جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

تعانق فلسفات الموت و الحياة ، في قصة لا غبار على الموت للقاصة السورية ريتا الحكيم

0 152

بقلم / سعاد الزامك (مصر)

****

اعتبر الفلاسفة منذ القدم أن الموت أمر لا يطاله الفكر و لا يدخل في نطاق إمكانية المعرفة .. إذ يمكن اختيار الموت بأي شكل من الأشكال ليس بالفكر و لا بالتخيل و لا بالحس .. و على حد تعبير “أبيقور” ( عندما يحل موتي أكون قد أصبحت غير موجود ، و طالما موجود يكون موتي لمّا يأتي بعد ) .

“لا غبار على الموت” عنوان يطرح استفسارات عدة .. هل أرادت به الكاتبة تأكيد حقيقة الموت ، و أن لا شئ يمنعه ، أم أرادت نفيه ؟ هل قصدت بالموت الرحيل عن الحياة ، أم أنه تبادل الموت و الحياة لمفهوهما باغداق الحياة غبار رذائلها على الإنسان ، فأماتت قلبه ؟ أم عنيت بالموت فناء الروح باغفال ما خُلقت له من عمل و اعمار للأرض ؟

من خلال ما تناولته الفلسفات و الديانات من مفاهيم الموت و ماهيته ، و علاقته بالحرية و المسؤولية و في إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي ، و الأنا الفردية بالأنا الكلية وصولا إلى المعرفة الإنسانية ، و كل ذلك في إطار فلسفة الحياة و الموت ، و تأثيرها على النواميس و العلاقات الاقتصادية و الاجتماعية و الإنسانية في المجتمع . و هنا نجد أن الذات الساردة – من خلال ثقافتها و قناعتها – قد حملت قصتها برموز و دلالات عديدة لتأثير الموت على العلاقات الإنسانية للمتوفى ، و منها على سبيل المثال لا الحصر :

لا يبقى من ذكرى راحل عن الحياة سوى صورة مهملة معلقة على جدار الجميع ( رمز للذكرى ) ، فيما عدا الأم التي لا تتمكن من نسيان دورها بالنسبة للابن من اهتمام و نُصح و ابتهالات مهما غاب من زمن و إلى أن تجاوره في لحده ، و الحبيبة التي لا يندمل جرح فراقها لحبيبها فتداوم على زيارة قبره و مناجاته الحميمة ، أما الأخت ( رمز لعقوق الإخوة ) تقفل باب الاهتمام بأخيها بعد فترة يسيرة انشغالا بشئونها . و لزيادة التأكيد السردي على اهمال هذا الراحل اتشاح صورته “بالأبيض و الأسود” ، حيث يتعانق الحياة و الموت رمزا ، فاللون الأسود ( رمز للحداد و الموت ) و الأبيض ( رمز للحياة ) ، و ما عاد يعني الأغلبية تحديث الصورة أو ازالة الغبار عنها .

قيل أن الميت يعلم من يزوره إذا كان يعرفه في الدنيا ، و يستأنس بأحبابه إذا زاروه ، و يعلم أخبار أهله من خلال سؤال من لحق به من الموتى ، و هنا أثار الراوي تلك الفكرة بعرض زائريه ( الأم ، هناء ، بهية ، و كذلك الطفل المرجح كونه ابن المتوفى للشبه الكبير بينهما رغم عدم وجوده بذاكرته ) .

كذلك طرح مقت الظلام من خلال الحديث عن “الليل المقيت” ، وربما عُني به الموت ذاته الذي يغلف الميت بظلام الوحدة و الفزع مما يليه – في اعتقاد أغلب البشر – ، و قد عبر عنه “هيدغر” قائلا : إن الكائن الموجود منذ أن يعي نفسه يصبح مرشحا للموت و تبدأ حياته تنمو في ظل حداده ، و هذا ما يجعل الكائن البشري معدّاً للموت غائصا في لجة اليأس يبحث عن معنى الحياة التي تصب في فجوة الموت المرعبة و المعتمة .

أرى أن الكاتبة قد اختارت موضوع قصتها من خلال فلسفتها الخاصة ، و قد حملتها بانتفاضة على الحياة و ربما قبول لفكرة الموت – قد أُصيبُ أو أخطئ – لكن بعد خوض غِمار القصة و ذكريات الراوي و فرضياته الفلسفية للحياة أيقنت بذلك . حيث تُبرهن فكرتها بمقولة ( بعد كل انتكاس أصاب البشر و بعد كل خيبة من وجودهم على قيد الحياة للاشيء ، فقط لزيادة عدد السكان ، و ليكونوا تعويضا عن خسائر الأرواح في الحروب ) . هنا يطرح السرد معاناة الأحياء من تناسل بشري مُحبط ( بفتح الباء و كسرها معا في آن واحد ) ، و مُخيب ( بفتح و كسر الياء كذلك ) ، و يؤكد على انشغالهم بالتناسل دون عمل مُجدٍ ، بل كل مبتغاهم في الحياة حروب و تناحر أماتوا القلوب من أجل أهوائهم و مصالحهم دون مراعاة لحدود أو قيم ، تلك الحروب التي تُزهق أرواح البشر الآن و قد يحين أوان فنائهم جرائها .

تتسم القصة بأسلوب سردي منمق مُيسر رغم فكرته الفلسفية ، و الانتقال السلس بين الأحداث ، و تنوع الشخوص و تمازجها من خلال مواقف مختلفة ، فكانت كسلسبيل شهي لا يصيب متذوقه بالاجهاد في سبر الأغوار أو الملل أو التشتيت . كذلك برعت الكاتبة في انتقاء مفردات و صور تلائم الحدث منها على سبيل المثال ( الأبيض و الأسود ، نهاية الخدمة ، لتزيل عن جسمك التراب العالق به ، حضني البارد ، ذاكرتي التي توقفت من زمن ) .

