جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

النَزِيلة رقم ٢٣ بقلم/ نادين بلال العتوم

0 41

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

النَزِيلة رقم ٢٣ بقلم/ نادين بلال العتوم

اعتقد أن قدرتي على التحليق تقلصت اتخبطُ فيما لا يعنيني اما عما يخصني فأنني قد أضعت مفتاح حياتي،البابُ الخلفي مُوصَد والقفلُ صَدْءٌ آخر محاولةً للدخول انتهت بسحق القفل تحت أقدامٌ فضولية،جميع الغرفٍ مغبرة وكأنها محرقة بل مقبرة تنزف دماء لا حد لها،انتشروا في انحاء البيت لامست قذارتهم قديسية المكان وجدوا ثوبي الأبيض ذو الرَقَبةالطويلة والظهر المكشوف كل حدود عامودي الفقري ظاهرة -لطالما كان كذلك- عقدٌ لؤلؤي منثور واثار اظافر مقضومة واصلوا اقتحامهم لغرفتي ما إن أقدمو على فتح الباب احترقت اطرافهم هاجمتهم الفراشات، اما زهور التوليب البيضاء فكانت مزروعة في أرض الغرفة دون آي تربة -أوكيف ذلك !
النور شقَ جبينهم دون وجودِ نافذةٌ واحدة او ثقب يتخلل اليه ضوء أيعقل هذا !
لم تكن هنالك ذرة غبار واحدة ولا حتى خيوط عنكبوت فقط هدوء وهواءٌ عليل كأنها الجنة كأنه الربيع.

لطالما تعجب الجميع من هذا البيت الكبير يقال انه دار رعايةً لآباء لم تخلق الرحمة في قلوب أبنائهم ، كل واحدة من هذه الغرف تروي حكاية مأساوية، منهم من إِلْتَهَمَ جسده عدة امراض فمات بفضل الاستعمار ومنهم من تلذذ الزهايمر على ذاكرته فمات بسبب التلاشي وكأن ذاكرته أصبحت سراب ورقة بيضاء خالية من الشوائب – يال حُسن حظه- ومنهم من اختَلستهُ النيران الا الغرفة الثالثة والعشرين كانت لها حكاية تبروز جميع الحكايات في اطار واحد وكأنها مصنوعة من عُروق أنسان مبنية منذ عشر دقائق نظيفة وكأنه للتو أَعَدَّ كل مافيها مازالت طازجة مُرتبة رغم عدم دخول اي احد إليها !

الجدير بالذكر انه دار الرعاية هذه قد شَبَّ بها حريق منذ أكثر من عشر أعوام وبالتالي أصبحت مهجورة لم يدخلها احد لم يحاول حتى هذا اليوم” اليوم الذي يصاحب تاريخ الثالث والعشرين من آيلول يقال انه في نفس التوقيت من كل عام تصدرُ اصواتآ من هذا المكان اصوات ليست رثة بل اصواتآ دافئة تشبهُ رائحة خُبزٌ طازج يليها عزف ناي برفقته ضحكات امرأة شابة خصبة في الأربع والعشرين ندبةً من عمرها يله صوت غِنْج طفلاً صغير،في هذا التوقيت من كل عام يَعِجُّ الخوف في صدور سكان الحي يَهلعُ الأطفال، لحين هذا اليوم عندما قرروا مجموعة من الشبان اقحام فضولهم في كل زاوية من هذا المكان فَتَحَسَّسُوا جميع الأشياء المهترئة كان هنالك العديد من دُمى الأطفال مبعثرة وبقاية الدموع التي اصبحت شبيها برماد تحولت إلى سيمفونية حزينة، تروي الغرف اطنان من الهموم والحسرة كانت الحكايات تنبع من الجدران دون الحاجة لتكتب عليه ومنهم من أصبح العفنُ مستأجرآ وقح لا يريد الرحيل لا توجد للحياة آي سبيل في قلب آي واحدة منهن ، لحينما دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل سقط إناء كبير فجر مفاجئة غريبة وبدأت أصواتُ العزف الممزوجةً بالضحكات تعلو وتعلو بشكلٍ جنوني كل ذلك لم يكن كافيًا ليزرع الرعب في قلوب هؤلاء الشبان الوقحين فقط اثار الصوت فضولهم اكثر دفعهم لتتبع تلك الأصوات وصولاً لمصدرها لتلك الغرفة حينما فتحوا الباب اخترق النور أعينهم،صاحبة هذه الغرفة قد ماتت بشكل لا يصدق ماتت من فرط الأمل على قدرِ جمال هذه الغرفة الذي لا يصدق ويكاد ان يكون جنوني الا ان للألم رأيٌ آخر ، كل شي منظم وزاهي جدآ لقد سقط نظرُ أحدهم على صندوق داخله كتاب كبير أصفر اللون مكتوبٌ عليه أسميته سَند ،قام بِفتحه وبدأ بقراءة ما دُوَّنَ فيه.

