جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

المملكة الخاوية بقلم : جمال القاضي

0 23

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

قصة قصيرة
من الواقع بعنوان
( المملكة الخاوية )

- Advertisement -

بقلم : جمال القاضي

جلس عبد الحميد على أريكته التي وضعها أما قصره الذي يتوسط مزرعته الكبيرة التي تجاوزت ال 75 فدانا من الأراضي الطينية الخصبة ، تبعد عن القرية التابع لها بكيلوا من المترات أخذ يحدق في مزروعاته بجانبه زوجته التي بدأت معه برحلة حياته الأولى تفتح الأبواب لمزرعة الدواجن وغيرها من الأنواع الكثيرة من الطيور حتى تأتي النساء ممن تعملن معها على خدمة هذه الطيور والأعمال المنزلية الكثيرة من إعداد الطعام ليس لمن يعملون بالمزرعة أو الأرض ولكن لها ولبناتها الخمسة وزوجها .
بدأ الفلاحون العمال عنده بالحضور ليرعون محصول الطماطم بأرضه كان ذلك بأول أيام شهر رمضان حالتهم المالية لاتكفي حاجاتهم الأساسية من الطعام البسيط والشراب ربما لاتشتري لهم تلك الأجرة البسيطة التي يتقاضونها مقابل عملهم سوى مايكفي ليوم واحد مقابل هذه العمل الشاق .
أخذ عبد الحميد عصاه بإحدى يديه وبالأخرى يحمل كوبا من الماء يضرب بالأولى على ظهر من يحاول أن يرفع رأسه لأعلى ليستريح أويستنشق أنفاس الراحة ، وبالأخيرة قائلا معها من لم يستطيع أن يصوم فهذا هو الماء ليشرب منه ،مايهمني هو إنجاز العمل المطلوب ، كان بعضهم من قسوة العمل وذل الحاجه ، يشرب والأخر هناك يسقط أرضا من كثرة الإجهاد والتعب ، وغيرهم من شدة خوفه من غطرسة هذا المالك تصحبه زوجته إلى المزرعة ، تنتظر حتى تطمئن بأنه لن يعود إلى المنزل ويسبقها بالعودة إليه فترجع إلى المنزل .
كانت تلك المملكة تضم العديد من أصناف المحاصيل المختلفة من الأقطان والأرز وغيرها لينتهي موسم الحصاد ، يحصد معه الكثير من الأموال التي يضعها بخزانته الخاصه ويضيفها إلى مايكنزه منه ، لايلتفت إلى ذلك المال حين يضعه ولايعلم كم هي أعداه تلك الأموال بخزانته. .
يبدأ موسم آخر جديد يقوم فيه عبد الحميد بتجهيز أرضه بالآلات الزراعية التي كان يملكها، دون الإستعانة بغيرها ، فهو يملك جميعها ، يقف في صباح يوم جديد يتفحص وجوه النساء الاتي يعملن في مزرعة الطيور ، تقع عينيه على إحداهن التي حضرت لأول مرة بدلا من والدتها المريضة ، يناديها لتجهز له كوبا من الشاي وتجلس بجانبه على الأرض ، ينظر إليها نظرات إعجاب ويسألها إبنة من ؟ ومن أين أنت ؟ تجيب سؤاله حيت كانت هذه الفتاة من قرية قريبة لمزرعته غير قريته هو ، لم يعرف للشرف عنوان ولاللكرامة أصولا فكان يخون زوجته مع النسوة الاتي يعملن بالمزرعة دون علم زوجته .
قال لهذه الفتاة غدا تحضري معك والدك وتخبريه بأن الحاج عبد الحميد يحتاجك بأمر ضروري ، تعود الفتاة إلى منزلها بالمساء لتخبر والدها ووالدتها بما حدث ليوافقها الوالد في الذهاب صباح اليوم التالي إلى صاحب المزرعة وكيف له أن يعصيه وهو يمتلك قطعة أرض صغيرة بجانب مزرعته ؟
تلك الفتاة كانت تتصف بالتمرد فهي إمرأة سليطة اللسان قوية الشخصية قوية البنيان والجسد لاتهاب أحدا ولاتخاف جبروت هذا المالك ، من رغباتها وأمنياتها أن تعيش في مثل هذه المملكة لتأمر وتنهي فيما قد تملك إن أصبحت بهذا المنزل ، يحضر الوالد وبصحبته إبنته ، يأمرها صاحب المزرعة بأن تدخل إلى المنزل لتجهز الفطور له مع كوبا من الشاي ، ثم يـتحدث إلى والدها ويطلب إبنته لزواج لتصبح زوجته الثانية ، بين عجب لأمر الرجل وصمت كلماته ، يوافق ، لكن هذا المالك إشترط أن يكون الزواج دون مراسمه المعروفة فيضطر خاضعا لأوامره .
