيانه، كانت الزهرة الزرقاء قد نشرت عطرها في المكان، فشفي بسببه السيد، تداوى بها وجمعها ليداوي أهل الجبل من الهذيان وأمر بتخزينها كالحنطة والشعير، وقال: إياكم وأذى سربونة.. أطعموها الزهرة، فهي رفيقة درب، وما فعلت ما فعلته إلا مجبورة؛ فقد مسَّها ما مسَّني ومسَّكم من تيه.

نظر خالد إلى عَلَم وقال: اللعنة! بأي أرض أنا؟ ما هذا؟ أي أرض هذه التي تتغير فيها الاتجاهات والنجوم وتعبث بالفصول هكذا؟ أي جحيم هذا؟!

أردف عَلَم: يظن السيد أن هناك تحت الجبل قوة غير مستقرة تدور بالجبل كما تدور الأرض بمدارها، إلا أن دوران الجبل لا أحد يعلم سرعته ونمطه، لكني لا أعلم ما الذي يربط هذا بالفصول والطقس غير المنتظم وضياع التقويم، أظن أيها المسافر أن هناك شيئًا أكبر من هذا بكثير؛ فجبل التيه هو التيه نفسه، نحن ندور حول أنفسنا في دائرة مفرغة هنا منذ عام الفزع، وما من مفر لنا من هذا المكان سوى فجوة السيد التي أتت بكم، والتي لا نعلم بأي وقت ستفتح مرة أخرى. 

كان خالد على وشك الكلام عندما أشار له عَلَم بسبابته أن يصمت، فابتلع خالد كلماته وكتم أنفاسه في جوفه، وجره عَلَم ليختبئ خلف عباءة السيد المعلَّقة على الجدار، وبعد قليل خرجا من أسفل الرداء وانطلقا خارج المختبر شاهقين حامدين، وقبل أن يسأل خالد عن الأمر، قال عَلَم: كان هناك أحد ما بالقرب منا، ولو علم بوجودنا كان سيخبر السيد، فدخول هذه الغرفة يحتاج لإذن خاص.

سأل خالد: كيف يتعامل معكم السيد هنا؟ هل هو طيب أم شرير؟ عادل أم ظالم؟ وأردف مطأطئ الرأس حزينًا: فقد أتيت من مكان مات فيه العدل وساد الظلم وجار الحكام وكذب رجال الدين وغلب الفقر وامتلأت كروش المنافقين وحكم الجهال وهُمِّش المثقفون…

أجابه عَلَم: لا حاكم ولا محكوم بأرض التيه، نعم إن السيد هو سيد الجبل والمقدر له أن يحكمه إلى أبد الآبدين، فالسيد لا يموت، وهنا نحن نبجِّل السيد لما يملك من علم ومعرفة وقوة لا نملكها.. فما تجبَّر علينا بها وما استعبدنا، إنما نحن جميعًا نعمل على حد سواء، ولكن كل لما يُسِّر له، فالسيد يعمل طوال الليل في مختبره ويساعد الناس فيما شقَّ عليهم، وأنا أعمل على مساعدته منذ ولدت بأرض التيه واتخذني صديقًا ومساعدًا له وعونًا، وهناك من يعمل في الزراعة، ومن يعمل في الطبخ، ومن يعمل في النظافة، ومن يعمل في الرعي، فالسيد منذ قدومه إلى هنا يحاول أن يطور قواه، وسربونة تساعده فتتلصص له على ليليث في ملكها. 

قال خالد بدهشة: تتلصص على ليليث في ملكها! هل تعلمون أين ملك ليليث؟!

أجابه عَلَم: نعم، إن مملكة ليليث على بعد أربعة أراضين أسفل الغريق، ولسربونة هناك أقرباء يؤمنونها، فيخلعون لها جلودهم كل زيارة لترتديها سربونة، فتسعى في مملكة الظلمات كخدم تيامات، فتسترق السمع وتتلصص على ما يقوله العبيد، لتأتي بما يرسلها من أجله السيد من أخبار، وتعود متخفية إليه. ثم أردف عَلَم: ما بين السيد وسربونة لا أحد يفهمه! فبعضنا يظن أن سربونة تعشق السيد، فلا تحتمل عليه أذى، فلها عيون ساحرة حزينة لا تشبه عيون الحيَّات، تبدو وكأنهما عينا سجينة… وكلما حاولت أو حاول أحد التقرُّب من السيد أتت سربونة ثائرة، صوت فحيحها يخلع القلوب من الصدور، ولا تهدأ إلا إذا نزل لها وهمس في أذنها وضمَّها إلى صدره، 

وقال: إياكم وغضب سربونة، فهي غيور سريعة الغضب، وقال: «يا عَلَم، لسربونة عليك درجة، فهي رفيقة صباي وأمينة سري». 

ذات مرة سألت السيد: ما سر سربونة؟ قال: يعلم سرها الله يا عَلَم! غير أني أرى بعينيها حزن وحب، وأقدِّم الحزن على الحب لأن الحزن أكثر طغيانا، تبعتني منذ أيامي الأولى على الأرض، ما كنت أنتمي إلا إليها، وما كانت تنتمي إلا لي، عشت في الغريق عمرًا بلا لسان، فكانت هي أذن صمتي، لكلانا في الآخر شيء لا أحد يعلمه، فلطالما سألتها وحبست عني سرها، من يدري يا عَلَم! لعل القادم يأتيني عنها بخبر..