-إلى عزيزي سند إلى نِيَاط قلبي إلى من أحببته حتى حرقني هذا الحب إلى الذي لا اعلم أن كان الغفران كفيل إن يُعيدكَ إليّ ! أني اكتب لك كل يوم اُغمس القلم بدمعي واكتب على أمل ان تصلكَ رسائلي، ربما قد ارتكبتُ حماقة في الماضي دفعتك لتضعني داخل هذه الجحيم لكني أغفرُ لك ربما انا من قصرت ! أحكَُّ رأسي كل يوم في الحائط لتذكرِ ماذا حصل…

حسنآ سأقول لك انا يا مقلة عيني لم اؤذيك يومآ فقد أخترت السلام لأجلك انا تلك اليتيمة التي دفعتني الحياة للزواج من اول رجلًا طرق بابي باحثةً لي عن مُعْتَصَمٍ احتمي به ، لم أنبُس ببنت شفه في كل المرات التي همش فيها وجهي اما عن المرة التي عزمتُ فيها على الرحيل والانفصال عنه أكتشفت بأنك يا ملاكي قد أتيتَ لتروي ظمأي وتزهر ايامي جئت لتشرق شمسُ حياتي في الثالث والعشرين من أيلول حينها قررتُ ان ابتلع جميع خيباتي وحرائق صدري وتلك الكدمات ﻷجلك يا حبيبي نعم قَبلت وتقبلت أيمكنني أن اقول لنعمة الله لا ؟ أوكيف ذلك أكافرة انا !

حينها علمتك أن تقول اول جملة :أن كان الله معنا فمن علينا ! عَزفتُ لك على أوتار روحي أركض خلفك ازعم أننا نلعبُ الغميضة” فقط هيا اذهب واختبئ وأغلق أُذونيك جيدآ وانا سابحث عنك، لكي لا تسمع صوت كسري لكي لا تكبر قبل آوانك من أجل أن تبقى طفولتك سليمة لم تتدنس أو تُدفن او حتى تكره أباك وتتحول لمعتل نفسي، كرستُ نفسي وجميع ما تركه لي والدي لكي تحضى بأحسنُ تعليم لكي لا ينقصك شيء وتصل لمرحلة لا تحتاج بها أحداً أرضعتكَ أَنَاة صدري زَرعتُ بكَ مخافة الله الأصالة، العفة والرحمه ، لا اعلم كيف تخليتَ عنهم يا سندي كُنت لك الأم والأب الرفيقة والطبيبة،

- Advertisement -

آزرتكَ في كل الصعوبات في اختيار تخصصك الجامعي اختيار اصدقائك في اللحظة التي مات بها والدك وبكيت بها على بُكائك،حتى في اول مشروعًا لك كنت اول الحاضرين و الفخورين اول واخر الباكيين، كُنتُ الحائط الذي تَصب عليه جام غضبك، سوء ايامك رغم توجيهي وارشادي لك لم أَتَمَلمَلُ والله لم اشتكي يومآ فكل ما صدر منك اقدسه ولو أَحَلَّ أن يعبد احدآ بعد الله لكنتُ قدستك وافعالك حتى كلامي هذا لم اكتبه لكي أُعاتبكَ بل لكي اساعد ذاكرتي على استرجاع كل ما حصل لعل ذاكرتي تشفق عليّ وتذكرني اين كانت غلطتي في اي مرة أستحقيتُ إن تضعني هنا بعد زواجك ممن أحببت كم كُنتُ سعيدةً لأجلك حين تَخيلتُ أن يأتي طفلاً يشبهك في حلاوة عيناك وملامح وجهك، أيآ طفلي الحنون كيف كبرت للحد الذي اصبحت به آب ! لصغير مثلك أأعشقه؟ والله عشقته،
لم أقحمُ نفسي داخل حياتك او حتى في تربية طفلك بل بقيت بالمنتصف لستُ ببعيدة خشيتَ أن تحتاجني فلا تجدني ولستُ قريبة حد التطفل عليك لحينما أتى ذاك اليوم الذي ظهرت بهِ عليّ أعراض مرضٌ لم يخطر على بالي وقررتُ أن اذهب بصحبتك للطبيب لإجراء عدة فحوصات استمرت لأيام ليأتي صوت الطبيب الذي زلزلاً لي عظامي:-