جاء موعد الزفاف السري ليدخل معها قصر الزوجية ، كم حلمت به تلك الفتاة ، يمر شهرا لتبدأ ممارسة هواياتها من إلقاء الأوامر على كل صغير وكبير حتى وصلت الأوامر على كل من بالمنزل لتشمل زوجته الأولى وبناتها فجعل منهم جميعا خدما يعملون على راحتها دون أي رد فعل من شكواهم لوالدهم .
لم تتحمل الزوجة الأولى كل هذا سببا ليصيبها المرض وتصبح لاتقوى حتى على حديث الكلمات ، تمر أيام قليلة لتتوفى الزوجة الأولى ويبقى بناتها ضمن مملكتها الخاصه ، راحوا جميعا يوافقون على الزواج ممن يختار لهم والدهم من الأزواج ، لايهمهم من يكون ، ليتزوجوا جميعا ، لصبح الطريقا والممكلة بكل مافيها ملكها هي فقط وأولادها الثلاثة الذكور الذين أنجبتهم من هذا الرجل .
تمضي سنوات العمر ليكبر هؤلاء الذكور ، يصبح أكبرهم بالثانوية العامة ، وأوسطهم بالصف الأول الثانوي ، وأصغرهم في الصف الثالث الإعدادي ، الأول يشبه والده كثيرا في طباعه ،والثاني معتدل التفكير ، والثالث لايعرف من يكون فهو لايدرك للحياة معنى لصغر سنه .
يتوفى عبد الحميد ، وتستريح منه الأرض ومافوقها فهؤلاء العمال الفلاحين ، قد أصبحوا ملاكا صغارا ، ليس لهم حاجه في العمل في هذه المزرعة ، يتحول الإبن الأكبر إلى مدمن للخمور ، يقضي يومه في سهرات لاتناسب عمره راح معها يضيع ماجمعه والده من المال ، ولشدة إدمانه قام إخوته بتوزيع ماتركه لهم والدهم حسب الميراث الشرعي خوفا من ضياع كل أرض المزرعة .
بدا الإبن الأكبر رحلته من الفشل حيث كان فشله الأول هو رسوبه في الثانوية العامة ،ثم تزوج من إبنة عمه ، راح يشتري لها أحدث أنواع السيارات ، كانت هي مهذبة لكنه كان يقف بسيارته بوسط الطريق وينزلها من سيارته وبدون وعي منها ، يوقعها ضربا ولايلتفت لمن حوله من الأصوات التي كانت تناديه لاتفعل معها هذا وإن كانت مخطئة فحاسبها بمنزلك ، لم تتحمل الإهانات المستمرة منه ، فراحت تطلب الطلاق ليطلقها بعدها ويصبح هو وحيدا .
إلى تلك المزرعة ونصيبه منها ، كان كل شهر يمر عليه يبيع منها بعض الأفدنة التي كان يشتريها منه من كانوا يعملون فيها بالأجرة من قبل ، أوشكت أرضه على النفاذ ليشترى ماتبقى منها أخيه خوفا من القيل والقال ، لكن أخيه هذا الأوسط والصغير لم يعجبهما مايفعله فيذهبان إلى سكن آخر تاركين له المزرعة وكل مافيها ،
راح يقتلع الأبواب والنوافذ من قصر والده ، ليس أمامه سوى ذلك بعد أن نفذ رصيدة من الميراث لتصبح المزرعة مجرد جدران لحوائط ، يخلوها أي نوع من أنواع الحياة ، تتبدل فيها الوجوه لتصبح الأرض لمن كانوا عمالا فيها ، ويصبح هذا القصر مأوى للجرذان تسكنه ، وتبقى الذكريات يقرؤها كل من مر من أمامها صدفة ، يقرأ الماضي في معالمها ، وكيف كانت مرارته ، ينظر للحاضر وكيف يثأر الله للمظلوم حين يفطره الظالم نهارا يوما غصبا من أجل مصلحته ، فتصبح المزرعة حتى هذا اليوم هي مجرد مملكة خاوية مكتوبا عليها كل ذكريات الماضي .
بقلم : جمال القاضي
جمهورية مصر العربية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.