شردت للحظة حتى مد عَلَم يده لي هامسًا: هيا أيها المسافر قبل أن يرانا أحد. 

انطلقا يشقان طريقهما في أنفاق الجبل حتى وصلا مكانا مكشوفًا، ظن خالد أنه خارج الجبل، لكن عَلَم صحح له معلوماته حين قال: ها نحن قد وصلنا منتصف جبل التيه، حيث عين الجبل.

ردد خالد باستغراب: عين الجبل!

قال عَلَم: نعم، عين الجبل، هكذا أسماها السيد، حيث قال إن عين الجبل تجعله يرى ومضات عن المستقبل وعن الماضي، عن أزمنة وأجناس أخرى سكنت جبل التيه، إنها تملك قوى جبارة، لكن السيد لم يكتشف كامل سرها بعد، ذات مرة سألت السيد: لمَ لم تأتي ليليث خلفكم إلى جبل التيه وتقضي عليكم؟ ما الذي منعها ما دامت تعلم مستقركم؟ شهق السيد وقال: في عام التنصيب خُيِّل لي أن غصب ليليث كسا الأراضين والسموات السبع من شدة العتمة والغبار والنتن، فحيث توجه ناظريك وتقلب عينيك لا ترى سوى السواد، لا نجم يدلك أو علامة، فلما تركتُ يد ليليث صرخَتْ صرخة من هولها شُجَّ قلبها ونزف، وتساقط سواد ملوث بحمرة متوهجة كالجمر سرى في الأرض وشق بها بعد ثلاث ليال نفقًا، فلما رأته سربونة صاحت: «يا إسماعيل، شُقَّ النفق، اركض خلف الوهج، إنه الملاذ الوحيد، فاجتهد».

فلما سمعتها ركضت حتى انقطع النفس، وغبت عن الوعي، فلما استيقظت وجدت القليل من أهل الغريق قد سلكوا مسلكي، متناثرين كالجثث الهامدة فوق الأرض، وما من سربونة… بعد أن انقضت ثلاث ليالٍ وأنا أحاول إيقاظ الخلق، ظهرت سربونة من نفق بقاعة العين، فلما سألها السيد كيف أتت؛ قالت: ما لي أن أتبع الجمر، لكني أتيت من حيث النفق أسفل الصفصافة، علَّمَني تيامات مكانه منذ أتيتك تابعة، وقال: إياكِ والنسيان! فهو مأمنك يوم لا مأمن لك، فظني أنك هالكة ما دام قدرك معلق بالهالكين، ولما سألت سربونة تيامات عن ليليث، قال: بلغت مأمنك، ما لها من قوة عليكم، قد قادكم الجمر، فليليث محرم عليها الجبل، فسألتها أن تخبرني السر. فقالت: لا علم لي أكثر مما أخبرني به تيامات في العهد القديم، أخبرني تيامات بأن جبل التيه يطفو فوق كرة من لهب لا مستقر لها، سرقت ليليث منه الجمرة المقدسة، فابتلعَتْها واستقرَّت بقلبها، ومنحتها الجمرة القدرة على دخول الجبل، على ألا تسكنه أو يسوده بني جنسها.. فلما طمعت ليليث بقوى الجبل وأرسلت تيامات للعين يسألها السر، فتلت عليه العين ما كتبه أهله على صفحتها منذ خلق: «في يوم سيأتي إلى تلك الأرض سيد للجبل، سيملك قواه، فتغلب قواه قواها، وما من طاقة لها عليه إلا أن يندمجا فيشطر الجمر ما بين قلبيهما وتنتصف القوى، فإن أنجبت منه حلَّ لجنسها من نسله ونسلها».

كما أخبرني تيامات بأن سيد الجبل مقدَّر، وما ذكرته العين هو سحر فعله السحرة الأولون. وغمغم: لا علو لسحرٍ على قَدَر، ليت ليليث تفهم أن السحر سحر، والقَدَر قَدَر، و تخشى المقدَّر. 

وأردف: كما أخبرتني العين أن في سِيَر القادمين خبر ذكر، غير أن الغيب عندي مستتر، فلا أنت ولا أحد من سحرة الأرض مقتدر على فتح كتاب الغيب، ثم كتبت العين جملتها: «إن عين الجبل لمن أتى عنه الخبر …»

علمت عندها من الحديث الذي أخبرني إياه السيد على لسان سربونة وتيامات أن ليليث لا تستطيع دخول الجبل، لكنها تحكم ما حوله، وسر الجبل لم يوضع إلى اليوم بيد أحد، حتى السيد لم يمنح من قوى الجبل غير القليل. 

قال خالد: وما هي قوى الجبل يا عَلَم؟

أجابه عَلَم: والله لا علم لي أيها المسافر، لكن السيد يقول إن سربونة أخبرته ذات مرة أنه مكتوب بالعين «من يقتل ليليث سيقر الجبل ويعيد الزمن ويطفئ الجمر، ويحرر عبيد الأراضين السفلى من البشر ويسود بني جلدته في الأرض». 

استغرب خالد من كلام عَلَم وقال متهكمًا ساخرًا: علامَ العجب وأنا في بلاد العجب! ثم أردف متسائلًا: أين إسماعيل؟ وأين أم إسماعيل؟

قال: إنهما في خلوة معًا منذ بداية اليوم، فلم يريا أحدهما الآخر منذ زمن.

أردف خالد قائلًا: نعم، في مسافة يوم فاق عمر الابن سن أمه! وأخذ يهذي: أي جنون هذا يا ربي؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.