-لا اعلم كيف أخبركم لكن للأسف والدتك مريضة بسرطان لكن المفرح بالأمر أن المرض في بدايته آي يُمكن السيطرة عليه ونسبة الشفاء منه جيدة.

  • على قدر قُبح الخبر ألا أني كُنتُ مطمئنة من أنني حين أرحل سيكون عزيزي بخير نعم فلقد اصبح رجلاً لا يخشى شيء لديه عمل وبيت ،زوجة وطفلٌ جميل، كُنتُ دائمآ اتجاهل فكرة رحيلي وأقول لا يا إلهي لا تأخد روحي لحينما يصبح طفلي في مأمن، شريط حياتي مَر أمامي وكأنه نيزك سقط ولم يوقفه شيء لا يمكنني أن أنكر ملامح الحزن التي اعتلت وجههُ حتى تمنيت لو كان باستطاعتي سرقتها لنفسي فقد حرمتُ الحزن عليه فهذا العزيز.
    لم اكن مقتنعة من فكرة العلاج المسمى بالعلاج الكيميائي ألا بعد إصراره الشديد ذهبت للمرة الأولى والثانية، لكم كان مخيف مبكي ! أيمكنك أن تتخيل روحك تنسلخُ عن جسدك دون ان تموت ! لكن والله مرارة المرض سالت في حلقي كَقَصَب السُكر لمجرد وجوده بجانبي كان كفيلٌ بأن يهون عليّ أوكيف ابكي اتألم او حتى أحزن وأكبر سعادةً لي تستلقي بجواري لم اكن اهتم مطلقآ بتلك النيران التي أكلت لحمي ونَثَرْت عظامي كَورقٍ خريف لم اهتم لكمية العجز والقهر الذي سحقني حتى بِتُّ أشبهُ قطعة قماش مهترئة لا تصلح لمسح غبارٌ حتى.

-في السابع عشر من شهر آب كنت قد بدأت بالتعافي قليلاً دلفتُ للمنزل وغفوت قرابة الخمسُ ساعات من ثم استيقظتُ على صوت شجارً حاد كبداية لم اكن افهم آي شيء مما يُقال او لربما ادعيت عدم الفهم، لم أكن اقصد استيراق السمع بل تسلل الصوتُ لغرفتي كأنه مطرقة تقول لي هاكِ تحطمي، لُبّ الحديث كان يدور حول مصاريف علاجي لقد فاقت قدرة تحملهم اما عن تلك الأوقات التي يقضيها بجانب سريري كانت مكلفة مما جعلها تستاء منه للحد الذي دفعها لأخد قرار الإنفصال عنه واخد الطفل منه بِحُجة تقصيره وأنه غير قادراً على تحمل مسؤوليتهم وما كان منه ألا أن يأتي إليّ خاضعٌ يأس يقول لي ماذا افعل ربما قد سمعتي كل شيء كيف لي أن أتخلى عنها وعن طفلي أتقبلين أن يَربى بعيداً عن حُضني أمي لا أقصد الإساءة او جرحي إياكِ ولكني في حيرة من أمري لا يهون عليّ مفارقتهم ولا حتى مفارقتكِ فلقد وجدت حلاً مناسباً يرضي جميع الأطراف سادع دار الرعاية تتكفل في مسكنك وكامل تكاليف علاجك لحينما تستعيدين عافيتك وسأتي لزيارتك دائما أرجوكِ سامحيني أحبكِ لكن ماذا عساي أن أفعل ضعي نفسك في مكاني ماذا ستفعلين؟

لقد كانت عبارة عن سكاكين تُغرزُ في صدري كانت جرعات الكيماوي ألذ واخف وجعاً من تلك الجُمل، كانت أحنُ وأرق وأطيب تلك النيران التي سلبتني عافيتي أهون عليّ مما سمعت أضع نفسي موضعك ؟ لقد وضعت نفسي في القبر من أجلك حرقت سَكُ حريتي من أجلك تجرعت الألم والذل والقهر من أجل أن تحضى بحياة صحية آه يا صغيري لو أتيت بخنجرً وزرعته هنا بالمنتصف لو أن السرطان كان في مراحله الاخيرة وانتصر، قد هُنتُ عليك ووقعت على ورقة لموتي! وتريد مني أن اُكمل علاجي ! آي حياة تلك التي سأدافع عنها من أجل من أُحارب لكي اعيش !

