جريدة النجم الوطني
alnigm.com/gif2.gif

بدوي على ضفاف السّين .. محمد الماغوط

0 62

بدوي على ضفاف السّين .. محمد الماغوط

إعداد رضا عبد الحي

باريس باختصار نداء لكل فقراء وبؤساء العالم أن يظلوا حيث هم. فهي من القوة والجمال والمناعة بحيث تشعر وكأن كل بلاطة في أرصفتها وكل زجاجة عطر في واجهاتها وكل هديل حمامة في غاباتها وكل سيف في قبضات تماثيلها،

تدفعك إلى الدهشة ثم الحسد، ثم الغيظ ثم الرحيل. كل شيء فيها: السياسة، الدين، الفن، الاقتصاد يبدو حرا ومرنا كراقص الباليه ومتماسكا كحلقات السلاسل حول أقدام الأسرى. وفي لحظات الحصار الخانقة أمام مواكب الجمال اللامبالية ثمة ما يدفع الغريب فيها ويستفزه استفزازا كي يتحرش بالمارة ويعترض طريقهم مثل “الإنسان الصرصار”

في رواية دوستويفسكي الشهيرة للتخلص من وحدته ولفت الانتباه إليه، وكثيرا ما كنت أتخيل نفسي وأنا أعترض طوابير “الليدو” أو مواكب “الشانزيلزيه” وأصرخ: ولكن أنا من جبهة الرفض، من دول المساندة

وقضيتنا عادلة واسرائيل مخلب قط للاستعمار. ولكن أي رفض وأية مساندة وأية مواجهة يمكن أن تجديك أو تلفت الانتباه إليك وأنت تتزحلق طوال إقامتك في شوارعها كما يتزحلق الصرصور في حوض الحمام.

ولكن بعد يومين أو ثلاثة من اقامتك فيها ينتابك إحساس من نوع آخر. إحساس انسان الكهوف، عندما يخرج إلى الغابة عند الفجر حيث يكتشف أن كل شيء أخضر ومضيء وأن كل ما حوله يوحي بالدعة والطمأنينة

ويدعوه للمشاركة في كل شيء ودخول كل الأبواب حتى أبواب الإليزيه.

برج إيفل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك صورة ذكرى.

نوتردام تدعوه وتقول تفضل وخذ لك ركعة أو قداساً.

والجمعية الوطنية تدعوه وتقول له تفضل وخذ لك درسا في الديموقراطية.

والحي اللاتيني يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك مناقشة أو طعنة سكين.

والباستيل يدعوه ويقول له تفضل وخذ لك “فلقة” وتعلم كيف تكون الثورات.

نعم. الباستيل الذي كان رمزا للظلم والاستبداد طوال قرون، أصبح مجرد نصب وساحة يتنزه حولها الطلاب والعشاق والعمال والكتاب والشعراء والثوريون والفوضويون من كل أنحاء العالم.

ويدوسون على أنقاض الظلم والارهاب مثلما يدوس العصفور على قشور البيضة التي خرج منها. وبالمناسبة، هذا السجن الذي أدى إلى سقوطه في يوم من الأيام إلى تغيير وجه أوروبا والعالم،

عندما اقتحمه الثوار… لم يجدوا فيه سوى ثلاثة سجناء فقط بينما أصغر مسؤول في أي بلد في العالم الثالث يوجد في براد بيته أو خزانة ثيابه عشرة سجناء على الأقل.

ولكنك من جهة أخرى لا تستطيع إلا أن تصرخ: ما هذا النابليون؟ لم يترك لوحة أو تمثالا أو خابية أو منفضة سجائر أو علبة عطور في كل أوروبا والبلدان الأخرى التي غزاها إلا وشحنها وكومها في بلاده.

حتى أن الذي يتجول في الجناح المصري في متحف اللوفر بردهاته وصالاته المزدحمة بالتماثيل والنقوش والعقود والأطواق واللآلئ والأقراط والصحون والملاعق والممالح الفرعونية

يخيل له أن نابليون نهب كل تاريخ مصر ولم يترك لها سوى السادات. بل أن أي شرقي ليشعر بالغيظ والمرارة وهو يرى الغزاة الفاتحين كيف نهبوا كل تاريخنا وكوموه في بلادهم وكيف نحن الآن ننهب حاضرنا ومستقبلنا ونكومه أيضاً في بلادهم.

وفجأة شعرت بالخوف وأنا أجرجر قدمي ذات مساء في ردهات “متحف الأسنان” حيث ترى بالصور والتواريخ والنماذج تطور الانسان والتبدل الذي طرأ على جمجمته وأسنانه وأطرافه ومخالبه منذ بدء التاريخ حتى الآن. كل نموذج معروض، بأسنانه المكشرة أو رأسه الصلعاء في واجهة زجاجية أمام الزوار وطلاب المدارس والجامعات.

وقد لاحظت فور وصولي أن بعض عمال المتحف قد أخذوا يعدون واجهة زجاجية جديدة لجناح جديد. فقلت في نفسي وأنا أتراجع بحثاً عن باب الخروج: ما الذي يمنع من أن يأتي أحد العلماء أو البروفيسورات ويلتقطني من ياقتي

ويضعني في هذه الواجهة ثم يقلبني بالقفازات والملاقط أمام الزوار وطلاب المدارس والجامعات

وهو يقول لهم: هذا الشي الذي ترونه والذي يشبه الانسان، كان لأجيال طويلة يظن أنه من فصيلة الثدييات والفقريات. ولكن تبين لنا، نحن العلماء، بعد المراقبة المستمرة والدراسة التقنية أنه ينتمي إلى فصيلة الزواحف

باعتبار ان الانسان العربي منذ فترات طويلة وهو يزحف على ركبتيه ويديه لينال لقمته وحريته. وفي الحال مزقت القائمة التي تتضمن أسماء الأماكن التي لم أزرها بعد. وقلت: “بلا لوفر بلا سوربون، ورأسا إلى الفندق، إلى المطار، إلى الخطابات”.

ولكن وأنا في طريقي إلى المطار ما أن رأيت أول شرطي مرور حتى أوقفت السيارة وطلبت من السائق أن ينتظرني قليلاً إذ كنت قد علمت أن الشرطي في تلك البلاد كلما اقترب منه أحد المارة وسأله

سؤالا يرفع يده ويؤدي له التحية ثم يجيبه على سؤاله. ولذلك تقدمت منه وسألته: أين طريق المطار؟ فرفع يده وأدى لي التحية وأجابني بكل رحابة صدر. ثم ابتعدت عنه رأسا، وعدت إليه مرة أخرى وسألته: كم الساعة؟

فرفع يده وأدى لي التحية وأجابني. ثم أخذت أودعه وأعود إليه وأسأله تارة كم عنده من أولاد؟ وكم راتبه؟ وهو يجيبني بنفس التحية ونفس الترحيب حتى شعرت بأنني إكتفيت. فأسرعت إلى السائق راضيا معتذرا فقال: ما قصتك أنت وهذا الشرطي، لقد أرهقته؟ فقلت: القصة وما فيها أن الشرطي هنا كما ترى عندما تسأله سؤالاً يرفع يده ويؤدي لك التحية ثم يجيبك على سؤالك

. أما عندنا في الشرق فالشرطي لا يرفع يده الا للضرب، ولذلك فعندي جوع تاريخي للاحترام والشعور بالانسانية ولذلك أخذت معي “زوَّادة” من هذه الاشياء لا أكثر ولا أقل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.