جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

تَحْتَ سَقْف خُرْدَة

0 44

تَحْتَ سَقْف خُرْدَة

بقلمي: جلال أبودربالةالمغربي

مازالت هذه الخردة تسقفني، هنا مسقط رأسي و هنا عشت برفقة إخوتي الخمسة.


فتحت عيني و أنا أشاهد هذه الأقدام تتحرّك مجيئةً و ذهابًا طوال اليوم حتى يبسط سواد الليل جناحاه على الشّوارع، كانت وصيّة أمي أن لا يبرح أحد هذا المكان.

لم أكن أعلم إلى أين كانت تذهب لكنّني عن علم لماذا كانت تفعل ذلك، كل صباح كان الجوع يقتلنا و نحن ننتظر مجيئها حتى تطل علينا من زاوية الشارع الأماميّة ممسكة شيئًا بفمها فأحيانًا يكون فأرًا و أحيانًا قطعة لحم، ما أن تستقر أقدامها أمامنا فترميها أرضًافنتناهشها فلا نبقي منها شيئ، تضل واقفةً تحدِّق بنا، لا تأكل معنا بل تتركنا حتى نشبع.


دفعت الأيام بعضها بعض، صرنا فتيانًا فكان لِزامًا علينا أن نتعلّم البحث عن الأكل بمفردنا هذا الفعل المضني الّذي يُتعِب كثيرًا، لا تفعله إلّا إذا جعت و كلّما تأخرت في ذلك استصعبت فعله.


لديها وصايا لا تتوقّف لكني لا أنسى تلك التي كانت تردِّدها دائمًا و هي ألّا نثق ببني البشر أبدًا.

سألتها ذات مرّة من هؤولاء يا أمي؟! قالت بعد أن رُسِمت علامات غضبٍ عليها:- إنّهم بنو الإنسان و يدعونهم بشرًا، هم مثلنا خلقنا رب واحد إلّا أنّهم لا يسيرون على أربعة و لديهم عقول و هذا ما يجعلهم أكثر المخلوقات خطرًا.
نظرت إليها بنظرات استغراب من قولها لم أعي ما تقول تمامًا مع أنّي لم أهمله تمامًا.


ما فتِئَ ذلك اليوم محفور في ذاكرتي عندما خرجنا ليلًا من تحت ذلك السقف الصدء، كانت أول خطواتنا فوق اسفلت الشّارع، السكون قد خاط صمته خلال اللّيل، النّاس نيام و لا تسمع سوى نباح كلاب أو مواء قطط، كنّا على وشك قطع الطريق عندما طلبت منّا الانتظار على قارعته حتى تأذن لنا باللّحاق بها، وضعت أولى خطواتها نازلةً من رصيف المشاة ما أن بلغت منتصفه حتى جاء هديرها مسرعةً متجهةً نحوها، دقّت قلوبنا بقوة بفزع يجتاحها ننظر لها منادين محذرين لكنّها كانت أسرع من استجابتها لنا فالتهمتها بسرعتها، تركتها خلفها جثة هامدة، دماء حولها كما أنا و إخوتي أيضًا، تلك أول مرّة أرى فيها سيّارة و أرى فعلًا بشريًا، لقد سلب حياة أمّي.


تفرّقنا عنها و تركناها ممدّدة، عدنا من حيث أتينا حزن بداخلنا.. جوع.. خوف.. حتى مضت أيّام و نحن كذلك، تفرّق عنّي إخوتي واحدًا تِلو الآخر باحثين عن طعام لكن لم يعد أحد.


ضللت في مكاني بعد أن حاولت عدّة مرّات في البحث عن شيء آكله لكنّني أعود أجرُّ أذيال الفشل ورائي في كل محاولة لم أشعر بالجوع هكذا من قبل أدركت فضل أمّي علي و لماذا لم تكن تشاركنا الطعام.

تسطّحت فوق بطني واضعًا رأسي أرضًا ساغبًا لاغبًا، لم أقوى سوى على المواء اللّا إرادي.


بينما أنا كذلك ليومين تقريبًا إذ بإحدى الأقدام التي كانت دائمًا ما تمر من هنا.

توقّفت أمامي كانت ترتدي جوارب بيضاء.. حذاء أسود.. لم أعرف لماذا؟ لكني أشك بأن موائي كان سببًا في ذلك، أحسست بفزع.

جثى على ركبتيه قبل أن يضع يديه أرضًا ليدنو برأسه يسترق النظر تحت ذلك الهيكل المعدني، أقصد السقْف الذي يعلوني.. بيتي الّذي ولدت فيه.