*مر وقتًا طويل منذ آخر مره سمعت صوتك امازلت تأكل اللواح الشكولاه بشراهه وتهاب طبيب الأسنان ؟ أمازلت تعزل نفسك ساعتين لتقرأ وتثور عندما تسمع صوت ضجيج واحداً ! قل لي هل رحل عنك ذاك الحلم الذي كُنتُ اسهر لبزوغ الفجر من اجل ان اطرده ! اشتقتك كثيرآ
مازلتُ أكتب لك وأدسُ الرسائل في جلدي وأقول كل يوم ستأتي وأتحسس ذلك الوجه الناعم وتلك العيون التي تشبه حبات بُندق مازلتُ اعزف كل يوم واقول ستسمع وتأتي لابد أن تأتي أتآوه كل يوم ليسَ من ذلك المرض فلقد أصبح صديقي المقرب بوجوده لم أعد أشعر بالوحدة كل يوم أقول سينتصر حتى ظننت أن وجوده محض خدعة، كذبة أمرا قيل لي لكي يوهم عقلي السبعيني كل يوم استفيق على أمل رؤيتك أن يختفي هذا الكابوس تأتي وتلتف حول خصري كما كنت تفعل وتقول لي :-
انتِ أم سند اي أمي يعني انتِ لي وحدي محظوظٌ انا لأنه ليسَ لدي أخوة لا أنكر أن الأمر مزعجٌ قليلآ لكنه مفرح كثيرآ فأنا أحضى بكل الحب والدلال يكفي أنكِ ملكي وتمثلين دور أخت وأخ وصديقًا لي….
لم أقل لك لقد نبث الصبار فوق معصمي أصبح يظهر بشكل غريب وجميل كنت متحمسه لليوم الذي يليه كأني طفلة سعيدة بقدوم العيد فأنت يا كل أعيادي غدآ الثالث والعشرين من آيلول وهذا اول عيد لك وانا بعيدةٌ عنك حتماً ستأتي فمن غير معتاد أن تفرح بعيدآ عني لقد رتبت الغرفة كما انت معتاد أن يكون المكان الذي تجلس فيه لم اسمح لآي من العاملين أن يلمسو شيئآ من أجل أن تألف المكان صنعتُ من غرفتي بيتاً مشرفاً جدآ لكي تجلس فيه يا حَملي ولكن اصبحت الساعة الواحدة بعد الظهر ومن ثم الثالثة عصرآ حتى أن الشمس شارفت على الرحيل بأسى كبير ولم تأتي بعد وفي الثامنة والنصف امتلئ المكان بصوت صفاراتُ إنذار غريبة كُنتُ أُدون كل تفصيل فقد قطعت عهدآ على نفسي ألا أرحل يومآ قبل أن أُخبرك مدى حبي لك ،
اندلع حريق لا أعلم ما مصدره اِلْتَهَمَ كل شيء حَاولت إحداهن اخراجي من الغرفة وابت روحي مفارقته أمسكت بيدي مُحاولاً سحبي للخارج قاومتها لحينما سَقطتُ أرضاً وتسحبت لتخبئة قلمي وكتابي داخل الصندوق لا اعلم ما الذي جرى بعدها لكني أعلم جيدآ أن السرطان لم يكن قاتلي ولم تلتهمني النيران فقط قتلني الانتظار

لقد انتظرت بصبرٌ عقيم أن تكون هنا للمرة الأخيرة ابت روحي مفارقة جسدي كباقي البشر دون أن تراك دون أن تعلم كم أحبتك من فرطتَ بها كم سُحقَ قلبها ، كم أعدت سيناريوهات عدة ترتب فيها مشاهد لُقياك ولكنك لم تأتي…

إلى من أحببت حملي الوديع وعِرقُ قلبي إلى من بفضله شعرت اني يتيمة مرتين كم صليتُ من أجل أن يغفر الله لك .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.