جريدة النجم الوطني

- Advertisement -

- Advertisement -

الليلة الباردة الثالثة و الأخيرة “روح سعيدة ” بقلم / مريم الوزاني

0 86

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- Advertisement -

الليلة الباردة الثالثة و الأخيرة “روح سعيدة ” بقلم / مريم الوزاني

غادرني قلمي ، فهو وليد أرقي.

فهذا الأخير قد سافر بعيدا عني منذ آخر ليلة باردة لنا ، بحثا عن الدفئ، فقد أهلكه البرد القارس

الساعة الحادية عشر و النصف مساءا ، بينما أنا أضيف غطاءا ثالثا، كي لا أسمح للبرودة بالتسلل و الوصول إليٌ ، سمعت طرقاً خفيفاً على باب زنزانتي .. نعم ، إنه عزيزي الأرق الذي لطالما خطف النوم من عيناي، لكن صدقا، قد اشتقت له، فأنا كائنة ليلية، لا تغريني السماء الزرقاء، والشمس بخيوطها البازغة، أعشق الليل و هدوءه، والقمر و أطواره ، و مصابيحي النجومية المعلقة في السماء ، يقولون لا يمكنك معرفة قيمة الشيء حتى يغادرك و هذا ما حصل لي مع مرهق عيوني.

بعد تبادل الأحضان ، نظر إلى وجهي :

– “هنالك شيء ناقص على وجهك يا مريم”

ابتسمت مُدَعية الجهل ،وبعد تدقيق عميق ،لاحظ أخيرا غياب سواد عيناي ،فقال لي مطمئنا : -” لا تقلقي يا بئر الحنان ، سأُلوِّن عيناكِ بالسواد” ، و أكمل مُعَاتبا : -“أنت تحملين لقب الرفيقة المخلصة لي ، أيمكن ذلك دون هالات”

انفجرت ضحكا، فسمعت طرقا على حائط زنزانتي ، إنها الغالية تسألني عن سبب ضحكتي في هذا الوقت ، أجبتها كاذبة أني أضحك بسبب نكتة أرسلتها لي أختي.. هربت إلى المطبخ كي أجهز مشروبا كعادة ليالي الباردة، كانت قهوة مُرّة، ستكون المحظوظة هي رفيقتي الثالثة في ليلتي الباردة الأخيرة.

لزنزانتي أربعة حيطان ناصعة البياض ملوثة ببعض الزينة الوردية، على رأسها سريري المرتب المُخلص الذي لطالما مدّ ذراعاه فاحتضنني برفقة دموعي منكسرة من حر الحياة المرهِقة، وخزانتي المُثقلة بملابسي السوداء، ومكتب يحمل كتبي و قصائدي و مذكراتي، وكل أشيائي الجميلة.. و أخيرا خزانتي الوهمية الحاملة الأشرطة الأرشيفية.

حملت شريطا مرت عليه خمس سنوات.

سعيدة فتاة تبلغ من عمرها 14 سنة ، ابنة البادية ، جاءت برفقة أمها رحمة إلى المدينة بحثاً عن لقمة عيش، لكن في الحقيقة قد رافقت أمها بحثاً عن والدها الذي آتى إلى المدينة أيضا منذ سنين غير معدودة.

تعرفت على سعيدة في إحدى دور القرآن، كانت أمها تتركها صباحا هناك تحت ذريعة التعلم، لكن الحقيقة كانت كي تتخلص منها في يوم عملها آخر الأسبوع ، وتتجول بين أزقة المدينة بأريحية..

في إحدى الأيام، تعرفت رحمة على امرأة أسقطتها في بئر الإغراء، بحجة عمل مريح وجدته لها.

أمسكت رحمة ابنتها برفقة المرأة و ذهبن في اتجاه بَقال بعمارة.

ينهض البقال من مقعده مرحبا :

– أهلا… مرحبا بالذي حضر و أحضر

- Advertisement -

المرأة تسأل البقال ضاحكة :

– و ماذا بعد الترحيب ؟ هل من جديد؟

– لا بد من جديد للجديدة

– سيحين وقت حسابي معك يا إبراهيم، المهم الآن أن تشغل رحمة ، إنها في ضائقة

– و من تكون تلك الفتاة ؟

ترد رحمة :

– إنها ابنتي سعيدة

– غير معقول.. إنك أصغر من أن تكون لك ابنة في عمرها ، لكن لدي عرض لست أدري إن كانت رحمة ستوافق عليه. إن الحاجة فرصة التي ببالك تريد فتاة في سن سعيدة، و تريد الفتاة لوحدها.. و هي لن تشتغل عندها.. بل..بل.. ستعمل عند رجل ثري من أقرباء الحاجة و هو كريم جدا .. سيعطيها ثمنا يفك ضائقتك و يزيد.. ليس بمغربي ، إنه من إخواننا، فكرن في الأمر و أنا في انتظاركن.

لم يهم الأم كل هذا الكلام ، المهم هي عقدة ضائقتها المالية سَتُفَك..

بعد يومين ،ذهبت سعيدة إلى الحاجة غيثة ،فأوقفت الأخيرة سيارة أجرة و دفعت الفتاة إلى الداخل و هي بجانبها، وانطلقا إلى وجهتهما..

في باب فيلا ضخمة ،بادرت الحاجة في تسوية ملابس سعيدة و شعرها، وبعد ذلك أدخلتها. في أعلى الدرج وقف شيخ بلباس خليجي، وبدأ بمخاطبة الحاجة و الفتاة تنقل نظراتها بين الاثنين دون أن تفهم شيئا ..

يقترب الشيخ من سعيدة، ويضع يده على كتفها و يدفعها برفق نحو الداخل ، تتمسك الفتاة بالمرأة ، لكن هاته تدفعها بيد، في حين تحاول إخفاء الأوراق المالية في حقيبتها بيدها اليمنى و هي تقول:

– ادخلي مع الحاج..سأقضي بعد الأغراض مع الخادمة ، وأعود على وجه السرعة ..و الحاج رجل كريم سيعتني بك جيدا.

في ظلام ذلك اليوم الأسود ، وصل الحاجة غيثة خبر ،فأسرعت إلى الفيلا، تقدم الشيخ مشيرا إلى مكان سعيدة ، جثة سعيدة على الأرض ، ملابسها ممزقة ، غارقة في دماءها ، مع آثار عنف على جسدها … صدمة الحاجة كانت عظيمة ، جربت العطر و البصل، لكن دون جدوى فروح الصغيرة لم تتحمل كل ذلك الألم .

غادرت سعيدة الحياة، وأقفلت الحاجة فمها و صدمتها بشيك على بياض قدمه الشيخ لها ، أما رحمة فلا ماء يطفئ نيرانها المشتعلة، و هي لا تعلم مصير ابنتها، فقد أنكروا جميعا أمام الشرطة، فالوغد قد أقبر القضية بماله.

مسحت دموعي البالية، وأغلقت شريطي هذا ، ودعوت مع المرحومة، و غادرت لياليٌَ الباردة، و ذهبت إلى النوم، و أنا أحمل عهد لقاء آخر مع فجر باكر أول.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.