يرتدي نضارة طبيّة، وسيم الوجه.. بريء النظرات.. حقيبته متشبثة بأكتافه تحتضن ظهره، كان طفلًا لم يتجاوز العشرة أعوام.

نزع حقيبته.. فتح جرابها.. أخرج قطعة خبز.. رماها لي حتى بلغتني.. ابتسم و هو يقول:- كُلْ لابد بأنك جائع ثم غادر مسرعًا بعد أن ناداه زملاءه الّلذين سبقوه بخطوات.

تنشّقت رائحتها فدبّ ذلك في نفسي، التهمتها بشراهة لم ينجو من لساني حتى فُتاتها، لم تشبعني لكنها قضت على بعض من هذا الغَرَث اللعين.

أصبح كل يوم يُحضر لي بعض الطعام حتى صار يجلس يتأملني و أنا آكل، كانت السّعادة ترتسم على محيّاه عندما يفعل ذلك، ذات يوم كنت منغمسًا في وجبتي حين مدّ يده نحوي توقّفت عن الأكل و عدت للوراء لكنّه عاد أيضًا، باغثني بفعله ذلك مستغلًا انشغالي بالأكل عندما وضع يده على رأسي شعرت بغرابة من ملمسه فهذه المرة الأولى التي يضع فيها آدمي يده فوق فرائي، أصبحنا صديقين أحبّني كثيرًا لذلك قرّر اصطحابي معه للمنزل، حملني بيده و وضعني داخل حقيبته واضعًا سبّابته على شفتيه قائلًا: اششش لا تصدر صوتًا فلا أريد لأحد أن يعلم بوجودك.

لم تفارق تلك الصورة صَفار عيني، أغلق سحّابها فوقي فأظلم المكان من حولي لم يمضي الكثير من الوقت حتى انبلج النور، أخرجني فإذا ببيت كبير.. فارِه.. به حديقة رائعة مخضرّة.. توجّه لإحدى حوافه كان تحته مكان أشبه ما يكون بسرداب ضيق.

سأعود بعد قليل لا تغادر، هذه كلماته التي قالها لي قبل ذهابه.

كان كلما جاء وقت المدرسة يضع لي طعامًا و يتسلّل ليلًا ليعطيني آخر.

إلى أن تنفس ذلك الصّباح الذي كانت فيه تلك المرأة تسقي الزّرع فلمحت وجود شيء ما هناك اقتربت تحدّق بتمعّن، كنت مستلقيًا حين أطلقت صرختها التى كادت أن تهلك أذناي لأقف مفزوعًا منها.

هرع رجل و امرأة يرتديان ملابس أنيقة للخارج يتسائلون ماذا هناك يا جيبوتي؟ لماذا تصرخين؟

تسمّرت في مكانها تشير بإصبعها نحوي مرتعشةً كأنّ بها صرع.

ما أن رأوني البقيّة حتى بدا الغضب على وجه تلك المرأة المتأنِّقة بشرر تتقاذفه عيناها تحت قوس حاجبيها المقطّبان حين قالت: إنّه جنّي، الّلعنة لابد أنّه وليام!، أعلم بأنّه جلب هذا سأوبخه عندما يعود من المدرسة؟ كيف له أن يحضر لي قطًا أسود اللون في منزلي؟!.
سيحدث شيء لا يحمد عقباه فهذا نذير شؤم علينا، تناهى صوت نفث أنفاسها الحارة لمسمعي حتى اهتز داخلي.

مازال الرّجل صامتًا إلى أن أكملت كلامها ثم قال: لا عليك عزيزتي.. اهدئي سأنظر في الأمر عند عودته.
فأردفت: أرموه خارجًا.. هيّا.. إيّاكم أن يأتي للداخل.

لم يمسّني أحد بسوء إلّا أنّهم غادروا جميعًا.

لا أعرف لماذا لم ينفذوا أمرها!.. شيء بداخلي ينبء بعدم الارتياح.


مضت ساعات من الزمن.. جاء بعدها ذلك الصبي الذي أحضرني هنا إنّه وليام حفظت اسمه منذ أن نطقته تلك المتعجرفة.

ما أن دخل البيت حتى أتى صوتها و هي توبخه صارخة كانت تنعتني بالجنّي بسبب لوني الأسود، أمرته أن يعيدني من حيث أتى بي لكن تدخل الرجل في اللحظات الأخيرة لتوافق على مكوثي في الفناء.

