جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

تعلّمت الكتابة / محمود طارقي / تونس

0 21

تعلّمت الكتابة / محمود طارقي / تونس

تعلّمت الكتابة على لوح خشبيّ
واعتقدت طويلا أن الحروف مقدّسة لا يمسّها الدّنس
إلى أن كتبت أول نصّ…

كما ترون
الأمر بسيط جدا
فجميعنا تعلّمنا الكتابة
ولذلك صرنا نكتب
فهل يستحقّ أمر كهذا أن يصرخ أحدكم من أجله و يقول: “أنا كاتب!”

وفي الأثناء،
مازلت أشاهد حروب الأرض على “فرانس 24”
لأنّ المراسلات جميلات
ولأستشعر السّلام في بلدتي الصّغيرة “حامّة الجريد”

كلّ طفل مات في إحدى النّشرات،
اشتريت له الحلوى وقدّمتها لطفل آخر
حتّى يتذوّق موته…

وكلّ طفلة ماتت،
قبّلتها من خدّها على وجه طفلة أخرى
لتتذوّق حياتها…

وكلّ أمّ ماتت،
ناديتها في اسم أمّي…

وكلّ أب مات،
ألحقته بسلالة الأنبياء…

وكلّ أبتر مشى بعكّاز،
تعكّز على رجلي التي تخشّبت حزنا…

وكلّ يد قُطعت،
لم أرد أن أصفّق بعدها…

وكلّ نفس أخير لبريء قُتِل،
كان حارّا في صدري
كفوّهة مدفع…

وكلّ أعمى صرت أنام في عينيه المغمضتين
وعندما أستيقظ
لا يبصر معي…

وكلّ أعرج من أجله صرت أحترم حفر الطّرقات
وكلّما تعثّرت
أسبّ الحكومة بنبرة أقلّ غضبا…

سعادتي صارت حزينة منذ زمن بعيد،
فيكفي أن أشاهد الأخبار لأتعثّر في جثث إخوتي…

سعادتي حزينة جدّا
ولذلك صرت أكتب
وأتقدّم في السّنّ مع كلّ خبر قتل
وأسأل نفسي:
كيف لطفل أن يموت في الخامسة من عمره قبل أن يكتب أوّل نصّ ويدنّس كلّ الحروف التي تعلّمها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.