جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

تلميذ السيَّاب الأنجب ومتمِّمُ قصيدته / بقلم نمر سعدي

0 19

تلميذ السيَّاب الأنجب ومتمِّمُ قصيدته / بقلم نمر سعدي

أخيراً ترجَّل عوليس القصيدةِ العربيَّة كالنسر المدمَّى الجناحين لاحقاً بوحيده وفلذةِ كبدهِ حيدر، ألقى سعدي يوسف عصا الترحال واستقرَّ بهِ النوى في بلاد الضباب.. بعيداً عن بساتين دجلة وشموسِ أبي الخصيب ونوافذ النخيل وأضواءِ السواقي الصغيرة.. يا لها من لحظة مغمَّسةٍ برمادِ الفجيعة، سعدي الذي تربَّى معظم الشعراء العرب على قصائدهِ التي أثَّثت مخيالنا الإبداعي.. سعدي الشعراءُ في شاعرٍ والمترجمون في مترجم.. وووو.. مرَّة سألته عن علاقته بالسيَّاب وأثر السيَّاب على تجربته.. تنهَّد واسترسل: بدر الحقيقي العميق صعب، في أنشودة المطر يحذف كلمة اللؤلؤ من أحد سطور القصيدة لحقيقة علمية تقول أن الصدى لا يردِّدُ حروف اللين.. كانَ يكنُّ احتراماً للشعر حتى هذهِ الدرجة.
يتبادر إلى ذهني قول لأحد مذيعي إحدى القنوات الأدبية مقدمَّا سعدي في حوار أدبي متلفز.. “سيكون معنا سعدي يوسف.. أكبر الشعراء العراقيين الأحياء” وأضيف أنا “وأكبر الشعراء العرب الأحياء”.. كتب سعدي يوسف كثيراً.. كتب كما لم يكتب شاعر عربي من قبل، تنفَّسَ الشعر وعاشَ القصيدة.. وخاضَ التجربة بكل أبعادها وتفاصيلها واجتراحاتها وانزياحاتها وفتوحاتها، جماليَّةُ قصائده مذهلة.. لغته مشتعلة مزهرة.. شاعرٌ يعرفُ كيفَ يستولي على قلبِ القارئ ويتوَّغلُ فيه، يشيرُ للقصيدةِ فتتبعهُ.. يناجيها فتجيبهُ.. كيف لشاعر يستدعي القصيدة فتجيبهُ.. كأنها على موعد معه.. أو كأنها تجري في دورتهِ الدمويَّة، أسرَّ لي مرةً أنه يشعرُ وكأنهُ يكتب أوَّل قصيدة له في كل مرَّة يجلسُ مراوداً القصيدة عن نفسها.. عاش سعدي كما ينبغي لشاعر.. مزجَ امرئ القيس بشكسبير.. أبا تمام بت س اليوت.. المتنبي بغرائبية ووتمان. كتابته مزيج غامض وعبقري من أسلوب السيَّاب وأبي تمَّام.. لوركا ووتمان.. تجدُ في جملته إشراقات الشعر الصيني متجاورة مع التماعات الشعريَّة العالميَّة، ولكن نفس السيَّاب واضح فيما وراء السطور.. كيف لا وسعدي هو التلميذ الأنجب لرائد الحداثة والامتداد المطوَّر له.. لوركا أيضاً يشعُّ بأقمارهِ وغاباتِ الزيتون ونوافير الورد والرياحِ الخضراء.
الشاعر المعاصر العربي الوحيد الذي كان في نصف الدائرة محاطاً بشعراء لا يحصون.. كلٌّ يطيل التحديق في تجربته اللا نهائيَّة الغنيَّة الممتدَّة ويريد اللحاق والتأثُّر به.. كان القدماء إذا قالوا المدينة فإنما يقصدون روما وإذا قالوا الخطيب فإنما يعنون شيشرون.. أما تاريخنا الأدبي الحديث فسيذكر أننا إذا قلنا الشاعر فإنما نقصد سعدي يوسف.
رحلَ السيَّاب في ذروة الشبابِ وفي أوج نبوغهِ الشعري ولكن سعدي يوسف برهافتهِ وبشفافيَّة روحه الشاعرة توَّغلَ في الغابةِ الاستوائيَّةِ وفي بريَّةِ المجازات كما لو يتوَّغل شاعر عربي حديث من قبل.. كانت القصيدة تجري في مجرى أنفاسهِ.. محترقا بها.. ومضيئا ليلَ غوايتها بقنديل ليمون في قلبهِ.. كانَ الامتداد الحقيقي الأعمق والأجمل والأكمل لتجربةِ بدر النابضة والتي يهبُّ صداها من وراء الخلود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.