كانت لا تحب رؤيتي و خاصة في الصباح، منعت كل الخدم من إطعامي أو منحي شربة ماء، لكن وليام كان يهتمُّ بي كثيرًا.


كبر وليام و كبرت معه و كبر كرهها لي أيضًا،
كان لزامًا أن يغادر وليام إلى مدرسة داخلية في بلدة أخرى و ضللت لوحدي في فناء المنزل.

كنت دائمًا ما أتصارع مع الجوع فلا أسده إلّا ببعض من مخلفات طعامهم، خرجت في أحد الأيام باحثةً عني تصيح أيّها الجنّي أين أنت إلى وجدتني مرميًا بارتعابٍ يجتاحني في مكانٍ ما في الفناء فقامت بطردي خارجًا حين قالت لقد غادر من كان يساندك، رأيت زوجها يقف عند مدخل البيت و لم يحرِّك ساكنًا قبل أن يعود للداخل.


عدت قط شارع كما ولدتني أمّي، تعلمت أنه قد يبعث لك الله من يحبك و تحبه يساندك و يساعدك قدر استطاعته لكن القدر قد يخيط لك فراقه بين نسيج أيّامك التّالية دون أن تعلم.

صرت أجوب الشوارع باحثًا عن لقمة تسد فراغ معدتي أو رشفة ماء تبلِّل عروقي الجافّة و لكن عندما أعجز أعود لبيت وليام أعود لمنزل من أحبّني لعلّي أجد ما آكله أو لعلّي أجده قد عاد، كنت كثيرًا ما أبيت ليلتي قرب بوابته الخارجية لتطل هي من إحدى النّوافد تناظرني لا أعلم ما يدور بعقلها الّذي أودعه الله فيها لكنّي أرجو أن تحن عليّ و تدخلني إلى الدّاخل.


مُمَدّدًا في مكاني وقفَت بحذائها ذو الكعب العالي تنظر إليْ، جلسَت القرفصاء أمامي، مدّت يدها واضعةً صحنًا به قطعة من سمك، اندفعْتُ نحوها بشراهة آكل و أحمد الله أن حنّ قلبها على حالي.

أكملت الطّعام و مازالت جالسةً أمامي، صرت ألعق يدي عندما وقفت إشرأب نظري إليها فنظرت نحوي و أمالت زاوية فمها بفرحٍ ماكر قبل أن تقدفني قائلة: سوف لن نلتقي مجدّدًا أيّها الجنّي.


شعرت بأمعائي كأنها تُربط.. معدتي تنقبض.. أنفاسي تتقطّع.. علمت بأنّها قد دسّت السّم في الطّعام.

غادرت من أمامي، توقّفت عند البوّابة.. التفتت.. أمالت رأسها إمالة سعادة نصر، دخلت و أوصدتها خلفها.


مالذي فعلته لها؟!، أكان ذنبي أن خلقني الله أسود الفراء أم ذنبي أني أحببت ابنها أم أنّي وثقت بها؟.

جرّتني خطاي قاصدًا مقصدي أترنّح أستريح بين الفينة و الأخرى كلّما مرّ الوقت ازداد الألم أسوأ حتى أحسست بأن أحشائي تتمزّق، شيء ما يأكلني من الدّاخل لم أعد أسمع وقع أقدام البشر و لا زوامر السّيّارات.

بلغتُ مكاني أردت أن أموت هنا حيث كنت مع أمي و إخوتي، دخلتُ تحتها، مازالت رائحتهم هناك، أخذت عيناي تتثاقل و الألم يعتصرني إلى أن أظلمت الدّنيا أمامي و امتنع قلبي عن النّبض.


وَيْكأنِّي به طيف قد أرسلته السماء نزلا.. فرحًا بمجيئهِ ينزل في تؤدة.. باسم الثغر كبدر يجلّي ظلمة الليل، بدا مألوفًا لي و بدت ملامحه ترتسم تدريجيًا.. نعم إنّها أمّي فرحت كثيرًا لرؤيتها نطقتُ قائلًا: أمّي.. كم اشتقت إليك.. إنّي خائف جدًا.
قالت مطمئنة: عزيزي لا تخف فقد استرحت من هذا الجنس الظالم.

أخذت بي نتصعّد في السّماء كالشُّهُب و قبيل أن نتوارى نظرتُ للأسفل فإذا بجسدي مازال قابعًا.. تَحْتَ سَقْف خُرْدَة.

تمّت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.