و عودة للعنوان “لا غبار على الموت” أرجح أن الكاتبة أرادت أن تنفي حقيقة الموت للإنسان إذا دامت ذكراه ، و كذلك عندما أبرزت تجدد الحياة بعد الموت أو استمرارها في صورة الابن ( ذلك الطفل الذي يشبهه رغم فارق العمر ) الذي لم يعلم به ربما بسبب ميلاده بعد موته .

و من أجل الأمانة النقدية أهمس في أذن الكاتبة بهنتين – من وجهة نظر تحتمل الخطأ أو الصواب – الأولى حيث جاءت البداية كاشفة بالتصريح بحقيقة وفاة صاحب الصورة ( اليوم عُلّقتُ على جدار ، صورةً بالأبيض و الأسود ، في إطار فاخر ، بدا لي الأمر و كأنه مكافأة نهاية الخدمة ) ، و كان الأفضل أن تبدأ من الجملة الثانية ( أرى الجميع و هم يعبرونني دون أي اهتمام يذكر ) ، و أقترح – بغير إلزام بالطبع – نقل وصف الصورة المعلقة للنهاية حيث تمسح عليها “بهية” بفوطتها المبللة من أجل بلوغ الخاتمة المدهشة . الهنة الثانية في وصف الراوي لحبيبته “بهية” ( سواد شعرها و ليله الحالك ) ، و ربما الأجمل الاكتفاء ب ( شعرها و ليله الحالك ) ، فمن المتعارف و المتفق عليه اتصاف الليل الحالك بالسواد الشديد .

سعاد الزامك

25/3/2019

لا غبار على الموت

قصة / ريتا الحكيم ( سورية)

****

اليوم عُلّقتُ على جدار ، صورةً بالأبيض و الأسود ، في إطار فاخر ، بدا لي الأمر و كأنه مكافأة نهاية الخدمة .

من حيث أنا الآن ، أرى الجميع و هم يعبرونني دون أي اهتمام يذكر ، وحدها أمي كانت تطل علي بين حين و آخر ، تمسح عني غبار الزمن ، ترتشف قهوتها و هي تتأملني بحنان ، تحدثني عن عقوق إخوتي ، و ما آلت إليه أحوالهم .

شكوت لها من حكاك في أسفل ظهري ، بادرتني بمسحة من يديها و ابتهالات بشفائي ، رجوتها أن تحضنني بين ذراعيها ، قالت لي : كفاك دلعا يا ولد ، كُفّ عن الجلوس هكذا دون أن تفعل شيئا ، أما اكتفيت من هذا الشرود و اللامبالاة ؟

هيا انهض بسرعة لتزيل عن جسدك التراب العالق عليه ريثما أكمل طعام الغداء و سأعود إليك لنشرب القهوة .

طال انتظاري إلى أن غفوت و لم أصحُ إلا على صوت دندنة أختي المبتهجة دوما لأغنية وردة الجزائرية “بتونس بيك” . أنصت بمتعة مراهق يلفظ طفولته على مشارف الشهوة ، تكورت في المكان و في حضني “بهية” ، غبت للحظات في سواد شعرها و ليله الحالك ، لم يدم ذلك طويلا ، أختي “هناء” توقفت عن الغناء و صفقت وراءها الباب بقوة .

الكثير من الشوق لمن احتلت حضني البارد للحظات خلتها دهرا ، و القليل من الوقت تكفل بإعادة تدوير ذاكرتي التي توقفت منذ زمن . خطوات قدمين صغيرتين تتنقلان بسرعة في أرجاء الغرفة ، انتزعتني من أفكاري ، استغربت وجود طفل صغير في بيتنا ، خاصة و أنه يشبهني تماما رغم الفارق العمري بيننا .

بين يديه الصغيرتين مسدس مائي صغير ، رجوته أن يرشني به ريثما تعود أمي مع فنجان القهوة ، لم يسمعني أو ربما أنا ما استطعت الكلام .

عاد الهدوء بعد خروجه و عدت إلى قوقعة أفكاري ، أنهش محتوياتها ، و أعتصرها لأتذكر من هذا الصبي ، و أخترع ألف جواب لسؤال واحد ، لماذا لم يسمعني ؟

شارفت الشمس على المغيب ، لم تعد أمي و لم أشرب القهوة الموعودة . يا لهذا الليل الطويل القادم إلي و كأنه ينتقم مني لأنني أكره حلكته ، كثيرا ما لعنته في سرّي و كلتُ له شتائم لو أدرجوها في كتاب ، ستغدو معجما قيّما تتناوله الأجيال القادمة و من خلاله تعرف كيف تطورت الشتائم بعد كل انتكاس أصاب البشر و بعد كل خيبة من وجودهم على قيد الحياة للاشيء ، فقط لزيادة عدد السكان ، و ليكونوا تعويضا عن خسائر الأرواح في الحروب .

تذكرت أنني لم أغادر هذا المكان و لم أستحم منذ سبع سنين و أكثر ، ليت أمي تعود لتزيح عن المكان شبكات العنكبوت في زواياه . ارتجفت أوصالي حين لمحتُ أمي غافية في نقطة قريبة مني جدا . مع من كنت أتحدث إذن منذ قليل ؟

كيف رأيت بهية و هناء ؟

هل أنا مجنون ؟

جاءني الجواب على عجل هذه المرة ، حين أحسست بفوطة مبللة تمسح الغبار عن صورتي و صورة أمي المعلقتين على ذاك الجدار ، ذكانت بهية بكل صمودها و عنفوانها ، تأتيني بين حين و آخر لتذرف دموعها و تمسح عنّي غبار الموت .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.