جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

“الهارب” .. قصة قصيرة .. بقلم / جهاد مقلد

0 10

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

“الهارب” .. قصة قصيرة .. بقلم / جهاد مقلد

- Advertisement -

تسلل إلى خيمة صديقه فوجده يُلمّلِم أغراضه سأله:
إلى أين ياصديقي؟ هل ستهرب؟!
_ لقدجاءنقلي من هذه الصحراء
_ حظك جيد، ولكن إلى أي مكان؟
_ لافرق. أين شاؤوا. المهم أن أترك هذه الصحراءاللعينة بحرِّها، وشرّها.
_ أما أنا فسأهرب هذه الليلة
_ إنها مخاطرة كبيرة، ولكن اطمئن لن يمنعك أحدٌ، عليك الانتباه…
إنما سِرّ بذلك الاتجاه ولاتحِدّ عنه، بعدها ستحتاج إلى مسيرة يومين تقريباً… بعدها تلتقي بطريقٍ للقوافل.
_ أعلم أن الصحراء مرعبة وتخيف قاطنيها قبل الهاربين، ولكنني سأهرب على أي حال.
_ ليس لدي سوى خف جمل كنت ألوكه أُسكت جوعي به هذه الأيام، قبل وصول قافلة التموين هذا اليوم.
سأهديك إياه لعله ينفعك.
ولكن انتظر لعلّهم غداً يوزعون علينا حصصنا من التموين، فأعطيك من حصتي فوق حصتك ربما يساعدك…
_كلا لن انتظر بل خذ حصتي أنت لقد حسمت أمري وانتهى الموضوع.
سأهرب من هذا المعسكر اللعين.
كان هذا الحديث يدور بين شابين في معسكرٍعثماني في إحدى الصحاري الإفريقية، في القرن التاسع العشر بين شابين من بلاد الشام قدر لهما أن تكون خدمتهما قسراً هناك
ما أن انتصف ليل الشاب حتى تسلل هارباً دون أن يلحظه أحد.
ارتفعت على الهارب شمس الصحراء اللاهبة، لقد كان كل همه الوصول إلى أي مكان يلوذ به من حرارتها اللاذعة، بعد نجاته في الخروج هارباً.
لاطعاماً يحمله ولا زاداً يقتات به سوى بعض الماء وحفنة من الزبيب، والتمر، وخف الجمل الذي أهداه إياه صاحبه حي وَدّهُ به. لم يكن هناك من يردع أحداً عن الهرب، لذلك لم يخف من المطاردة، فالصحراء المترامية الأطراف كفيلة بمنع أي جندي من المغامرة’ لِبُعّدها وقفّرها، لكن بطلنا غامر، وفعل، ونجح.
ما أن أشرقت شمس الصباح حتى كان قد ابتعد عن النظر مسافة كافية، وهو يعلم أن أحداً لن يهتم لهروبه، لذلك لن يخشى مطارداتهم. سار تحت الشمس الحارقة ساعات طويلة.
فجأة! وجد أمامه جثة رجلٍ ملقى على بطنه، يتأبط صاحبها الرمال الحارقة.
اقترب منه، نظر إليه… قَلّبَهُ فوجد بأن الروح قد خرجت منه للتو. ومازال جسده طرياً.
فكّرَ، ثم تفحصه جيداً من جديدٍ كان يبدو من ثيابه أنه من معسكرهم. وليس إلا طعنة خنجرٍ اخترقت ظهره وأودت بحياته.
حفر الرمال الناعمة بيديه لدفنه، فتشه قبل ذلك ثم وضع كافة حاجياته التي وجدهامعه جانباً.
نزع عنه ثيابه وحِذاءه، ثم واراه التراب.
ووضع جميع أشياءه في قطعة قماش، حملها معه. ليفيد منها.
وقبيل العصر بقليلٍ تكررَ المشهد. عثر على جثة أخرى قُتل صاحبها بنفس الطريقة كرر تصرفه هنا كما فعل مع القتيل الذي قبله، مستغرباً مما رآه من تلك الجرائم.
إلا أنه تابع سيره مع أن التعب قد أعياه… كانت حرارة الشمس قد خَفَّت كثيراً عند ماحان العصر…تمدّدعلى الأرض ليرتاح على الرمال وكانت مازالت تحتفظ ببعضٍ حرارتهاالعالية… استيقظ الهارب قبيل منتصف الليل وكان كغيره من الناس في تلك الأيام لاتنقصه معرفة الزمن من خلال النظر إلى النجوم في السماء.
لمّلم اغراضه لاكَ خُفَّ الجمل قليلاً لعلّه يسكت شيئاً جوع بطنه. فطن إلى أن حاجيات القتلى ربما تحوي بعض الطعام. تذكر بأنه لم يجد مع القتيلين ماءً ولم يكن بحاجة للماء فمعه مايكفيه، وربما كان القاتل قد سلبه قبله.
ولما كان الظلام حالكاً، لذلك أجلَ البحث في المتاع، وصبرعلى جوعه حتى طلوع الفجر.
عندها خفف مما لايلزم وما سيعيق سيره بعد أن وجد في متعلقاتهم عدة قبضات من الزبيب، والتين المجفف…الخ
وما أن بزغ فجره المنتظرحتى انطلق في الاتجاه نفسه الذي دلّه صاحبه إليه.
لم يكن ينقصه الماء فالقربة التي أحضرها معه تكفيه يوماً آخر، ومع ذلك كان لابد من الاقتصاد في الماء.
سار وقد بدأت الشمس تلسع ظهره لكن الريح من خلفه كانت تدفع به إلى الأمام وتساعده على السير لحسن حظه. وبقي سائراً حتى منتصف النهار تقريباً.
من البعيد لاحت له شجيرة صحراوية منفردة. غَذّ السير إليها لعله يستظل بها، وقد أعياه التعب، والسيرعلى الرمال الحارقة.
وكانت المفاجأة الكبرى حين اقترب، لقد شاهد رجلاً مدداً في ظلها. اقترب منه بحذر شديد، وهو يتساءل عما أوصل هذا أيضاً إلى هنا؟ اقترب نحوه، فلاحظ أنه يطوق حقيبة ًمن الجلد إلى صدره أما الرجل فيبدو كأنه ميتاً أوفاقداً للوعي!
رفع الحقيبة من بين يديه، فأعجزه وزنها الكبير، تفحّصهُ جيداً فبدا له أن الرجل يعاني من تعب شديد، وربما نتج ذلك عن
ضربة شمس. لحظات وتململ الرجل قليلاً ثم فتح عينيه…سقاه بعض الماء وسأله عما أوصله إلى هنا.
فقد كان الرجل في حالة يرثى لها. ومع ذلك فهم بصعوبة من حديثه المتقطع.
وهو يتأتئ:
إنه واثنين من رفاقه سرقوا من المعسكر مافيه من أموال، ورواتب وطبعاً كانت العملة آنذاك ذهبية وفضية فقط وتزن الكمية الكبيرة الكثير.
عرف أيضاً منه بأنهم اختلفوا معاً في الطريق بينما كانوا يتناوبون على حمل هذه الحقيبة ريثما يصلون مكاناً آمناً يقتسمون ما فيها. لكن الرجل الأول الذي وجده الهارب مقتولاً. أصرعليهم أن يقتسموا الأموال على الفور، وقال لهم:
إنه سيذهب في اتجاه آخر غير وجهتهم، وبسبب مشادة بيني وبينه اضطررت إلى قتلته.عندها تابعنا السير، وبعد مسيرةعدة ساعات حاول رفيقي الثاني أن يغدر بي. لكنني تغلبتُ عليه وقتلته.
لم ترق للهارب القصة كثيراً، ووجد فيها الكثير ممايريب فالطعنات في القتيلين تكْمن في الظهر. لذلك توقع أنه غدْر بهم وحرص ألا يسير أمامه بل بجانبه… بقيا معاًعدة ساعات.
تماثل الرجل للشفاء إلى حدٍ ما، وحمل الهارب له حقيبته الجلدية…
الصحراء ما تزال في حرّها ولهيبها، وإن كانت الشمس قدبدأت تميل إلى المغيب. إلا أنهما تابعا المسير حتى إلى ما بعد منتصف الليل، وفي البعيد تراءت لهما أضواء باهتة جداً
استبشرا بها خيرا. ولم يكن لدى أحد منهما خبرة في تلك المناطق، ولكنهما يعرفان بأن طريقاً للقوافل، لابد أنهما سيلتقيان به
قررا الاستراحة بضع ساعات. ثم تابعا السير. بدا شك الهارب برفيقه يظهر للعيان، لذلك حرص على البقاء حذراً وصاحياً.
ناما بعد غروب الشمس بقليل شعر الهارب بأن شكّهُ في محلّه. فقد انتبه لحركة مريبة من رفيقه
عندما لكزه اللص بعصاه بلطف! ومن تلك الحركة تأكد أنه يحاول التأكد من ثقل نومه… لذلك أخذ الهارب يتظاهر بالنوم، بعد أن فهم نيته!
تظاهر حينها بأنه غارق في النوم، وفجأة… لمحه يرفع خنجره ويهوى به عليه، إلا أنه كان فطيناً؛ على الفور تدحرج بسرعة البرق جانباً، وانقض على الرجل الذي كان قد هوى بجسده على الرمل بعدما فقد توازنه بسبب ضربته الخائبة،
غاص خنجره في التربة، ولم تمض دقائق على معركتهما إلا وكان موت الرجل سيد الموقف…
الآن أصبح كل شيء ملكاً للهارب.
قام بدفّن اللص في مكانه، وخفف مما لاحاجة له به؛ ثم تابع سيره بما استطاع حتى تفاجأ برؤية قافلة من الجمال تقترب وتتجه إلى القرية التي رأى بصيص أنوارها في الليلة
السابقة. انضم إلى القافلة حتى دخلت القرية، وبوصوله معها إلى القرية، ترك القافلة وملأ خرج دابته بحاجته من المؤونة. ثم تابع سيره إلى غايته.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.